Libyan Jihad Center for Historical Studies المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية
 
 

اعلان 

 

 الرئيسية

اتصل  بنا

  اليوم 05 - 9 -2010

أبحث في جوجل

 

أقسام المركز

 
الرواية المرئية
 
مختارات من مكتبة الصور
 
أرشيف الأخبار والمقالات
 
 
 
منشورات شعبة  النشر
Carousel Slideshow
الـبـحـث
ابحث حسب التاريخ
اليوم الشهر السنة


الفاتح - سبتمبر 2010
سبتاحداثنينثلاتاءاربعاءخميسجمعه
1 2 3
4 56 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
 
 
 

الصفحة الرئيسية / مقالات ودراسات / بعض الروايات المتداولة

 

بعض الروايات المتداولة
التاريخ 17- 3 -2010
Print View  305 مشاهدات
في واحات الجنوب البرقي
من خلال مدونات بزامه

د. محمد بشير سويسي
كلية الآداب – ترهونة
جامعة المرقب

بعض الروايات المتداولة في واحات الجنوب البرقي
من خلال مدونات بازامه
د. محمد بشير سويسي
كلية الآداب – ترهونة جامعة المرقب

واحة أوجلة، واحة عربية أصيلة تنتشر بها الروايات التاريخية، انتشاراً واسعاً وكبيراً بين أفراد الواحة، وخاصة المسنين منهم، وينقلونها عبر أجيال مختلفة، مما جعلها ترسخ رسوخ الجبال الرواسي، وخاصة وهي واحة نائية وبعيدة كل البعد عن الساحل، وما شهدته من حروب وتسلط جعلت أهلها يغادرونها إلى مناطق مختلفة من ليبيا وحتى مصر، بل يقدمون كل وسائل القربات والدعاوات، لعودتهم إلى أرضهم مع الحياة الطيبة، مما زاد من كثرة الأسطورة والخيال بهذه الواحة وكذلك الأشباح.
وحين اشتغل المرحوم محمد بازامة في واحة جالو، وجد هذه الروايات أمامه لدى كل إنسان أوجلي فاستطاع تدوينها وفق خيال أهالي هذه الواحة، ووضعه في كتابه المذكور سلفاً، رغم ما فيها من تباين.
إذن: لكل جماعة بشرية أيا كانت درجتها الفكرية، وأوضاعها الحضارية، عقيدة تنتهجها، أو مبدأ تسلكه، أو ديناً تلتزم به وتخلص له، ولهذا بدأ بنو البشر على اختلاف مللهم ونحلهم يبحثون عن آلهة تحميهم وتقيهم شر المخاطر، وتجلب لهم المنافع، وتدفع عنهم الويلات، يلجأون إليها عند الشدائد والمحن، يكرمونها فتكرمهم، يقدمون لها القرابين والضحايا فتقدم لهم الخير، وتفيض عليهم البركات، فالمنفعة متبادلة بين الآلهة وعبادها، ولذلك تعددت بتعدد الأهداف والغايات المرجوة منها، وارتبطت بدرجة التطور الفكري والرقي الحضاري عند الأجيال البشرية المتتابعة. فقد سادت حضارات زاهرة، ثم اندثرت وبادت، كان لها تراثها وحكاياتها وأقاصيصها المقبولة في أفكارها، المنطقية في أحداثها حينذاك ثم تحولت مع الزمن إلى أساطير تنظر إليها الأجيال المتعاقبة بالاستخفاف تارة وبالخيالات المشحونة بالخوف من المجهول تارة ثانية، وبالرغبة في إدعاء المعرفة بأسرار الكون وخفايا الأمور والاطلاع على الغيب تارة ثالثة ... حتى صارت هذه الأساطير تعد رسالة الأجداد للأحفاد بكل ما تحتويه من أفكار أو وصايا أو حكايات، تناقلتها الأجيال لتبقى شاهداً حياً يرويها الخلف عن السلف مشكلة جزءا من تراث شعوبها وحضارتهم، وأصبح لكل شعب أو أمة أو ملة تراثها الخاص وحكاياتها وأمثالها وأقاصيصها وأساطيرها الشعبية الخاصة، تفسرها من خلال رؤي معينة، ومفاهيم وأفكار ذاتية.
هذه الأساطير وإن اختلفت في بعض أفكارها، إلا أنها متقاربة في جوهرها، فهي تحكي قصصا ذات أحداث خيالية غريبة غير معقولة أحياناً ولا منطقية.
وفي واحة أوجلة أضرحة لعدد من الأولياء من بينهم ضريح سيدي أحمد أبو سلسلة ، ومسجد لولي يعرف بهذه التسمية، ويروي أهل الواحة حول المكان أسطورة، قدمها المرحوم كما سمعها مشافهة عن بعض الأواجلة لما فيها من طرافة التعليل والتفسير.
يقول بازامة في هذا الشأن :
"يروى أنه على إثر وفاة الرجل وإقامة الضريح له، تدلت من السقف سلسلة من حديد كانت لها خاصية عجيبة، فإذا ما تخاصم اثنان وتعذرت إقامة الحجة على أحدهما، اقتيدا إلى الضريح، فالصادق منهما في دعواه تصل يده إلى السلسلة المدلاة حتى يمسك بطرف منهما، بينما تقصر يد الكاذب عنها مهما حاول ذلك وهو على الأرض بقدميه، ولا دخل للطور والقصر في القامة واليد في هذا الأمر، فقد يطالها القصير ولا يمسك الطويل بها، ويعدون هذا حكماً بين الاثنين ملزماً لهما معا وفصلاً في النزاع" .
وقد ذكر في كتابه أيضاً:
"حدث ذات مرة أن تخاصم رجلان حول مال ادعى أحدهما أنه له في ذمة الآخر، وأنكر هذا أن يكون في ذمته للرجل أي مال، ولما كان المنكر منهما مؤمناً بأن الفصل في القضية سيكون في السلسلة وعلى الشكل الذي وصفناه، لجأ إلى حيلة، اهتدى إليها إذ اتخذ عصا من الخيزران المفرغ الوسط، وعبأها بالقيمة المستحقة للرجل عليه نقودا، ثم أحكم سدها من الجانبين، ولما كان في حضرة القوم عند السلسلة، أمسك المدعي بطرفها فقد كان صادقاً في دعواه، ثم تقدم المدعي عليه منها، ولكن وقبل أن يمد يده ليمسك بها دفع بعصاه إلى خصمه لتفرغ يداه، وامسك بالسلسلة هو الأخر، فقد كان هو الأخر صادقاً في سداد ما عليه من دين لصاحبه، ثم تناول عصاه تلك وغادر الضريح تاركاً الكل في حيرة من هذا الحدث الذي لا سابقة له" .
وفي ليلة نفس اليوم، اختفت السلسلة المدلاة إلى الأبد، وبقيت التسمية تذكر بالقصة المرواة.
ولكن هذه الحادثة وهذا الضريح، له من الجذور التاريخية بهذه الواحة عبر الزمن وإلى الآن ويكاد يجمع الأواجلة على ولاية هذا الوالي، والمكانة السامية التي يتمتع بها لديهم، وأنهم يدفنون موتاهم بالمقبرة القريبة من هذا الضريح، رغم بعدها الشاسع عن الواحة، وقد حضرت بنفسي جنائز كثيرة في ذات المكان، وزرت ذلك المقام ولم أشاهد السلسلة المتدلية ولا شيء أخر عدا الضريح، والبناء المقام حوله.
ويعلق الرواة على هذا، بأن أهل الواحات، قلوبهم بيضاء نقية طاهرة، لم يدخل فيهم الغش والنفاق، ولم يعرفو التحايل والكذب.
وبغض النظر عن الجانب الخلقي في هذه الأسطورة، فإن قضية الربط ما بين الحيل والخداع، قضية تاريخية، حيث تعرضت الواحة لاستيلاء عثمان باشا الساقزلي عليها، وذكرت كتب التاريخ ذلك.
إلا أننا ومع هذا الماضي القريب، نجد للمسألة صداها الأعمق في التاريخ، فقد روى لنا هيرودوت في تاريخه (الرابع 201) قصة الخداع الفارسي في القسم وتحايلهم الذي أدى إلى دمار برقة (المدينة) فهل هي ذاكرة الشعب تروي ذات الحادثة في أسطورة جد عريقة عبث بها خيال الرواة وحور فيها بحيث تنسجم والمجتمع.
بالطبع ليس في هذا من منطق تاريخي محتمل، ولكن مجرد سيمات حرة للفكر حاولنا من خلالها أن نتحسس رابطاً من خيط واهٍ رقيق ما بين أسطورة باقية وواقع تاريخي جد بعيد.
إن أي أسطورة، يقوم بها أبطال ذوو قوة خارقة تفوق قدرة البشر، وتحكى أحياناً أحداثاً بسيطة وأفكاراً ساذجة تثير السخرية والاستخفاف، وهي في أغلب أفكارها ذات صيغة روحانية أو دينية عند تلك الشعوب البدائية التي خافت الطبيعة ورهبت مظاهرها، فعبدتها، وهذا ينطبق تماماً على سكان أوجلة القدماء عبر العصور وغيرها من الأماكن والقبائل الليبية والعربية بصفة عامة قبل الإسلام، لأن الدين، فطرة داخل الإنسان وغريزة في ذاته، وهو جزء من كيانه، ووجوده كبقية الغرائز التي تكون النفس البشرية.
وقد اعتمد المرحوم بازامة، على أفواه الأواجلة، في بعض معلوماته، وبعضها الأخر من المصادر الأجنبية التي اعتمدت على ذلك، مما طبع الكتاب على الأسطورة والخيال، رغم ما في بعضه الأخر من حقائق تاريخية تحتاج أيضاً إلى مزيد من التحقيق والتدبر والتأمل ومطابقتها بالمصادر العربية الأصيلة، وفي قصة سكان أوجلة، روى لنا قصة وهي كالأتي:
"روى الأب فرناندو زانون (من البعثة الكاثوليكية التبشيرية العاملة في برقة إبان عهد الفاشست) في مقال مطول له بعنوان: "أوجلة واحة الصحراء الليبية الأسطورية" خبر الشامس أو شمص وشلتوت الذي استقاه – فيما قال – عن الشيوخ المعمرين من أهل الواحة على النحو التالي: "... شلتوت والشامس رجلان قدما من بلاد المغرب، فلما بلغا منطقة الصحابي، أرادا الاستقرار بوادي رسم ، إلا أنهما لم يجدا فيه مأمناً كافياً لقربه من الشمال والعمران. فأوغلا جنوباً حتى انتهيا إلى وادي أوجلة الذي لم يكن به لا ناس ولا زرع، إلا أن مياهه عذبة غزيرة وتربته ذات أعشاب، فحطا به رحالهما وشرعا في إقامة أول مبنى هناك وفي زراعة شجر النخيل وبعض المزروعات الأخرى (حبوب وخضروات)، وعمرت أوجلة بنسليمها ويعتبر شلتوت جدا أعلى لقبيلة السباخ، والشامس جداً أعلى لقبيلة الحطي".
بعد هذا يتساءل الإنسان: ومتى حدث هذا؟ بدون شك أنه تال للإسلام، حيث منطقة الصحابي، غير أنه لم يحدد زمناً لهذا الحدث، كما لم يتعرض لبقية قبائل الأواجلة، وهما السراحنة والزقاقنة فإلى من تعودان بأصلهما أو من هو الجد الأعلى لكل منهما. ما دام شلتوت جداً للسباخ والشامس جداً للحطي؟.
ويقول بازامة وأثناء فترة إقامتي بواحة جالو للتدريس وقفت على شيء من ذات الرواية، إلا أنها لا تذهب إلى أبعد من طروء الرجلين، على الواحة ونزولهما على أهلها من السراحنة والزقاقنة، وهم سكان ذات البلدة في الأصل وأنهما قد توالد منهما الحطي والسباخ، وذلك في رواية أخرى كما يقول بازامة، تعيد السراحنة من الأواجلة إلى أصل عربي، إذ تجعل منهم سلالة تعود بنسبها وانتمائها إلى أبن أبي سرح أو إلى أصحابه الذين رابطوا بها وأعقبوا بالواحة من لا يزالون يسمون بالسراحنة نسبة إلى الصحابي الجليل عبد الله بن سعد ابن أبي سرح ، وله رواية تاريخية ذكرها بازامة كما ذكرتها كتب التاريخ، ولا داعي لسردها، رغم ما فيها من خيال وأسطورة.
تكون السكان في شمال أفريقيا، هو نتيجة الهجرات العربية من الشرق إلى الغرب ولم تكن بالعكس، وبعد الازدحام هاجرت بعض بطون وأفخاذ القبائل الليبية، فهناك غيرهما (شامس وشلتوت) عديدون قدموا من المغرب وتركوا في الليبيين سلالات، وليس في هذا الأمر من غرابة، وتحت إسراف في الخيال قال بازامة: "قد يجنح الخيال بالإنسان فيتصور واقعاً شاذاً غريباً لا يصدقه عقل صانعه ذاته، إلا أنه لا يرقى به إلى أبعد من عالم الخرافات والقصص والحكايات، ولا يوصل هذا عادة بالحياة والناس، ولا يعتقد أحد من السامعين أو المطالعين له في صحة وقوعه، ولكن حينما يبلغ الحماس الديني بالبعض حد الهوس، يفقد قدرته العقلية على التمييز بين الممكن واللا ممكن مما يروى له في مجال ما هو متعلق به.
واستطرد قائلاً: وإيماناً منا بأن ما من أسطورة في تمامها وبكاملها موضوعة أو مختلقة، وأنها في الغالب رواية شعبية لأحداث تاريخية وقعت بالفعل، إلا أن المشاعر والأحاسيس دفعت برواتها إلى إضافة تفاصيل تلونها وتضفي عليها هالة من الغرابة أحياناً ومن الآمال أخرى، أو تستغل هي التفسير والتبرير لما جهل حقيقة من الماضي القريب أو البعيد، وجميع هذا هو ما أبقاها حية في ذاكرة الشعب يرويها جيلاً عن جيل" .
ولو رجعنا قليلاً إلى المصادر التاريخية، التي كتبت عن سكان أوجلة، وسماتهم وتشابههم بالسكان الأصليين، لشبه جزيرة العرب، واليمن، لكان ذلك هو الأصل، لأن الهجرات العربية بدأت من الشرق إلى الغرب وليس العكس، كما أن الروايات الشعبية والقصص الخرافية والأساطير تدخل في أعماق البشر وأحاسيسهم، وتنقل عبر الأجيال المختلفة، حتى يكاد الناس يؤصلونها حقيقة تاريخية صحيحة، وما عداها فهو باطل، وخاصة أوجلة عبر الفيافي والصحراء القاحلة وكثرة الخرافات بين أهلها، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة هذه الواحة، فأعود إلى ما كتبه علماء العرب المسلمين حول سكان أوجلة بعيداً عن الأسطورة والخيال بإيجاز :
قال محمد عبد الرزاق مناع في كتابه:
"كان للواته دور هام في تاريخ البلاد الليبية، فقد كانت تشكل مع هوارة وزناتة وصنهاجة وغيرها من القبائل القديمة قوة ضاربة في وجه الغزاة الإغريق والرومان، وكانت لواتة أول قبيلة تعتنق الإسلام قبل مجيء عمرو بن العاص ، فقد ذهب مجموعة من شيوخها إلى الخليفة عمر بن الخطاب وأشهروا إسلامهم هناك، ومهدوا للفتح الإسلامي".
وتوجد بعض أثار لواته ماثلة للعيان الآن في واحة أوجلة التي ينحدر سكانها من هذه العشيرة الراسخة في القدم.
وكذلك اللغة لا تكون عنصرا مميزا دائماً، وإنما المميز الدائم الذي لا يتغير هو في التكوين البدني، وهذا أمر لا يمكن إلا لعلم البشريات أن يفصل فيه، فكيف يميز بعض الباحثين السلالات البشرية عن طريق الأسطورة والخيال.
فإن الأواجلة يتكلمون (الشحايا) لا (الرطانة) يسمي العرب رطانة كل لهجة تستعمل في الحديث مخالفة للهجة المحلية، وبذلك فإن تراطن معناها: تحادث بلغة أجنبية.
بينما يرى آخرون أن أقدم سكان أوجلة كانوا من النساميين الذين كانوا ينتشرون في كثير من أجزاء صحارى ليبيا وخصوصاً سرت، ولكن هذا العنصر اختفى منها تماماً بعد الحروب التي دارت في عهد الإمبراطور الروماني جيستنيان، فلما جاء الفتح الإسلامي كان عنصراً جديداً من البربر (العرب) قد استقروا في الواحة.
أرجح أن أوجلة قبيلة أو بطن من بطون العرب الذين هاجروا من شبه الجزيرة العربية إلى الشمال الأفريقي مع هجرات بني هلال وبني سليم، وتفرقت هذه الهجرات بين الشمال والوسط والجنوب من أفريقيا.
وبمرور الزمن انصهر المجتمع الأوجلي في بوتقة واحدة، لغتها العربية ودينها الإسلام، فاهتم ببناء المساجد والزوايا كغيره من المدن الإسلامية التي فتحت مثل مسجد عبد الله بن أبي سرح، وزاويته بواحة أوجلة، وهو أول مسجد شيد في أوجلة بعد الفتح الإسلامي لها وكذلك الزاوية فكانت لبنات في حياة القوم الاجتماعية والحضارية، أثرت في حياتهم الاقتصادية والاجتماعية واثرت في المرأة وفي غير ذلك من شؤون الحياة العامة.
ويرجح بعض المؤرخين أن أصل الأواجلة قحطاني من سلالة النعمان بن حمير ملك سبأ وقد هاجرت هذه العشيرة بعد انهيار سد مأرب واستوطنت بعضها سيوة وبعضها في أوجلة وزويلة وغدامس.
تتكون أوجلة من اربع أقسام (عشائر) وهي كالأتي:
1- الحطي، تضم مجموعة كبيرة من العائلات التي تسكن واحة أوجلة.
2- السبخة: تضم أيضاً مجموعة من العائلات.
3- السراحنة: وهي تضم كذلك مجموعة من العائلات .
4- الزقاقنة: وهي تضم كذلك مجموعة من العائلات .
يقول بازامة: "هؤلاء القوم أي (الأواجلة) ليسوا في الواقع بقبيل واحد، فالانتماء بينهم وفيهم أصلاً إلى البلد وداخلها إلى أماكن منها تعكسها التسميات إلا أنهم، تأثروا منهم بالمحيط الاجتماعي الغالب وهو قبلي، أوجدوا لأنفسهم جداً أسطورياً بل جدين: "شلتوت" و" شمص" أو "شامس" جاءوا بهما من المغرب، وجعلوهما يستقران بأوجلة الخالية من السكان فيعمرانها ويكونان نسليهما فيصبحان أصلين لجماعتين منهم الحطي والسباخ (السبخة). أما السراحنة والزقاقنة فهما جماعتان أخريان لا ينتميان – فيما نعلم – إلى أي من هذين الجدين، وليس لهما من جد أعلى كالمذكورتين".
ولكني أقول:
ارتبط تأسيس هذه الواحة بالهجرات العربية القديمة إلى الشمال الأفريقي، نتيجة الجفاف والتصحر في شبه الجزيرة العربية، إلى المناطق الساحلية والداخلية، لمنطقة شمال وجنوب أفريقيا ، وقيامهم بإنشاء العديد من المراكز والمحطات التجارية، وتعيد هذه المصادر نشأة المدينة إلى نهاية الألف الرابع قبل الميلاد، كما ذكر بذلك هيرودوت، نشأتها في ذلك شأن المستعمرات الكثيرة التي أنشأها الفينيقيون قبل نهاية الآلف الثانية أو بداية الألف الأولى قبل الميلاد مثلاً في طرابلس، وتوسعهم التجاري والحضاري بالبحر الأبيض المتوسط. فهل تبنى المدن القرى بالأساطير والخرافات الوهمية وكذلك القصص التي تنقلها الأجيال عبر التاريخ نتيجة عدة ظروف.
كما هو الشأن في إقامة واحة أوجلة، والتي نقلتها بعض الكتب أمثال: البيان المعرب، لابن عذارى المراكشي، وواحات الجنوب البرقي، لمؤلفه محمد مصطفى بازامة رحمهما الله تعالى، قصة الشعماشي وشلتوت، والعفاريت والجن، حيث أن أوجلة خالية من البشر تماماً، نظراً لتلك الآراء السطحية الخرافية والبعيدة عن الواقع، والتاريخ يؤكد خلاف ذلك، وقد كان استمرارها هذا عاملاً هاماً في طمس ملامحها التاريخية، كأغلب المدن التي ظلت مستمر في الوجود، ولم تتوقف بها الحياة عند مرحلة من المراحل، تشهد عليهما أثارهما المرسومة المعلومة، كما هو الشأن بالنسبة لصبراتة ولبدة.
مع ذلك كله، تتوفر لدينا من المبررات التاريخية ما يدفع إلى الاعتقاد بأنها قديمة، قدم طرابلس، وأن دورها لم يأخذ في الظهور والتبلور والبروز، إلا بعد انتشار الإسلام في أفريقيا والممالك الإسلامية جنوب الصحراء، واعتناق الدين الإسلامي.
كل ذلك يدل على ما كانت تتمتع به من أهمية في سلسلة المدن القائمة في الصحراء، فلم يغفلها أحد من المؤرخين الذين تتبعوا أخبارها ونزلوا بها أمثال: أبو عبد الله محمد بن أحمد القيسي الشهير بالسراج الملقب بابن مليح في رحلته التي كانت (1040-1042هـ)، (1630-1633) في كتابه: أنس الساري والسارب من أقطار المغارب في منتهي الآمال والمأرب سيد الأعاجم والآعارب، وذكرها الإدريسي في كتابه، نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، ص 149، وابن غلبون في كتابه: التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار، ص 161. وذكرها الزبيدي في قاموسه: تاج العروس من جواهر القاموس. مادة أوجلة، ولم يهملها أي واحد من الجغرافيين أو الرحالة الذين أتيح لهم زيارتها أو يكتبون عنها أمثال: البكري ، وابن حوقل ، والحموي ، وغيرهم كثير.
ويتجه العلماء إلى اعتبار إنسان مشته العربي الذي اكتشفت جمجمته بالجزائر متشابها مع إنسان نياندرتال بفلسطين وهي نتائج تثبت بالدليل العلمي التشابه بين إنسان شرقي ليبيا وإنسان الجزائر وإنسان نياندرتال في فلسطين، مما يدل على أصلهم الواحد، وأن الهجرات كانت تتم من الشرق إلى الغرب، وأن علماء السلالات يثبتون علمياً أن مصدر هجرات حوض البحر المتوسط هو شبه الجزيرة العربية، وليس العكس، ويعود تاريخها إلى ما قبل خمسين ألف عام.
إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية من أشدها همجية وأدناها حضارة حتى أرقاها فكراً وتطوراً، وهي موجودة فيها منذ فطرتها الأولى.
والذي يدفع الإنسان إلى التدين, الخوف من الموت، والإحساس بالرهبة أمام عظمة هذا الكون العجيب وبما يجري فيه من كل ما يثير المشاعر والأحاسيس، وهذه الرهبة أثارت نفس الإنسان البدائي فدفعته إلى التدين ليحمي نفسه ويأمن الطبيعة ومظاهرها المرعبة كخسوف القمر وكسوف الشمس والرياح والعواصف والأعاصير والزلازل والبراكين، وليتقي شر الحيوانات المفترسة، والوحوش الكاسرة، وكان يخشى عوائد الدهر ومصائب الزمن، والقحط والجدب والجفاف، وشتى الكوارث، وبدأ ينسج حولها الأساطير والحكايات، وهو ما فعله الإنسان الأوجلي، أسوة ببني جلدته وملته من أبناء وطنه، أيحق من الناحية التاريخية، أن تشكل مصدراً تاريخياً؟ وينسب على أساسها سكان الواحة وينتمون؟ ذلك بعيد عن الحقيقة والمفهوم الحضاري للشعوب وأصولهم الأصلية، لا ينسبون إلى جن أو عفريت أو أسطورة، أو حملة عسكرية، بل لعلم الأنساب، والحفريات ، والكربون المشع هو الذي يحدد الزمن لتلك الشعوب.
بل جعل لكل حادث إلهاً مميزاً يتقرب منه ويتوسل إليه، فالإنسان منذ نشأته الأولى أخذ يبحث ويتأمل ويفكر في خلق هذا الكون وما فيه من آيات فيجوب البحار والفيافي، فعجز عن فهمها أو تفسيرها، فخشيها وخاف منها وصار يتقرب إلى كل مصادر الرعب في الطبيعة، آملاً في النجاة، فعبدها وأخلص لها، وأمن بوجود الأرواح.

المصادر والمراجع
) محمد مصطفى بازامة: واحات الجنوب البرقي بين الأسطورة والتاريخ، الدار الحوار الثقافي العربي الأوروبي، الطبعة الأولى، 1994. ص 111.
) محمد مصطفى بازامة، واحات الجنوب البرقي، ص 112.
) المصدر السابق ونفس الصفحة.
) محمد مصطفى بازامة، واحات الجنوب البرقي ، ص 108، مصدر سابق.
) بئر الرسم: أو ما يعرف أيضاً ببئر الركب: يعتبر من الآبار القديمة جداً في المنطقة، وقد لا نستطيع تحديد الفترة الزمنية أو التاريخ الذي تم فيه عملية حفره، ولكن يؤكد أهالي أوجلة أنه في بداية الفتوحات الإسلامية، وهو نقطة هامة في طرق القوافل والرحلات العلمية للتزود بالمياه العذبة في وسط الصحراء، ثم بعد ذلك اتخذته قوافل الحجاج القادمة من المغرب العربي والمتجهة إلى أرض الحجاز، نقطة استدلال عبر الصحراء هذا جانب، والجانب الأخر أن البئر موجود بمنتصف الطريق إلى الحجاز أكسبته أهمية خاصة بالنسبة للقادمين من المغرب.
وبهذا سمي بئر الركب لتزاحم القوافل عليه، والبئر من الداخل جداره متماسكة بدون استعمال أي أخشاب للمحافظة على كيانه، كما جرت العادة بالنسبة للآبار الموجودة داخل المنطقة، وماء البئر عذبة بالنسبة لمياه الآبار الأخرى الواقعة في نطاق الواحة، والبئر لا يعرفه الآن إلا القليل النادر من أهالي المنطقة.
السدير الفائح المنتخب، لمؤلفه محمد الصالح بن سليم الأوجلي، دراسة وتحقيق: محمد بشير سويسي _ منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية،1988م، ص 65-66 هامش 4.
) عبد الله بن أبي سرح: ويكنى أبا يحيى وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكانت أمه أشعرية، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله أن يقتل فاستجار له عثمان، فاجاره النبي صلى الله عليه وسلم.
اختبأ عبد الله عند عثمان بن عفان، فجاء به يوم فتح مكة وأوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس فقال: "يا رسول الله بايع عبد الله فبايعه بعد ذلك".
أنظر عز الدين بن الاثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة، كتاب الشعب 3/259-260-261، أبن عدارة المراكشي، البيان المعرب لأخبار الاندلس والمغرب، دار الثقافة. بيروت – لبنان، تحقيق ومراجعة ج_س كولان ايلفين بروفال، الطبقة الثانية 1400هـ-1980م، 1/10-11.
) محمد مصطفى بازامة: واحات الجنوب البرقي، ص 127.
)المصدر السابق، ص 128.
) محمد عبد الرزاق مناع، الأنساب العربية في ليبيا، الناشر مؤسسة ناصر للثقافة، ص 63-64، السدير الفائح المنتخب، ص 103 مصدر سابق.
) عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد ابن كعب بن لؤي القرشي، أمير مصر يكنى أبا عبد الله وأبا محمد توفي سنة 34هـ، وقيل قبلها بسنة، وقيل بعدها، عاش نحو تسعين سنة، فقد عاش بعد عمر بن الخطاب، عشرين سنة.
أنظر: شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، وبهامشه الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عبد البر النمري القرطبي المتوفي سنة 463، الطبعة الأولى، سنة 1328هـ، مطبعة السعادة: 3/312، رقم 5882.
) السدير الفائح المنتخب، ص 103، مصدر سابق.
) وثائق إيطالية، شعبة الوثائق الأجنبية، ميكروفيلم، رقم 231، مركز الجهاد.
) عبد العزيز طريع شرف، جغرافيا ليبيا، الطبعة الثانية القاهرة، ص 280-281.
) هناك من ير أنهم مهاجرون مراكشيون وأنهم وصلوا إليها من الغرب فلما لم يجدوا بها أحد استقروا فيها.
عبد العزيز طريع شرف، ص 280، مصدر سابق.
ومنهم من يقول: هم بطن من جهينة هاجرت من شبه الجزيرة العربية إلى الشمال الأفريقي.
بنو أوجل: بطن من جهينة وهو أخوة أحمس وأكتم وهو بنو عامر – بنو عامر بن مودعة غربوا ولهم سميت أوجلة مدينة بين برقة وفزان.
الزبيدي: تاج العروس، دار ليبيا للنشر والتوزيع _ بنغازي، مادة أوجلة.
) توجد في واحة أوجلة مجموعتان من المباني الدينية (أضرحة ومساجد ذات قبيبات) جرى تشيدهما في فترتين تفصل بينهما بضعة قرون.
وفي ما يتعلق بمسجد سيدي عبد الله بن أبي سرح قد بلغت الرمال السطح إلى مستوى منابت القبيبات، حتى أنه يبدو لنا كأنه مشيد تحت الأرض، ولكن أبناء أوجلة زال الرمال وقاموا بترميم المسجد، فوجدوا فيه مجموعة من القبور بقرب ضريح عبد الله بن ابي سرح.
أنظر كتاب: المهندس غاسبري ميسانا، المعمار الإسلامي في ليبيا، تعريب: علي الصادق حسنين، الناشر الدكتور: مصطفى العجيلي، ص82 إلى 86.
السدير الفائح المنتخب، هامش 2 ، ص 104.
) وثائق أجنبية، شعبة الوثائق مركز الجهاد ميكروفليم رقم (231) . د. محمد بشير سويسي، محاضرة بأوجلة (التركيبة السكانية والاجتماعية بواحة أوجلة) بمسجد عبد الله بن أبي سرح، يوم الجمعة شهر سبتمبر-11—9-1994، مودعة بمركز الجهاد.
) المصدر السابق نفسه.
) المصدر السابق نفسه.
) المصدر السابق نفسه.
) يقول بازامة: والأواجلة في هذا كالمصريين الذين ينتمون إلى البلدة التي هم فيها ومنها وليس إلى جد أعلى مشترك، أي أن الانتماء في الأواجلة كما في المصريين جغرافي، بينما هو في العرب عرقي خالص، ولعل مرد هذا وتعليله إلى ظروف البيئة ونوع الحياة فحياة الحل والترحال لا تتلاءم والانتماء للأرض التي يتلائم سكانها انتماؤه إليها متى ما كان الاستقرار والتوطن الدائم أثبت وأقوى في الوصل ما بين فرد وفرد .
محمد بازامة، واحات الجنوب البرقي، ص 43، هامش 38.
) المصدر السابق، ص 43-44.
) محمد بشير سويسي، معالم تاريخ واحة أوجلة عبر العصور، مجلة البحوث التاريخية السنة الثالثة والعشرون العدد الأول، يناير 2001، ص 107.
) المصدر السابق، ص 109-110.
) أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري، المسالك والممالك، الدار العربية للكتاب، 1992، الجزائر، ص 12.
) أبو القاسم النصيبي بن حوقل، صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، الطبعة الثانية، ص 70.
) ياقوت الحموي، معجم البلدان، بدون تاريخ: 1/276.

 
 المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010