|
|
|  |
|
الصفحة الرئيسية /
مقالات ودراسات / الرحالون الأوربيون إلى افريقيا ومرشدوهم الليبيون
|
|
الرحالون الأوربيون إلى افريقيا ومرشدوهم الليبيون
التاريخ 17- 3 -2010
 173 مشاهدات
محمد القطروني نموذجاً
د عماد الدين غانم
تمهيد
إن السؤال الذي نتناوله ناجم عن الاشتغال المديد والمستمر منذ ثلاثين عاماً بمؤلفات الرحالين الأوربيين وتحديداً الألمان الذين قدموا إلى الدواخل الافريقية منطلقين من الأراضي الليبية . ولم يقتصر انشغالنا المبرمج بهذه المؤلفات، التي انجزنا منها حتى الآن اثني عشر مجلداً ،على ترجمتها إلى العربية فحسب، بل شمل أيضاً وضع دراسة عن كل من هؤلاء الرحالة وأعماله وسيرورة رحلته ، الأمر الذي تطلب منا تقصي ما خلفه من أوراق ويوميات، والرجوع إلى ارشيفات الدولة البروسية وسواها من دور الأرشيف الألمانية، إضافة إلى مؤلفاته الأخرى ـ إن وجدت ـ والدراسات التي وضعت عن كل منهم، وعن رحلاتهم. وهذا ما يمكن أن يلمسه القارئ من خلال اطلاعه على ما نشرناه من أعمال رولفس وفون باري، وكراوزه، وبانزه ولودفيغ سلفاتور، وفون مالتسان وسواهم من الرحالين الألمان الذين برزوا برحلاتهم إلى ليبيا وافريقيا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. لا مناص لمن يدرس الرحالة أو رحلته من مس السؤال حول مصير هذه الرحلة أو تلك، وبالتالي طرح السؤال عن النجاحات والاخفاقات التي تعرضت لها .
ان النجاحات التي حققها بعضهم مثل بارت ورولفس وناختيغال جعلتهم من المرموقين في بلادهم وحتى خارجها، ولم يقتصر بروزهم على الأوساط العلمية، مثل حصولهم على الأستاذية في الجامعات، أو عضوية الأكاديميات العلمية، أو الجمعيات الجغرافية وما في بابها داخل ألمانيا وخارجها، بل امتدت لتشمل نيل الحظوة لدى الأوساط السياسية، فحصلوا على أوجه التقدير من أوسمة ومناصب حساسة وهبات من البلاطات الألمانية وحتى خارجها. والواقع إن السؤال يجب أن يطرح على وجه أكثر تحديداً بان يتوجه إلى السعي لتلمس عوامل النجاح الذي اتسمت به اغلب الرحلات الأوربية إلى الدواخل الافريقية عبر البوابة الليبية " مفتاح افريقيا " بعبارة رولفس ، وبمرافقة أدلاء أو مرشدين ليبين .
لاشك أن الباحثين الأوربيين قد طرحوا هذا السؤال في الاطار العام، وتساءلوا عن سر نجاح هذه الرحلة أو تلك، لكنهم عادة ما يقتصرون في تفسيراتهم على ربط النجاح الباهر بخلفية الرحالة العلمية ، وبكفاءته الشخصية، وباستعداداته للرحلة . وإذا ما جرى التطرق إلى مكانة مرشده أو خادمه حسبما يدعى في مؤلفات الرحالة ، فان ذلك قلما يأتي إلا لماماً دون الوقوف عند إسهامات هؤلاء المرشدين في تحقيق الرحلة والتغلب على المخاطر التي تعرضت لها ، والإنجازات التي تمكن الرحالة من التوصل إليها .
والحق أن هذا السؤال بالذات قلما يتوقع أن يكون بين المواضيع ذات الحضور في تقارير الرحالة التي يضعها بعد انجاز رحلته، وإنما تتناثر معلومات حول المرشدين والخدم والشخصيات التي يدخل بالتعامل معها في مواضع مختلفة من فصول الكتاب لذي يشمل تقارير رحلته . وغالباً ما نجد مثل هذه المعلومات مجمعة عندما يشرح الرحالة استعداداته لانطلاق رحلته، وفي حديثه سلباً أو ايجاباً عن تصرفات مرافقته . وبذلك فان الإجابة عن مكانه هذا المرشد أو ذاك في نجاح أو إخفاق الرحلة يتطلب قبل كل شئ قراءة كتب الرحلات، وجمع المعلومات المباشرة أو غير المباشرة التي تفيد في توضيح اسهام المرشدين، وترتيب ما يجمعه زمنياً وموضوعياً ليتسنى تقييم المادة المتجمعه والاستفادة منها في تناول السؤال المطروح .
يجدر بنا في سبيل مزيد من التوضيح للسؤال المطروح أن نقدم نبذة مختصرة عن تطور محتوى أدب الرحلات الأوربية إلى افريقيا، والذي تشكل مع الزمن اثر ما كتبه الأوربيون عن الرحلات التي قاموا إلى دواخل القارة السمراء، والتي بدأت اثر جهود افرادية ومغامرات لتنتقل إلى ظاهرة منتظمة تتولاها مؤسسات ، وذلك بعد استقلال الولايات المتحدة عن انجلترا، وتأسيس جمعية في لندن في 1788 تتولى دعم اكتشاف دواخل افريقيا، و منذ أواخر القرن الثامن عشر أخذت تتواتر البعثات إلى القارة الافريقية .
إذا رتبنا المؤلفات التي خلفها الرحالون الأوربيون عن رحلاتهم على أساس تاريخ الرحلات واستعرضنا تطور محتواها، فإننا سنلاحظ دون عناء كبير أن المعلومات الأوربية عن دواخل افريقيا، وتحديداً منطقة ما وراء الصحراء التي كانت تعرف ببلاد السودان ، ارضاً وشعوباً وموارداً وأسواقاً ،كانت في البداية ضحلة لا تتجاوز كثيراً معلومات القدماء . وأن الخرائط الأوربية عن القارة الافريقية كانت تكتظ بالنقاط البيضاء، أي انه لا تتوفر معلومات حولها تسمح بتحديد المواقع . وبالمقابل فان التجار العرب القادمين من مرافئ البحر المتوسط أو من الواحات المنتشرة بعيداً عنه كانوا يَخْبَرون هذه المناطق ومسالكها، ويعرفون شعوبها وقبائلها ومواردها ومنتجاتها، ويرتادون أسواقها منذ قرون طويلة وكثير منهم يتكلمون لغاتها. وللتجار الأغنياء منهم وكلاء في مدن الأسواق الرئيسية، وكانوا على صلة مباشرة مع حكامها، لا بل لهم ممثلوهم في مجالس الحكم .
لقد أدرك القناصل والتجار الأوربيون المقيمون في مدن المرافئ هذا الوضع ، الأمر الذي جعلهم يوجهون الرحالين الأوربيين للاستفادة من هذه الخبرة الواسعة، والانضمام إلى القوافل في معظم الرحلات التي قاموا بها، وبذلك فان جزءاً هاماً من معلوماتهم مستمد من معارف هؤلاء الذين رافقوهم . إلا أن وتيرة تزايد المعلومات الأوربية عن افريقيا تزايدت باضطراد اثر العديد من الرحلات المتتالية. فقد اتسم الرحالة الأوربيون بالتوثيق وتدوين مشاهداتهم والروايات التي سمعوها، واليوميات جزء من برنامج الرحالة. وفي النصف الثاني من القرن التاسع شكلوا قاعدة معلومات أوربية عن افريقيا، وأخذوا يجددونها كل بضعة سنوات، إذ أن الفاصل الزمني بين رحلة وأخرى لم يتجاوز الثلاث سنوات أحياناً. وان اختيار المرافقين أشخاص كان يتم بعناية، ومن وجهات نظر مختلفة، ويأتي في مقدمة ذلك من له خبرة بالسفر ليس فقط في معرفة المسالك، ولكن أيضاً في ترتيبات السفر ووسائل النقل، واللغات. وغالباً ما كانوا يحرصون أن يكون بين المرافقين من أبناء البلدان التي ستمر بها القافلة أو تقصدها . وفي غالب الحالات كان يتم استخدام هؤلاء في مدن الموانئ مثل طرابلس وبنغازي، أو في الواحات الليبية. وهذه المعايير وسواها كان هدفها النهائي دائماً أمان الرحالة. وتوفير فرص النجاح لبرنامجه .
لو حاولنا أن نفرز مادة مؤلفات الرحالين أو كتب الرحلات الأوربية إلى افريقيا من حيث المصادر التي استمدت منها سيكون بوسعنا تحديد بعض الموارد التي اعتمد في روايتها أو تامين الرواية عنها عن طريق المرافقين، وما تجدر الإشارة إليه أيضاً أننا سنجد في عملية التقصي هذه مواقف صعبة وخطيرة جابهها الرحالون، ويبرز فيها دور المرافق في الإنقاذ أو تجنب هذه المواقف. لاشك أن مثل هذا العمل واسع يصعب تطبيقه على جميع المرافقين، وسنقتصر هنا على نموذج محمد القطروني، ونورد فيما بعد نماذج أخرى من باب المقارنه .
لقد لفت نظري كتاب وضعه دونالدسيمسون بعنوان " مرافقون سود : الإسهامات الافريقية في الاكتشاف الأوربي لافريقيا " وصدر في لندن 1976 ويدرس فيه الأيام الأخيرة من حياة الرحالة ليفنستون من خلال روايات خدمه. ولا أخفي أن هذا الكتاب الذي لم تيسن لي الاطلاع عليه إلا لبضع ساعات في مكتبة جامعة برلين التقنية، هو الذي رسخ لدي فكرة طرح السؤال عن المرشدين والمرافقين الليبيين للرحالة الأوربيين ، وهم من مراتب مختلفة من خبير القوافل محمد القطروني إلى الموظف الرسمي محمد أبو عائشة إلى التاجر مصطفي زميت وسواهم وان اختياري القطروني نموذجاً يعود إلى انه رافق خمسة من الرحالين الأوربيين وخاصة الألمان منهم على مدى حوالي ربع قرن. ورأيت انه من الجدير تتبع سيرة القطروني ومدى اسهامه بسلامة هؤلاء الرحالين، وفي المساعدة على تحقيق أهداف رحلتهم وتيسير مهامهم وخاصة أن العديد منهم يذكره مواقف كثيرة وحاسمه. وهذا يدعو بالطبع إلى تقييم ما لدى هؤلاء الرحالة من معلومات حوله وهذا ما يؤكده أيضاً مترجم كتاب رحلة ناختيغال من الألمانية إلى الإنجليزية بقوله: " لقد حظي محمد القطروني لدى بارت وناختيغال بمادة تاريخية غير عادية تجعله فرصة في غاية الجاذبية لوضع ترجمة "
قبل أن نبدأ دراسة هذه المؤلفات كان لابد من السؤال فيما إذا كانت هناك مصادر أخرى تفيد في هذه الدراسة . لقد سمح لنا العمل الميداني في مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها الذي ينظمه مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية يجمع معلومات عنه فانتهزت فرصة زيارتنا إلى القطرون في نوفمبر 2006 لطرح السؤال على كبار السن فيها، فيما إذا كانت هناك أية معلومات متواترة عن محمد القطروني باعتباره من مواليد مدروسة القريبة من القطرون ويعرف بالقطروني، وقد استمر في المنطقة حتى الثانية عشرة من عمره ثم استقر مع أسرته في قرية دوجال غرب مرزق ، إلا أنني لم أجد جواباً شافياً ، وهذا ما دفعني إلى التفكير بطرح السؤال عنه في موطنه فقمت بزيارة دوجال وقصدت القرية الصغيرة حيث قابلنا الأخ محمد عبد العزيز الذي تربطه أواصر قربي مع أسرة القطروني وقال إن أفراداً من هذه الأسرة تقطن مرزق. فتوجهنا إلى مرزق وقابلنا رجلا طاعنا في السن واستفدنا من المقابلة معه بالتوصل إلى حقيقة أن معلومات عائمة عن محمد القطروني مازالت موجودة رغم مضي حوالي مائة وخمسة وعشرين عاماً على وفاته لكنها حسب رأيي صحيصة وتبين أن الراوي من سلالة عمر شقيق محمد القطروني. ويذكر الرحالة بارت ان عمر دخل في خدمته بناء على توصية من أخيه محمد .وترى أسرة القطروني ان أصلها من المغرب والذي أتى من هناك هو جدهم الأعلى إبراهيم وله ولدان محمد وعمر أي أن محمد يمثل الجيل الأول من هذه الأسرة في ليبيا . وتستمر الرواية بالقول أن محمد له ولد هو علي الذي دخل في خدمة رولفس أثناء رحلته إلى الكفرة في 1878. ولعلي ابن هو محمد ومنه المهدي . أما عن قدوم الأسرة إلى مرزق ثم استقرارها في دوجال فان الراوي يربطه مع مساعي العثمانيين للسيطرة على فزان . وكما نعلم فإنها تمت على مراحل قبل منتصف التاسع عشر. وهذه المعلومات التي وفرتها لنا المقابلات على سرعتها، كانت مفيدة نوعاً ما في معرفة ظروف انتقال الأسرة من مدروسة إلى منطقة مرزق لكنها لم تفدنا في مسألة دخول القطروني إلى عالم السفر والبروز في مجال تجارة القوافل واشتهاره بمعرفة مناطق ما وراء الصحراء .لقد رجعت إلى دور الأرشيف الألماني وعثرت فيها على موافقة ملك بروسيا بخصوص تكليف محمد القطروني بتولي نقل الهدايا الملكية البروسية إلى سلطان برنو من طرابلس إلى كوكة، وتولى بتسليمها رسمياً إلى السلطان او باسم ملك بروسيا ، وهي المهمة التي كلف بها في موعد لاحق غوستاف ناختيغال .وهذه الوثيقة تبين مدى السمعة الطيبة والثقة التي كان يتمتع بها القطروني لدى الجانب الألماني . كما عثرت على صورة لمحمد القطروني وأعتقد أنها تعود إلى 1869 والتقطها له المصور البرليني الذي أحضره معه رولفس الى طرابلس. كما وجدت في الأرشيف البروسي العنوان الذي وضع على صناديق الهدية الملكية وكتب عليها هدية إلى سلطان برنو من حبيبه سلطان بروسيا " لقد نشر رولفس صورة محمد القطروني المذكورة على غلاف كتاب بعنوان " اسهامات في اكتشاف القارة الافريقية" الذي صدر بالألمانية في عاماً 1881 .
ويضاف إلى كل ذلك ما يذكره بارت وبويرمان ورولفس وناختيغال عن محمد القطروني ولم يتسن لي الاطلاع على تقارير بويرمان وإنني على اعتقاد تام ان الاطلاع على اليوميات التي كان يدونها بارت وناختيغال عن رحلتيهما سيفيد في أي تقييم لمكانة القطروني وتأثيره في نجاح خطط هؤلاء الرحالين .
نبذة عن محمد القطروني : ـ
ان الرواية الشفوية التي ذكرناها أعلاه تفيد أن أصول القطروني تعود إلى المغرب، وأن والده استقر في مدروسة قرب القطرون. وهذه الرواية متناقضة مع ما يذكره بارت عندما عاد برفقة القطروني في ختام رحلته التي استمرت ما يزيد عن خمس سنوات ونصف من كوكه إلى مرزق مروراً بمدروسة، مسقط راس القطروني، حيث لقي الإكرام ثم في القطرون، حيث حفه مرابط القطرون الحاج جابر بحفاوة بالغة. وبهذه المناسبة يشير بارت إلى أنه إكرام أيضاً لمحمد القطروني باعتباره من أقاربهم . وفي الواقع فان بارت هو الوحيد بين الرحالين الذي يقدم بعض المعلومات عن مرافقه ويكن احتراماً بالغاً .
وعلى وجه الاجمال فان ما نعرفه عن حياة محمد القطروني قبل دخوله في خدمة بارت ان والده قد انتقل من مدروسة إلى مرزق وابنه محمد حينئد في الثانية عشرة من العمر. ويبدو ان الأسرة لم تستقر طويلا في مرزق بل انتقلت إلى قرية دوجال الواقعة في الغرب منها. والواضح أن محمد قد اشتغل وهو فتى في القوافل التجارية، ويبدو أنه قد برع في عمله وأصبح مرموقا في تنظيم القوافل وأمور التحميل والخبرة بالجمال والتعامل، معها وعرف الطرق والشعوب، ولذلك اشتهر أمره وهو شاب. وعندما وصل بارت وريشاردسون واوفرفيغ إلى مرزق، وفتشوا عن عناصر خدمة ومرافقة جرى اقتراحه عليهم، وهو وقتئذ في سن الشباب، وربما لم يتجاوز الثلاثين من العمر والمرجح ان الذي رشحه للانضمام إلى رجال القافلة هو وكيل القنصل الإنجليزي في مرزق قاقليوفي الذي كان يرصد حركة تجارة القوافل وكان شريكاً للتاجر محمد العامري الشهير وسواه من التجار .
ان التقييم الايجابي الذي ثبته بارت في كتابه عن رحلته الواسعة في الصحراء وبلاد السودان جعل الرحالين الأوربيين يسعون للاستفادة من خبرة القطروني فقد استخدمه الرحالة الفرنسي هنرى دوفيريه في رحلته الصحراوية في العام 1860 وعندما أنهى رحلته مؤقتاً ترك لديه جماله أي انه ظل في خدمته و لذلك نلاحظ ان الرحالة الألماني مورين فون بويرمان عندما وصل مرزق في 1862 عن طريق بنغازي والواحات وتمسه وزويله طلب من بارت ان يتدخل لدى دوفيريه للسماح لمحمد القطروني لمرافقته في رحلته إلى برنو ويبدو انه رافق فون بويرمان . إذ ان الرحالة المذكور قتل في ماوعلى حدود برنو مع وداي ثم رافق القطروني الرحالين الألمانيين غيرهارد رولفس وغوستاف ناختيغال وهذا ما سنفصله أدناه
ان عمل محمد القطروني مع الرحالين الألمان الأربعة والرحالة الفرنسي بدأ في 1850 وانتهى في 1873 أي قبيل توجه ناختيغال من كوكه إلى وداي ثم دارفور . ودخل بعد خمس سنوات ابنه علي في خدمة رولفس أثناء رحلته إلى الكفرة . ولذلك فان محمد القطروني طالب الحكومة الألمانية بتقاعد مقابل خدمته المستمرة. وعندما توفي نشر خبر وفاته في إحدى الصحف الألمانية. وسنعمد فيما يلي إلى جمع المادة المتعلقة بمحمد القطروني لدى الرحالين الرئيسيين بارت ورولفس وناختيغال وتقتيمها للاستفادة منها في تبيان القسط الذي أسهم به محمد القطروني في نجاح هؤلاء الرحالين.
آراء بارت حول محمد القطرونى :
لا شك أنه مما يثير الاستغراب أن الرحالة بارت في مؤلفه الضخم " الرحلة الاستكشافية الكبرى " بمجلداته الخمسة بعدد صفحاتها البالغة 3564 والتي تضم تقارير رحلته الطويلة في أرجاء واسعة في الصحراء وما وراء الصحراء لم يورد أية اشارة مباشرة حول استخدامه للقطروني لامن حيث كيفية وصوله إليه لا من حيث المكان الذي تم فيه ، ولا متى ثم ذلك لكن من المؤكد أن القطروني في 1850 كان يتمتع بصيت ذائع لبراعته في تنظيم القوافل وخبرته بالجمال والحمولة والاستعدادات وفى الطرق التي تسلكها ويجدر بنا أن نفكر بقاقليوقى الوكيل القنصلي الانجليزى في مرزق، الذي كان على علاقة واسعة بكبار التجار الذين يسيرون القوافل إلى السودان الأوسط وغيرها، ويشارك بعضهم في اعمالهم التجارية بانه هو من أمن القطرونى لصالح رحلة بارت في مرزق . ومن الملاحظ أيضاً ان بارت لم يعقد فصلا أو فقرات خاصة للتحدث عن مرافقيه أو خدمه بل يأتي ذلك في السياق وفى مقدمة المجلد الرابع ص 7 يعدد بارت مرافقيه في 1852 أي بعد عامين على بداية رحلته ويذكر منهم محمد القطرونى قائلا : وهو الشاب ذاته الذي رافقني طيلة رحلتي من فزان حتى كوكه والذي أرسلته على مضض إلى موطنه حاملا معه جميع بريدي ومخلفات ريشاردسون المتوفى وممتلكاتي الشخصية واشترطت عليه ان يعود .... وان يدخل في خدمة القافلة التي ستؤمن لى المواد الجديدة. وقد التزمت بوعدى ان يكون خادمي الرئيسي، وله مركوب واجر قدره 4 تالرات اسبانيه ( ضعف اجر غيره ) والى جانبها هدية قدرها 50 تالر اذا ما انتهت رحلتى بالسلامة " وفى الواقع ان بارت عند ما دفع للقطرونى هذه المكافأة بعد انتهاء رحلته يقول " كنت أتمنى ان أضاعف له المبلغ لو توفر لدى لانه يستحق ذلك لاستقامته وحسن طويته. " وفى موضع آخر يعود ليعدد المزيد من مزايا القطرونى فقد قال وهو يعد لرحلته من كانو حتى كوكه في مارس 1851 انه بحاجة ماسة الى الخدم الذي يتصف بالحكمة على نسق محمد القطرونى العربى التبوي وقد اخذ من هذا الخليط افضل المزايا "
فى دراسته عن بارت بعنوان: الرجل الذى كان يدعى عبد الكريم " برلين 1961 يقول المؤلف ارنست كلاين بورغ ان القطرونى تعود عفويا على بارت رفيق رحلته الألماني اوفرفيغ ولقى الحظوة لديهما إلى درجة أن بارت جعل منه خادمه الشخصي ومعاونه، وكانت كلمته راجحة في اتخاذ القرار من جانب الرحالين وفى اتخاذهم أسماء عربية طيلة الرحلة بحيث يسهل التعامل مع الأهالي فقد سمي بارت عبد الكريم. لمعرفته الممتازة بالعربية وبالقران الكريم وكادوا ان يعتبروه مرابطاً ولقب اوفرفيغ بالطبيب وريشاردسون يعقوب و يذكر كيرك غرين محقق مجموعات بارت اللغوية ان بارت استمد من القطروني مفردات التيدا ( التبويه ) الذى كان يتكلم الكانورية الى جانب اللهجة العربية . وفى سلسلة مقالات نشرها كراوزه بعنوان: " بارت ملك بين الرحالين الألمان" يشير الى الشخصيات التى ساعدت بارت في نجاح رحلته ويذكر اولا الشيخ عمر سلطان برنو بدعمه المادى والسياسى فقد وقع بارت معه اتفاقية باسم الحكومة الانجليزية بشان حرية انتفال البضائع وحماية الاشخاص، والشخص الثانى احمد البكاى فى تمبكتو الذى انقذ حياته بحمايته وقال " فلولا المساعدة الشخصية فى برنو لكان ( بارت ) فى احسن الاحوال اضطر للعودة على وجه السرعة، ولولا حماية البكاى لكان اصبح غنيمة فى ايدى المتعصبين الفولانيين. ويجب ان يضاف الى هذين الشخصين شخص ثالث بسيط فى موقع ادنى انه مرافق بارت الامين محمد القطرونى .
وبالاجمال يمكن القول مع بارت ان محمد القطرونى كان ممن خبروا السفر في الصحراء وله باع طويل فى قيادة القوافل في الدروب البعيدة التي لا تعرف اشارة وقد اتسم بالحسم واليقظة مثل الثعلب الصحراوى يعرف كيف يكشف الاثار الصحراوية التي ردمها الرمل ويتحسس قدوم القبلى ولا يخرج عن هدوئه وان عينيه المشقوقتين الغامقتى اللون تحت الجبهة العريضة تعبران عما يحول فى خاطره وتبنئ عن التوتر في داخله
أراء رولفس عن القطرونى :
عندما كان رولفس في شتاء 1865 فى المانيا ويقوم بالترتيب للرحلة التى كانت وراء شهرته وحملته من طرابلس الى مرزق و برنو ثم من هناك الى خليج عينيا فى غرب افريقيا زار الرحالة الالمانى هينريش بارت للتشاور معه، والاستفادة من خبرته بخصوص مشروع الرحلة وخط سيرها فقد اوصاه بارت قائلا " لا تنس القطرونى فقد كان خادمى الامين ويسكن فزان خذه معك " وفى الواقع ما ان وصل رولفس مرزق حتى وفد عليه محمد القطرونى ونزل فى البيت الذى استأجره وخاطبه قائلا " اذا اردت ان اذهب معك على اسم الله ، فاننى ومثلما خاطرت بحياتى فى سبيل ابن عمك ( بارت ) مستعد للموت فى سبيلك" وهكذا دخل فى خدمته واصبح مرافقه فى رحلته عبر الصحراء حتى برنو، ووصل معه حتى مندره وغومبى، ولما كان رولفس بصدد متابعة طريقه غربا حتى المحيط الاطلسى، فقد كلف رولفس القطرونى ان يعود فى صيف 1867 الى مرزق حاملا معه الصناديق الخاصة به، وتحتوى مجموعات من نباتات وحيوانات وسواهما التى تجمعت لديه اثناء رحلته الطويلة وان يؤمن ارسالها بعدئذ الى طرابلس لترسل منها الى المانيا وهذا ما انجزه بكل دقة .
بعد نجاح رحلة رولفس التى بدأها فى 1865 فى طرابلس وأنهاها فى خريف 1867 وعودته الى اوروبا لقيت هذه الرحلة أصداء كبيرة واستقبله ملك بروسيا واقترح عليه رولفس اثناء المقابلة ان يرسل هدية الى سلطان برنو تتكون من كرسى عرش وساعة رنانة وسواها ردا على حسن معاملته للرحالين الألمان السابقين، وسعيا لربط علاقات مع هذه الدولة الرئيسية فى السودان الاوسط ووافق الملك على الاقتراح وعندما جهزت الهدايا وعلبت بصورة لائقة جرى الاتصال مع الرحالة رولفس بحيث يتولى مهمة تقديمها الا انه لم يشا ان يعود ثانية الى كوكه عاصمة برنو عندئد اقترح ان يقوم بذاته بمرافقة الهدايا الملكية الى طرابلس، ومن بعدها يسلمها الى محمد القطرونى بحيث يتولى نقلها الى كوكه عاصمة برنو ويقدمها هناك الى السلطان الشيخ عمر الكانمى باسم ملك بروسيا . وصدر قرار عن الحكومة البروسية فى 1868 بتكليف القطرونى بهذه المهمة وهذا يبين مدى الثقة التى كان يتمتع بها هذا الاخير والذى اصبح معروفا لدى المطلعين على كتب الرحلات
بعد صدور القرار بتكليف القطرونى عمد رولفس الى الاتصال بالقنصل النمساوي لويجى روسي وكان وقتئد يمثل اتحاد شمال المانيا بقيادة بروسيا، ان يخبر محمد القطرونى فى مرزق بان ياتى الى طرابلس بحيث يستلم هدايا الملك البروسى ويبدو ان خللا ما طرأ بخصوص ابلاغ القطرونى فى مرزق، او ان القنصل لم يحرص على تنفيذ ما طلب منه بجدية تامة، ولذلك عندما وصل رولفس فى ديسمبر 1868 الى طرابلس قام القنصل فى الحال بابلاغه، بانه لم يعثر على القطرونى فى فزان وعلى اساس معلومات القنصل تصرف رولفس فى الحال باتجاه اخر، وذلك بان وافق على اقتراح تلقاه فى تونس وقدمه له الرحالة والمستشرق الالمانى البارون فون مالتسان الذي التقاه اثنا نزوله فى تونس وهو فى طريقه بحرا الى طرابلس، فقد نصحة ان يسند المهمة الى طبيب باى تونس الخاص غوستاف ناختيغال وهو ألمانى ويتطلع الى فرصة للتوجه الى دواخل افريقيا الا ان رولفس كان مقيدا بقرار تكليف محمد القطرونى الصادر عن الحكومة البروسية فكتب بالامر الى الحكومة وعثرنا على رسالته فى الأرشيف البروسى ونشرها فى ملحق دراستنا عن رولفس فى مدخل رحلة عبر أفريقيا وجاء رد المستشار بسمارك برقيا وباقتضاب" موافق على البروسى" ويذكر كراوزه تفاصيل هذا الموضوع فى مقالات ينعى فيها ناخيتغال ونحن بصدد نشرها فى كتاب يشمل مقالات كراوزه ووسائله. وما ان استلم رولفس موافقة المستشار الألماني بسمارك بشان إسناد مهمة نقل وتقديم الهدايا الملكية البروسية إلى الطبيب الألماني غوستاف ناختيغال حتى وصل القطروني طرابلس. وبتقديري ان وصوله كان في الأسبوع الأول من يناير إذ ان ناختيغال عندما حل في طرابلس. في 6 ـ 1 ـ 1869 وجد القطروني أمامه وبذلك أصبح القطروني مرافق ناختيغال ايضاً.
في 21 يناير 1869 نظم رولفس رحلة قصيرة نحو لبده ويورد بعض المعلومات عن القطروني إذ يقول " كان تحت تصرفى جميع جمال الملك وكذلك جميع الأشخاص الذي سيتوجهون مع القافلة وعلى رأسهم محمد القطروني العجوز الذي أتي باقتدار إلى طرابلس ممتطياً ظهر مهاري الأبيض كنت قد أهديته له عند افتراقنا في برنو. ان محمد القطروني رفيق بارت العتيق الذي شاهد تمبكتو وعبر سكوتو وكوكه عدة مرات أتى إلى هنا كي يرافق هدايا الملك إلى سلطان برنو وبعد رحلاته الكبرى مع بارت سافر ولوقت من الزمن مع فون بويرمان ورافقني اخيراً في رحلتى عبر الصحراء الكبرى وكذلك إلى برنو ومندره وغومبى كما قام في نهاية الأمر في صيف 1867 بارجاع جميع صناديقي عبر الصحراء وعندما قرر ملك بروسيا ان يرد على هدايا سلطان برنو ويعرب في الوقت ذاته عن ارتياحه لحسن المعاملة التي أبداها خصوصاً تجاه فون بويرمان وتجاهي، فقد وقع الاختيار على القطروني ليقوم بتقديم الهدايا . إلا أن الرسائل المريبة التي وصلت من مرزق بشأنه أدت ان يقبل عرض الدكتور ناختيغال وهو بروسي كان يعيش في البلاط التونسي ان يقوم بنقل هدايا الملك إلى كوكه وما ان حل هذا في طرابلس حتى وصل إليها أيضاً القطروني وبذلك توفر الضمان الأفضل ان الهدايا ستسلم على وجه حسن "
يتحدث رولفس عن الحفل الرسمي الذي أقامه في المنشية بمناسبة وداع ناختيغال وقام الأوربيون بالرقص على أنغام الموسيقي وقضوا طيلة النهار في أكل وشرب ورقص ويعلق رولفس بقوله " يمكن ان نتخيل كيف نطر عرب المدينة وضواحيها إلى هذا العبث الذي لم يشهدوه مطلقاً. وفي الغالب اعتبرونا من الدراويش النصارى. القطروني العجوز الذي لم يشاهد في السابق سوى أفراد من الأوربيين ولم يتجاوز مرزق باتجاه الشمال وأفريقيا أقسم براس النبي انه يريد ان يتوجه إلى بروسيا بعد عودته من برنو ان شاء الله " .
أراء ناختيغال حول محمد القطروني : ـ
لقد سبق القطروني ناختيغال بوصوله إلى طرابلس ويصف ناختيغال التقاءه لأول مرة في مطلع يناير 1869 بقوله :" لم يكن أبناء بلدي ( يقصد رولفس ومرافقيه ) محط اهتمامي بل وجهت جل اهتمامي إلى محمد القطروني الرجل الوقور ، الذي رافق بارت إلى تمبكتو ورفيق رولفس إلى برنو ومندره ، والى جمله المهارى الابيض الذي ركبه أثناء عودته من رحلته الأخيرة من برنو إلى بلاده .
لقد أتى من بلده في فزان، فهو يعيش في قرية دوجال بالقرب من مرزق، ويرغب ان يكون دليلي أيضاً، كان منهمكا في إعداد حاوية جمل للرحلة القادمة وباحترام بالغ نظرت إلى وجهه الأسود البشرة بتجعيداته البالغة وأنفه الأفطس ومنخريه الواسعتين، وفمه الخالي من الأسنان والشعرات البيضاء والمبعثرة في لحيته، وأذنيه الكبيرتين وعينيه اللتين تفيضان بالطمأنينة. إن محمد لم يكن رجلا يكثر الكلام ـ حسبما خبرته خلال سنوات طويلة ـ بل كان رجلا متقدماً في السن هادئا لطيفاً لا يتردد بالتضحية بنفسه في سبيل أصدقائه، وقلما يخرج عن طوره بسبب طبيعته وخبرته الواسعة .
بادلني التحية وعبر باقتضاب عن السرور بمعرفتي واستغل فرصة توقفه عن العمل كي يأخذ أوراق تبغ اخضر من علبة جلدية ، ويضعها في فمه يعض عليها ببقايا أسنانه مـع قطعة نطرون ( طرونه ) . وكان يلبس فوق القميص الواسع المعتاد في موطنه فزان جردا صوفيا دافئا يغطى به أجزاء من رأسه القصير الشعر، وكان يتربع فوق التبن الذي يحشو به الحوية.
كما انه يعرف حاجات الرحلة، فقد ارسله ناختيغال إلى السوق الاسبوعي لشراء ما يحتاجون للرحلة من حبال وأكياس تصنع أفضلها من شعر الجمال، بحيث توضع فيها حمولة الجمل وتدعى الغرارات وكذلك القرب وكانت الافضل بينها تاتى من بلاد الهوسه كما جرى شراء الطناجر والاطباق وأعية نحاسية واسعة لسقى الجمال، وطشت الغسيل ويستعمل عند الضرورة كوعاء للطعام ودلو من جلد الجمال. وإن أى نقص يوقع المسافر فى حيرة ولذلك يحتاج الامر الى من هو خبير بالسفر وكان محمد القطرونى يدعى ضمن المجموعة ( بوى محمد ) لقد استأجر ناختيغال خادماً لرعى الجمال يدعى على ابو بكر بناء على اقتراح محمد القطرونى .
عندما يصف ناختيغال حالة العطش التى وقع فيها ومرافقيه فى تبستى وهم نيتظرون عودة مرشدهم كولوكومي وفقدانهم الامل بالحياة، وكيف ان الجميع فقدوا أعصابهم ما عدا القطرونى الذى وجد فيه انه امر الله ومشئيته. ورغم ان ناختيغال ذاته دخل نوعا ما فى غيبوبة ثم استفاق عندما وصل الماء، فان القطرونى هو وحده لم يخرج عن وقاره وهدوئه بل أخذ كمية من البسكويت وكسره في ماء الشرب، لأنه من المفضل ان لا يجرى وقف غليل العطش فوراً او بالماء وحده بل بالغذاء، وبعد ذلك شربنا حتى ارتوينا .
رغم تأكيدات كولوكومي وحاج جابر مرابط القطرون كان لمحمد القطرونى شكوك تجاه رحلة ناختيغال الى تبستى، ويستند فى ذلك على 12 عاما قضاها بين ابناء جلدته، وقيامه بسفرتين الى تبستى والى موطن ابيه ولم يكن يثق بكولوكومي، لكنه كان يأمل بمرافقة الحاج جابر. ويذكر ناختيغال احد مواقف القطروني بقوله: ولما كان مرافق بارت الشهير ( القطرونى ) لم يعد شابا ولاحظت عدم شغفه بالرحلة فقد طرحت عليه ان يقترح لى شخصا يجيد التبوبة ليحل مكانه الا ان الرجل الامين رفض اقتراحى بغضب وقال : لقد وعدت اصدقاءك فى طرابلس ان اقودك بسلامة حتى برنو، كما فعلت مع اخوتك عبد الكريم ومصطفى بك رافقتهم الى هناك، وباذن الله سنبلغ هدفنا معا. حتى تصل هدفك لن اتركك واذا ما تعرضت لحادث لدى التبو الغادرين فانني اشاركك فى ذلك." بعدئذ عاد القطرونى من كوكه عاصمة برنو الى موطنه حاملاً معه اغراض ناختيغال.كما انه كان معروفاً باستشعار الخطر ويذكر عنه ناختيغال وهما يودعان الرحالة الهولندية الكسندرينا تينه التى كانت بصدد التوجه الى غات مع مجموعة من رحال اخنوخن شيخ طوارق الازقر والتى لاقت حتفها فيما بعد ابدى القطروني تخوفه على مصيرها قائلا عندما غابت عن الأنظار وهي في قافلتها الكبيرة " لن نراها ثانية يا سيدي " فأجاب ناختيغال " لقد قلتها يا محمد، وليس بوسعنا فعل أكثر من أن ندعها في رعاية الله وحفظه ... وختم محمد ملاحظته " إنه مكتوب يا سيدي وسينقضى الأمر وفق ماهو مسطور في الكتاب ولله الأمر من قبل ومن بعد "
إن آخر الأخبار التي ينقلها الرحالون عن محمد القطروني تعود إلى حوالي مايو 1882 إذ يكتب الرحالة كراوزه إلى أستاذ النبات في جامعة برلين باول شرسون أن محمد القطروني قد وصل طرابلس مؤخراً مع ابنه علي وطالب سلطان ألمانيا بتقاعد مدى الحياة إذ وعده بذلك مصطفي بك( رولفس) .. وبذلك فقد كتب إلى إدريس أفندي ( ناختيغال ) الذي أجاب أن هذا الطلب ليس دون أساس باعتبار أنه قبل ما يزيد عن 25 عاماً دخل في خدمة بارت وقد صرف له مبلغ متواضع. وفي كل الأحوال يجدر بنا أن نلاحظ ان ثلاثة من الرحالين من ذوي الطباع المختلفة رافقهم اجمعوا على حكمة واخلاص وحسن تدبير القطروني ، وإذا ماعدنا إلى طرح السؤال هل كان اسهام هؤلاء المرافقين يتمثل في توفير عامل الأمان والإرشاد عبر المسالك وتنظيم القوافل وترتيب الاتصالات أم إن الأمر يتجاوز إلى ماهو أبعد من ذلك وهو موضوع دعم قاعدة المعلومات الأوربية عن افريقيا التي تبذل أقصى الجهود لتوفيرها، فانه يجدر أن نعود في الختام إلى بارت ج4 ص 10 إذ يقول " استعنت برجل يعرف السوق كي يكون وسيطاً بيني وبين الأهالي وهو على أقرن من مواليد جالو، لقد قضى سنوات في بلاد السودان وجال في سوكوتو وباوتشي وزاريا وغيرها، إلا أنني لم أعقد معه اتفاقاً أثناء سفري من كوكه. ولكن إذا ما وافق فان بوسعه أن يلحق بي في المنطقة الواقعة وراء سوكوتو وعندئذ سأمنحه جوادين وتسع تالرات كما سأسمح له بممارسة التجارة لحسابه الخاص ولو أن الشروط كانت تفوق قدرتي المادية إلى حد كبير إلا أن خدماته ستكون مفيدة جداً، وحتى في اطار هذا الوضع المستقل . وطالما أن الأمور كانت تسير عاديا فانه كعربي ومتشدد لم يشكل خطراً، ولكن لابد من الحذر عند وقوع أي حادثه. ومثل هذا الأمر يتوضح أيضاً عندما شكل ناختيغال في 1870 مع محمد أبو عائشة الموفد الرسمي من جانب الوالي العثماني بطرابلس إلى سلطان برنو قافلة واحدة للانطلاق من مرزق إلى كوكه ولم يستفد ناختيغال من معلومات أبو عائشة كاتب عبد الجليل سابقاً فحسب بل من علاقاته مع شيخ أولاد سليمان في كوكه والاتفاق معه على زيارة بلاد كانم حيث كانت تستقر مجموعة من القبائل العربية ونجم عن هذه الرحلة جزء هام من كتابه بعنوان " الصحراء وبلاد السودان " وفي أواخر فبراير 1870 وصل الى مرزق قادماً من طرابلس محمد أبو عائشة وهو رجل حيوي قوي طويل القامه عمره مابين 55 ـ 60 عاماً وهو يحرص على إبداء الطيبة إلا أن عينيه توحي خاصة بالمكر والذكاء . انه من قبيلة أولاد سليمان التي تكرر ذكرها ومازال يحتفظ بذكرى كاملة للمرحلة الزاهية من تاريخ هذه القبيلة في ظل الشيخ عبد الجليل، إذ عمل سابقاً كاتبا لديه . وطالما أن هذا كان يحكم فزان ويعيش بسلام مع الحكومة العثمانية في طرابلس ، فانه اعتمد وكيلاً له لديها . وفيما بعد أصبح شاهداً فعالا للكفاح البطولي الذي قام به الشيخ العربي ضد العثمانيين وعندما لقي سيده حتفه في المعركة الحاسمة التي خسرها ، أصيب هو بذاته بجراح واخذ أسيراً إلى طرابلس حيث حصل هناك مع الوقت على العفو وارتقى إلى مرتبة كاتب لدى الحكومة . وكان يحب تذكر تلك الأيام الطريفة وتغمره السعادة بأنه سيرى ثانية أبناء قبيلته الذين هاجروا منذ جيل إلى كانم ومازال يعرف الكثيرين منهم معرفة شخصية .
لم يبد من جانبه أية إمارات تفيد تفادي الاشتراك في رحلة جماعية وعلى العكس فانه كان ينظر انه من الطبيعي أن نترافق حتى برنو . وإنني مدين بذلك من ناحية لمعرفته بالقنصل لويجي روسي، إذ يرتبطان مع بعضهما بعلاقات تجارية، ومن ناحية أخرى فان اشاعات كانت تروج منذ فترة حول استدعاء قريب للوالي علي رضا باشا . ولقد تيقنت من خلال الاستقبال الذي خصه به حليم باشا [ متصرف فزان > كم سيكون مركزى متواضعا بجانبه أثناء الطريق وفي برنو . لقد استقبله خارج المدينة ممتطياً جواده وقد ارتدى كامل لباسه الرسمي متقدماً الحامية بأجمعها ويحف به جميع موظفي الدوائر وأعضاء المجلس والأعيان . إن دخوله كان احتفائياً مثل وصول المتصرف على ان ناختيغال استفاد من معلوماته الواسعة عن تاريخ فزان وعن اولاد سليمان كما استفاد من علاقاته .
وختاماً يجدر القول أن المرشدين او المرافقين قد كانواً ركيزة في نجاح الرحلة تقوم على عدة دعائم أولها أمان الرحالين وثانيها خبرة الطريق وتنظيم السفر وثالثها تامين الاتصالات وبالاحرى توفير الامكانية الموضوعية للحصول على المعلومات وفي بعض الحالات الاسهام في تقديم معلومات . ماهو مقدار هذا الاسهام هذه قضية تتطلب الوقت ومنهجاً صارماً يسمح بالاهتداء إلى الروايات المحلية ومصدرها . وإن أي دراسة عميقة لأعمال الرحالين يمكن أن تقدم مؤشرات لذلك . وإنها لدعوة إلى دراسة مؤلفات الرحالين من وجهة نظر اسهام المرشدين في هذه الرحلات سواء كانوا رسميين أو تجاراً أو من رجال القوافل وان محاولتي دراسة القطروني بينت إن هذا عمل شاق لكنه ممكن.
|
 |
|
|
|