|
|
|  |
|
الصفحة الرئيسية /
مقالات ودراسات / قوات الغزو الإيطالية وقوات المقاومة التركية
|
|
قوات الغزو الإيطالية وقوات المقاومة التركية
التاريخ 17- 3 -2010
 202 مشاهدات
في الحرب الليبية الإيطالية 1911.
[ دراسة نقدية موضوعية لأعدادها وعتادها اعتمدت على تحقيق المصادر]
أ.د. أحمد عطية مدلل
كلية الآداب/ جامعة الفاتح
يعتمد الكثير من المؤرخين في كتابة تاريخ الماضي، على ترديد معلومات سردية من خلال ما كتبه بعض المؤرخين السابقين، ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن مصادر مفيدة تساعدهم على إضافة معلومات وحقائق جديدة تضيف إلى رصيد المعرفة التاريخية معلومات محقّقة يقينيه.
ما يجب التنبيه إليه ، بأن المؤرخين الذين يجزمون بصحة المعلومات الواردة في المصادر والمراجع التي استشاروها أثناء إنجاز بحوثهم كمعلومات يقينيّه مسلَّم بها وغير قابلة للنقاش خطأ فاضح لا يمكن تبريره، فهم في هذه الحالة (حاطبواليل) ينقلون الغث والثمين، دون فحص أو نقد أو حتى فهم، فهم رواة لا أكثر ولا أقل، ليس عندهم روح النقد التي أساسها الشك، ومن ثم فهم يصدقون بكل ما يُقال دون فحص أو نقد له.
إذن في هذه الحالة هم منحرفون عن الحق وجادة الصواب. فالبحث العلمي الرصين يتطلب بذل الجهد في تحقيق النصوص التي وقعت في أيديهم، سواء أكانت من مصادر رسمية أو من مراجع ثانوية ، فالمعرفة العلمية تبدأ بالشك ، ومن الشك يصل المرء إلى اليقين، والفرق بين الباحث الموضوعي وغير الموضوعي، هو أن الأول لا يصدق بكل ما يُقال له ، أو يعثر عليه من معلومات بين ثنايا الكتب ومن الوثائق أيضاً ، بل يقف طويلاً للتّثبت والتّحرى عند سماعه وقراءته للوقائع المدوّنه، فيشك أصلاً في صحتها حتى يصل من ذلك إلى اليقين. أما الآخر فمن أنصار مذهب التاريخ السردي، فسرعه التصديق عنده تمنعه من التّحري والتّثبت عند سماع الخبر، فيصدّق بكل ما يُقال له أو يقرأه في المصادر والمراجع دون فحص أو نقد له.
وبناء على هذه المعطيات المنهجية ، فإنه من واجب المؤرخ الموضوعي أن يتناول بالنقد والتحليل، كل الوثائق والمصادر والمراجع التي اعتمدها في دراسته ووقف على قراءتها، موضحاً رأية في القضايا التي اعتمدها الكاتب الذي نقل عنه، ومدى قدرته في الإحاطة بالإشكالية التي تناولها، والمحاور التي ناقشها فيها، كذلك منهجه أثناء سرده للوقائع والأحداث، ومدى قدرته في إعادة بناءها في صورة علمية موضوعية،ودوره كناقد للقضايا التي تناولها المؤلف، وما تعيّن عليه القيام به في إزاحة تلك الركامات من ألأفكار الخاطئه التي كانت تُعتّمها.
إن معظم المؤرخين في هذا الزمن الذي تميّز بالاستعجال في كل شئ، لا يكلّفون أنفسهم عناء البحث العلمي الموضوعي الذي يتخّذ من التّحقيق والتّحليل والتّفسير طريقاً لاستجلاء الحقيقة، كاجراء مقارنة بين المصادر والمراجع التي يعتمدونها في دراستهم لتصويب ما ورد فيها من أخطاء وإنما يلجأون في الكثير من الأحيان – أثناء كتابتهم عن بعض الموضوعات التاريخية – لأسهل الطرق وأيسرها حين يستعينون بالمصادر والمراجع ذات العلاقة بأبحاثهم، وذلك إما بتلخصيها بتصرف أثناء التعامل معها، أو بنقل جزءاً من نصوصها دون مناقشتها لتحقيق صحة معلوماتها.
إن الوثائق الأرشيفية هي المادة الأكثر أهمية لكتابة تاريخ الماضي،باعتبارها المعبّره عن أحداثه، لكن ذلك لا يعني بأن جُلّها يعتبر ذا أهمية تاريخية، لذا يجب استعباد كل المصادر والمراجع المعرفية التي تفتقد إلى الموضوعية، مع تمييز ما هو صحيح منها من واقع قراءة مجهرية متأنيه يستخدم فيها الباحث المنهج الإسلامي في جرح السند ونقد الخبر.
إن المصادر المعرفية في مثل هذه الحالة وكما هو متعارف عليه، هي مرآة الماضي، باعتبارها تمثّل شهادة الشاهد للحادثة التاريخية التي عاش تفاصيلها، لكنها في حقيقة الأمر تتحوّل في الحين إلى تصور عقلي ، وفي هذه الحالة يكون إما قد دوّنها في حينها أو رسخت في ذاكرته، وفي مرحلة لاحقه يعبّر عنها بقلمه ، وبين المشاهدة والذاكرة والتدوين ، زمن لا يُعرف مداة، قصر أم طال، وليس بالغريب في أحيان كثيرة أن يكون الشاهد قد لا حظ الحادثة التاريخية قبل عشرين عاماً خلت أكثر أو أقل ليحتفظ بها في ذاكرته إلى أن تحين فُرْصة تدوينها في شكل مخطوط أو كتاب يؤلفه بعد طول هذا الزمن الذي من خلاله قد تضيع الحقائق التاريخية الدقيقة، فتصبح شهادته حينئذٍ هي ذكريات أقرب منها للمذكرات، مع مراعاة بأن هناك قضية هامة يجب الانتباه إليها، تندرج في مدى قدرته في تدوين الأحداث التي شاهدها من واقع دقّه تعبيره في استخدام الكلمات المحدّدة والمعبّره عن الحادثة التي وصفها، والمتعارف عليه (بعلم الدلالة)، يُضاف إلى ذلك بأن الشاهد المتعارف عليه (بالمصدر)، يرى الحادثة التي شاهدها في الكثير من الأحيان من زاوية واحدة، ومن ثم لا يعطى في هذه الحالة صورة شاملة ومكتملة للحادثة التي شاهدها. على سبيل المثال : صاحب جهاد الأبطال في طرابلس الغرب، الشيخ الطاهر أحمد الزاوي ، وصف لنا معركة الهاني وشارع الشط، بما يُفيد الهجوم على الإيطاليين في قرقارش في الغرب، إلى الأجزاء الشرقية من المدينة القديمة، وقد شكّل المجاهدون فيها خطاً هلالياً من الغرب والشرق، وكانت قواتهم الرئيسية موجهة إلى ناحية المنشية التي تمثّل هدف الهجوم.
أما الجناحين في الغرب والشرق (قرقارش وساحل المدينة الشرقي) فكان القصد منها المناورة لتظليل الإيطاليين وصرف نظرهم عن نقطة الهجوم، وطبقاً لما أورده ، فإن الهجوم بدأ عند انبلاج الفجر، وأن الحيلة انطلت على الإيطاليين عندما اعتقدوا خطأً بأن الهجوم عام ، فاضطروا إلى توزيع قواتهم على طول خط الهجوم. ويصف الزاوي المعركة التي حمى وطيسها بالمنشية بقوله: << وثار أهلها على الطليان وضربوهم ضرباً لا هوادة فيه واستمر القتل في الطليان وفتك المجاهدون بهم فتكاً ذريعاً حتى ملئت بجثثهم أخاديد الأرض وآبار البساتين>>( ).
وإذا عرفنا أن المجاهدين والأتراك شكّلوا خطاً للدفاع حول مدينة طرابلس على شكل نصف دائرة يبدأ طرفه الغربي في مواجهة القوات الإيطالية في قرقارش ، لينحني باتجاه الجنوب الشرقي مسافة عشرين كيلومتراً نحو سواني بنيادم وقصر بن غشّير ، ثم شمال شَرق نحو عين زارة وسوق الجمعة ليقابل ميسرة القوات الإيطالية في شارع الشط( ).
وأن واحة طرابلس هي كل المسافة الفاصلة بين المجاهدين والإيطاليين وبعمق ميل واحد، خصائصها الجغرافية تربة رطبه وتشكّل غابة تكسوها أشجار النخيل والتّين والزيتون، وتتوزّع عليها بيوت الفلاّحين الطّينيّه ، تتباعد وتتقارب بمقدار مساحة الرقعة أو البستان الذي يملكه الفلاّح، هذه الرّقع الزراعية تّسيّج بطوابي أو جدار طيني رملي مُسيّج بنبات الصّبار (التين الشوكي)، وتنفصل هذه المزارع عن بعضها بممرّات ضيّقه لا تسمح بالسير فيها إلاّ للإنسان أو الدواب، والرؤيا فيها محجوبة تماماً بفعل أشجار النخيل والتين والزّيتون والبيوت والجدران، بالإضافة إلى الأكمات الكثيفة التي تحجب الرؤيا ولا يمكن تجاوزها( ).
إن في وصف الزاوي لأحداث هذه المعركة التي تمتد مساحتها على عشرات الكيلومترات المربعة تعتبر غير وافية إذ لا يمكن له في هذه الحالة أن يعطى من خلالها صورة واضحة لسببين: -
أولاً: نحن لا نعرف من أية جهة وصف لنا الزاوي أحداث هذه المعركة التي امتدت على مسافة شاسعة – من قرقارش والمنصورة في الغرب والجنوب الغربي، إلى الهاني وشارع الشط والمنشيه شرقاً وجنوب شرق – فهو في هذه الحالة اقتصر وصفه للجانب الذي كان أمام ناظريه فقط وعندئذٍ لم يكن وصفه شاملاً لكل الرقعة التي دارت فيها أحداث المعركة.
وثانياً: فإن الزاوي حين شاهد أصل الأحداث، نقل لنا ما رآه أمامه أو سمعه عن الآخرين ، وهنا يجب الانتباه إلى أنه حين نقل لنا هذه الأحداث، فإنه حملها قبل ذلك إلى عالم التصور العقلي، وعندئذٍ فإن وقائع الحادثة تحولت من إطارها الواقعي ، إلى إطار تخيّلي داخلي، وهو تصور عقلي تماماً عبّر عنها بقلمه في فترة لاحقه لا ندري كم استغرقت من الوقت.
إذن المؤرخ المصدر أو شاهد العيان مثله في ذلك مثل الشاعر الذي يستوحي من الصورة المادية التي ينفعل بها صورة ذهنية، وهو في مثل هذه الحالة ، مثل الصاعد إلى الجبل يرى أمامه، لكنه قد لا يلاحظ ما يحدث عن ميمنته أو ميسرته ، وحتى من خلفه أيضاً ، فهو إذاً يصف الحادثة من جانب واحد فقط.
وهنا يقتضي الأمر حشد أكثر من مصدر شاهد الحادثة التاريخية الواحدة ، ومن مواقع متباينة ومقارنتها ببعضها للتأكد من صحة وقائعها.
في هذا البحث نحاول إجراء دراسة نقدية مقارنة اعتمدت على مصادمة المصادر، أو ما يُعرف بمنهج التاريخ النقدي للتأكد من صحة الخبر، فالمقارنة خير سبيل لإعطاء معلومات دقيقة.
هذه الدراسة انصب اهتمامها حول موضوع عدد القوات الإيطالية التي تمّ إعدادها لغزو ولاية طرابلس الغرب وبرقة، أثناء الأشهر الثلاث الأخيرة من عام 1911، مع مقارنة ذلك بعدد القوات التركية الموزّعة على خمس مواقع في المدن الساحلية التي تمتد من طبرق شرقاً إلى طرابلس غرباً ، والهدف من ذلك هو محاولة معرفة حقيقة عددها من خلال مطابقة عدد من المصادر ذات العلاقة ، ومقارنتها مقارنة موضوعية فيما يخص القوتين المتحاربتين .
هذه الدراسة تؤكد لنا أهمية الموضوعية في التاريخ من واقع استشارة أكثر من مصدر لمعرفة العدد الحقيقي للقوات الإيطالية الغازية التي تباينت حولها الآراء، ومثلها قوات المقاومة التركية،مع استبعاد عدد كل القوى الوطنية التي انضمت إلى الأتراك ، في العام الأول من الغزو ، وزاد عددها باستمرار طيلة سنوات المقاومة والتي لا يمكن حالياًَ حصر أعدادها في كل مراحل المقاومة .
نستعرض في هذه الدراسة ، عدد القوات الإيطالية ، والقوات التركية المقابلة لها ، والغاية في كلتا الحالتين تهدف إلى معرفة عدد القوتين بعد مراجعتها على أصول من المصادر والمراجع الأولية، لضبط وتصحيح ما شابها من أغلاط، فاجماع عدد من المصادر على رقم واحد أو أرقام متقاربة معه في العدد، هي غاية هذه الدراسة، حتى نثبت كيف أن المؤرخ الذي يعتمد على مصدر واحد دون مناقشة أو مقارنة للتّحقق من الخبر ، فإن النتيجة التي يتوصل إليها ستكون خاطئة وغير دقيقة، إن هدفنا في النهاية كيف يمكن التوصل إلى معلومات دقيقة طبقاً لما عُرف في المنهج الإسلامي (بنقد الخبر وجرح السند).
ولعل الإجابة عن ذلك لا تأتي إلاّ من واقع مقارنة المصادر والمراجع مع بعضها البعض، لكي تنجلي الحقيقة التاريخية البيّنه المعروفة حالياً بالمنهج العلمي في العصر الحديث الذي يبدأ بالشك ، وبالشك يصل الباحث إلى اليقين، والمعنى به القبول والتسليم بالحقائق التاريخية.
في بداية العمليات العسكرية الإيطالية ضد ولاية طرابلس الغرب وبرقة، أولت إيطاليا اهتماماً خاصاً بالأسطول البحري، باعتباره الأداة الوحيدة التي ستمكّنها من نقل كامل قواتها البشرية ومعداتها العسكرية والتموينية إلى السواحل الليبية، فالمصادر الأمريكية مثلاً تكشف عن عدد قطع الأسطول التي هيئتها إيطاليا لغزو ليبيا، وطبقاً لما أوردته فإن سفن الأسطول الحربي المزوّد بالمدفعية وسفن التعدين وحراسة الحدود والاستطلاع تُقدّر بـ 32 سفينة . أما أسطول الطّرادات من القطع الكبيرة والزوارق. فقد بلغت 52 قطعة ، يضاف إلى ذلك 32 قطعة بحرية أخرى من الكاسحات والغواصات والمدمّرات وناقلات الجنود والفحم: أي أن العدد الكلي للاسطول الإيطالي الذي قام بغزو ليبيا وفق هذا المصدر، يُقدّر بنحو (107) قطعة حربي( ) .
كذلك الأمر بالنسبة للمصادر التركية ، فقد أشارت في هذا الشأن إلى أن إيطاليا استأجرت لهذه العملية مجموعة من سفن النّقل ، منها 21 سفينة لنقل الفحم، وثماني ناقلات أخرى، وسفينتان كمستشفى ، وخمس وسبعون ناقلة للقوات ، وقد بلغت في مجموعها الكلي 106 قطعة حربية( ).
وباستثناء بعض الاختلاف في التفاصيل والفارق في عدد السفن المستأجرة ، فإن المصدرين يتّفقان في عدد قطع الأسطول الإيطالي المهيأ للحرب.
يمكننا في هذا الصدد أيضاً من واقع المصادر التي أمكن استشارتها،تقديم بعض الإحصائيات بعدد أفراد القوات البشرية الإيطالية المدربة تدريباً أكاديمياً ومقارنة قدراتها ، لنخلص إلى إعطاء أرقام تكاد تكون متقاربة بأعدادها، ويمكن حينئذٍ مقارنتها بالقوات التركية التي كانت في طرابلس وبرقه.
تُحصى الوثيقة الأولى عدد القوات الإيطالية التي حلّت بالشواطئ الليبية وانتشرت على مسافة تزيد عن سبعمائة ميل بحري بهدف الإنزال في خمس مدن بحرية هي طرابلس والخمس وبنغازي وطبرق ودرنة ، بحوالي 42000 بين ضابط وجندي( ).جلهم من مواليد الفترة ما بين 1888- 1890( ).
أما الوثيقة الثانية فتعطي رقما آخر يتراوح بين 47-50 ألف رجل ( ). وكلا الوثيقتين تتقاربان في تقدير عدد القوات الإيطالية في بداية الشهر الأول من الغزو.
هناك مصادر أخرى تزودنا بأرقام تكاد تكون متطابقة بعدد القوات الإيطالية في الأشهر الثلاثة الأولى للحرب:-
- الأول تقرير صادر عن السفارة الألمانية في فيينا ؛ هذا التقرير أحصى عدد القوات الإيطالية بما يقارب 100.000 رجل ( ).
- والمصدر الثاني قدمه بيبهلر، عميد بحرى في بحرية الولايات المتحدة الأمريكية وهو من معاصري تلك المرحلة ، إذ قدر العدد في سابع نوفمبر 1911بـ 30.000 رجل ، وارتفع في 20 نوفمبر إلى 85.000، ووصل في شهر ديسمبر إلى 120.000 موزعة على خمس مدن ساحلية كما يلي :-
"70.000 رجل في طرابلس ، 25.000 رجل في بنغازي ، 15.000 رجل في درنة ، 5000 رجل في الخمس و 5.000 رجل في طبرق "( )
تتفق هذه الأرقام تمام الاتفاق من حيث العدد الكلي للقوات الإيطالية ونسب التوزيع في كل مدينة مع ما أورده الزاوي اعتمادا على المصادر الأجنبية ( ).
ويتفق غريفينتش (Von Greafentich) الألماني مع مادونه بيبهلر الأمريكي في عدد القوات . ويعطى المصدر الأول تفصيلا أدق لتجهيزات أخرى لايوردها المصدر الثاني ، إذ يحدد عدد القوات الإيطالية في بداية الإنزال ( أول أكتوبر 1911) بـ 40.000 رجل ، وارتفع هذا العدد في شهري نوفمبر وديسمبر إلى ما يقرب من 101389 رجل من بينهم 4000 ضابط . وحول دواب النقل والتموين يفيدنا هذا المصدر بأن الايطاليين اصطحبوا معهم " 15000 حصان وحيوانات نقل أخرى ؛ 300 كلب حرب ، وحوالي 400 مدفع مع مواد غذائية كافية لمدة ربع سنة ، 12000 ثور بوزن 42.000 قنطار ، 40.000 قنطار ملح طعام ، 60.000 قنطار طحين ، 43000 قنطار تبن ، 7000 طن ماء للشرب ، 30.000 قنطار خبر مقدد (توست) ومعلبات 20.000 طن ، 16000 هيكتولتر خمر بالإضافة إلى كميات ضخمة من المياه المعدنية " ( ).
ويتفق تقرير الملحق العسكري الأمريكي في باريس الكولونيل موت (Mout) والملحق العسكري الأمريكي في اسطمبول تايلور (Tailour) مع معظم مادونه غريفينتش ، وعلى الأخص في عدد القوات البشرية ؛ فتقرير باريس يقدر عدد القوات الإيطالية بحوالي 100.000 رجل يشكلون جيشين : أحدهما لطرابلس والآخر لبرقة . كما قدر عدد الخيول والبغال بحوالي 15000 منها 9000 من البغال والباقي من الخيول ، و200 من كلاب الحراسة ، و400 مدفع ، و14 طائرة ( ).
ويؤكد الملحق العسكري الأمريكي في باريس أن عدد قوات الحملة المرسلة إلى طرابلس وبرقة، والتي أعلنت بسببها الحكومة الإيطالية التعبئة العامة للجيش ، تعد من الضخامة بحيث " لم تشاهد إيطاليا مثيلا لها منذ عام 1866"( ).
وهي عين الحقيقة التي دونها تايلور في اسطمبول ، إذ يقول:" أرسلت إيطاليا إلى طرابلس الغرب وبرقة منذ اندلاع الحرب الإيطالية التركية : أي خلال الأشهر الثلاثة الماضية ، حملة عسكرية تضم عددا من الجنود من الكثرة ما لم تستدع الحكومة الإيطالية عددا مماثلا له منذ حملتها العسكرية الأخيرة التي شكلتها في سنة 1866. فبالإمكان تقدير عدد القوات التي تستخدمها الحكومة الإيطالية في مقاطعاتها الأفريقية الجديدة ، بدون خطر الوقوع في مبالغات بما يبلغ في المجموع مائة ألف رجل ؛ فهناك جيشان كاملان أحدهما في طرابلس بقيادة الجنرال فريغوني (Fregoni) ، والثاني في بنغازي بالإضافة إلى 20.000 رجل هم على أهبة الاستعداد للإبحار من إيطاليا "( ).
نكتفي، في الأخير ، بشهادتين أحداهما تركية والأخرى إيطالية – تقول الأولى :" قدم بولليو (Pollio) إلى رئيس الوزراء قائمة بـ23000 جندي وزاد رئيس الوزراء هذا العدد إلى 40000 جندي وفي الحقيقة وصل 80.000 جندي ، ومع تشكيلات الاحتياط بلغ 100.000 جندي" ( ).
أما الثانية فقد صرح بها جيوليتي نفسه – وكان حينئذ على رأس الوزارة الإيطالية – يقول في هذا الصدد: لقد استدعيت في شهر اغسطس لمقابلتي القائد العام للجيش الجنرال بولليو ،" وكلفته بدراسة قضية احتلال ليبيا وتقدير العدد المطلوب من الجنود لتنفيذ هذه العملية وأوصيته بأن يقدر ذلك بشيء من التوسع "( ).
وكان هدف جيوليتي ، كما أكد في مذكراته ، أن تتم العملية بأكبر عدد ممكن من القوات حتى يبعد ، منذ البداية ، أي شك في نتائجها ، وطبقا لقوله فإنه " بهذه الطريقة سيتم بسهولة الاستسلام لِلأمر الحتمى سواء من جانب السكان المحليين أو من الجانب التركي ، ولذلك فإنه عندما حمل إليّ الجنرال بولليو نتائج دراسته ، التي يرى على أساسها أن حملة تتكون من عشرين ألف جندي كافية ، طلبت منه أن يضاعف العدد وينقله إلى مايقرب من أربعين ألف جندي . وفي الواقع إن حملتنا قد تجاوزت ، في مرحلة ما من الحرب ، الثمانين ألف رجل "( ).
نلاحظ إذن ، وجود تطابق يكاد يكون تاما بين مجموع المصادر المختلفة، إذْ كان لابد من هذه التفاصيل لإعطاء صورة شاملة وموضوعية عن مجموع عدد قوات الغزو التي تجمّعت طيلة الأشهر الثلاثة الأخيرة من 1911 . ويتضح من مجموع تقديرات هذه المصادر أنها لا تختلف فيما بينها إلا بنسب ضئيلة ، وتكاد تتفق على مجموع عدد القوات الإيطالية التي أنيطت بها مهمة الغزو . ومظهر الاختلاف بينها أن بعضها اقتصر في تقديره على المجموعة التي جاءت في أول ايام الحرب : أي خلال شهر اكتوبر ، بينما جاءت التقديرات الاخرى خلال شهري نوفمبر وديسمبر اللاحقين متطابقة .
إذا كان لابد من ذكر تلك القوات الضاربة ، فعلينا أن ،نأخذ أيضا بعين الاعتبار عوامل أخرى دعمت من قوتها ؛ فهي متوفرة على قدر كاف من التموين : فقيمة المصروفات الايطالية تقدر بمليون ليرة يوميا من بينها المواد الغذائية واللحوم الطازجة ؛ ( ) يضاف إلى ذلك أن جميع الإمدادات بما في ذلك الخبز والماء ، كانت ترسل في البداية من نابولى إلى طرابلس ، وبلغت حتى أول سنة 1912 : أي بعد ثلاثة أشهر من الغزو ، " 20.000 رأس من البقر ، و25000 طن من المواد الغذائية ، و60,000 طن من الخشب والمواد اللازمة لإقامة البراكات (أكواخ الخشب) والثكنات "( ). واستنادا إلى المصادر التركية ، فإن ايطاليا وزعت من مخازن طرابلس أثناء الحرب ، 12.600.000 طن من المواد الغذائية ( ). من الصعب تعليل هذا الرقم المبالغ فيه لافتقارنا للمصادر التي يمكن أن تدعمه ، بيد أنه يمكن التماس بعض أسبابه من خلال العدد المتزايد للقوات الإيطالية التي سبق التأكيد عليها .
يضاف إلى ذلك تكلفة المستشفيات والأطباء ووسائل علاج المرضى والجرحى الذين بلغ عددهم 30.000 رجل ( ). يضاف إلى ذلك الطيران الذي وصل حتى منتصف يونيو 1912 إلى 48 طائرة . واستنادا إلى مذكرات جيوليتي فإن هذا السلاح الجديد كان الوسيلة العسكرية التي استعملت حينئذ لأول مرة ( ). على أية حال ، قد تبدو هذه التقديرات غير قابلة للتصديق ، إلا أن المصادر الإيطالية والتركية تزكيها ضمنيا كما تم توضيحه .
ولكي تكتمل الصورة نذكر الاحتياطيات اللازمة ؛ فقد وزعت وزارة الحرب على الألوية المشكلة دليلا خاصا بالضباط والجنود ، وهو عبارة عن كتيب من جزأين: يحتوى الجزء الأول منه على بيانات ومعلومات جغرافية عامة عن مدن طرابلس وبنغازي ودرنه وعن برقة عموما . وكان هذا الكتيب شاملا للمناخ والأمراض المتوطنة ، وعن النظم الصحية ، ومدى صلاحية المياه للشرب ، وعن مصادر الثروة الحيوانية والزراعية ، وطرق المواصلات والتجارة ، وعن النظام السياسي والإداري ، وعن طبيعة السكان وطرق التعامل معهم وتقاليدهم وعاداتهم الدينية وعن السنوسية ، وحول المقاييس والمكاييل والعملة ، والتقويم الإسلامي ، وعن القوات التركية والعربية المحلية وملابسها ، ومعلومات تكتيكية وفلكية لتحديد الاتجاه . أما الجزء الثاني فقد أشتمل على مجموعة خرائط بمقاييس رسم محددة لكل من طرابلس وبنغازي وضواحيهما ).
لا ينتهي الوصف هنا عند استعداد القوات الإيطالية ، ولكننا أو جزنا أهم ما جاء فيه لنثبت أن إيطاليا كانت في غاية من القوة العسكرية لخوض المعركة مع شعب يفتقر للسلاح والذخيرة ويعاني من الجوع والفقر.كما سنوضح فيما بعده:-
ثانيا : قوات المواجهة التركية في ولاية طرابلس الغرب وبرقة:
من وقاع الإحصائيات السابقة بعدد القوات الإيطالية واستعدادها للحرب ، يمكن المقارنة بما في طرابلس الغرب وبرقة من قوات نظامية . إذن ماهو عدد قوات المواجهة التركية ؟ وما هي إمكانياتها العسكرية والتموينية ؟.
قبل الإجابة عن هذا السؤال يتطلب الأمر سرد مختلف الأدلة التي تتفاوت أحيانا في تقدير العدد الفعلي للقوات العثمانية ؛ فالوثائق الألمانية ،التي تم الإطلاع عليها جاءت معلوماتها متباينة ، فتقدير بعضها جاء في شكل عموميات دون إعطاء رقم محدد، واقتصرت وثائق أخرى في تقديراتها على بعض المدن الرئيسة كطرابلس.
على سبيل المثال ، بينما نجد صمتا يكاد يكون تاما عن عدد القوات التركية في بقية المدن الأخرى.
المصدر الأول لا يكشف في مضمونه إلا عن إشارات عابرة في ما يفيد أن تركيا في طرابلس كانت تعاني وضعاً صعباًً للغاية ؛ فهي غير مؤهلة عسكرياً وإمكانياتها المادية محدودة، وغير قادرة على صد أي هجوم قوي مكشوف.
وبذلك ترك الباب العالي نفسه أسير المفاجأة . بيد أنها لا تعطي رقما محددا بعدد القوات التركية الموجودة في طرابلس القليلة العدد والمزودة بمعدات حربية وبذخيرة لا تكفي لخوض معركة طويلة . أضف إلى ذلك أن هذه القوات كانت منقطعة عن تركيا تماما بسبب سيطرة ايطاليا على البحر . وبالتالي فإن الاحتمال غير وارد في مدها بما تحتاج إليه من سلاح ومؤونه بسبب قطع الطريق البحري وهي طريق الإمداد الوحيد الصالح للقـوات التركية ( ).
نجد في المصدر الثاني تفصيلا أكثر، لأنه أعطى رقما محددا ، واقتصر في تقديراته على مدينة طرابلس وحدها ، وبالتالي فهو غير شامل للقوات الموزعة في ولاية طرابلس الغرب وبرقة . ما يمكن الأخذ به في هذا المصدر أن مكتب الاستطلاع في رئاسة الأركان التركية قدّر عدد قواتهم في طرابلس بأربعة عشر كتيبة في كل منها 250 رجلا نقل منها إلى اليمن ثلاث كتائب . وبعملية حسابية وطرح من ذهب إلى اليمن ، فإن ما تبقى في طرابلس لا يزيد عن2750 رجلا ( ).
في الوقت نفسه ، بيّن مارشال السفير الألماني في اسطمبول ، من واقع ما ذكره محمود شوكت : بأن في طرابلس ثلاثة كتائب تنتشر على مساحة متسعة ( ).
ويعطى المؤرخ الألماني غريفينتش – وهو من معاصري أحداث الحرب – أمثلة متعددة تدل بالفعل على ضعف القوات التركية في طرابلس وبرقة نرى من المفيد ذكر بعضها :.
يتعلق المثال الأول بعزلة ولاية طرابلس الغرب ؛ هذه الصفة أهلتها بجدارة ، لأن تكون مكانا مختارا ينفى إليه السلطان عبد الحميد خيره ضباطه ممن كان يخشى بأسهم ضد نظامه ، بيد أن هذا الترتيب قد خرب في عهد وزير الدفاع التركي محمود شوكت الذي سحب القسم الأكبر من الذخيرة والجنود المسلحين بالمدافع إلى اليمن ، وفقدت طرابلس ، بذلك خيرة الضباط المدربين الأكفاء ، واستعاظ محمود شكوت ، بدلا عنهم بضباط تنقصهم الكفاءة العسكرية . وكان إبراهيم باشا والى طرابلس الغرب ، الذي تم عزله ، قد طالب حكومته مرارا بأن تهتم بهذه الولاية التي صارت تواجه التهديدات الإيطالية ، غير أن جهوده قد خابت أيضا بسبب عزله هو أيضا ودون الأخذ بنصيحته ، وبقيت طرابلس الغرب مهملة ( ).
المثال الثاني يتعلق بحالة طرابلس الغرب أثناء اندلاع الحرب وقدرات تركيا العسكرية فيها . عن هذا يخبرنا غريفنتش بقوله :" وعند اندلاع الحرب لم يكن في طرابلس لا واليا ولا قائد للجيش . وقد تولى قيادة الفرقة قائد أخذ من بين الضباط ( ). وهكذا كانت تسود الفوضى في جميع المجالات ويوجد الآن في طرابلس 4200 جندي بما فيهم لواء الفرسان من دون خيول . وان احتياطي الذخيرة غير كاف مطلقا . والمدافع المنصوبة في القلعة تعود إلى نظام قديم جدا ، ومعظمها يعبأ من الفم ( ) .
كذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار شهادة وود (Wood) ، القنصل الأمريكي في طرابلس ، الذي يتفق مع فراشيسكو كورو (Franshisco Couroh) ضابط المشاة الإيطالي، ومع غريفينتش الذي سبقت شهادته في هذا التقرير لأابعد الحدود . فإن كان كورو قد حدد عدد القوات التركية في نهاية شهر مايو 1911 ، باستثناء الضباط بـ4210 جندي ( ). فإن وود قدرهم أيضا ، وفي نفس الشهر ، بـ 4600 رجل مزودين بأربعة بطاريات مدفعية ميدان وخمسة بطاريات مدفعية جبال ومدافع سريعة الطلقات وبطارية واحدة من مدافـع القلاع ( ).
ونورد هنا. شهادات متقاربة قدمها الإيطاليون والأتراك بخصوص حجم القوات العثمانية : الشهادة الأولى صرح بها جيوليتي ، الوزير الأول ، في مذكراته بقوله : << إن القوات النظامية في عاصمتي طرابلس الغرب وبرقة لم تزد على ثلاثة أو أربعة آلاف جندي>>( ). في حين تحصى المصادر التركية عدد وحداتها النظامية ، التي تولت مهمة الحرب في طرابلس الغرب وبرقة ، بما لا يتجاوز 4000 جندي >>( ). هذه الوحدات ، وطبقا للمصدر نفسه ، مزودة بمدافع قديمة( ). معظمها فاسد وذخيرتها غير متوفرة ( ). وبخصوص البنادق المسحوبة من طرابلس ، تطالعنا عدة مصادر في هذا الشأن ؛ هذه المصادر تتقارب جميعها في العدد وتتفق في الزمن الذي سحبت فيه والمحدد بأربعة أشهر قبل اندلاع الحرب على سبيل المثال ، يقدم لنا الزاوي جردا مشفوعا بعدد البنادق المسحوبة من ولاية طرابلس الغرب وبرقة يقدرها بـ 40.000 بندقية( ).عن ذلك يخبرنا عريفينتش ، الذي سبق الاستعانة بشهادته ، بما يفيد : سحبت تركيا في شهر مايو 1911 ما عدده 33.000 بندقية ونقلت بكامل ذخيرتها إلى الآستانة( ).يضاف إلى ذلك أن تركيا أوقفت ، منذ 22 سبتمبر ، كل " الإمدادات المعتادة مثل المواد الغذائية ونقل المواد والذخيرة إلى طرابلس "( ). ولا يستثنى من ذلك إلا ما نقلته السفينة أَدرنة التي افلحت في الرسو في ميناء طرابلس وأفرغت حمولتها من أسلحة يدوية وذخيرة ومواد غذائية دون افتضاح أمرها( ). إلى نفس هذا المعنى تذهب المصادر التركية وتزكى مادونه غريفينتش ، لكنها تبزّه تفصيلا كما هو موضح في الآتي :-
1- إن عدد المسحوب من البنادق يصل إلى 38000 بندقية منها 18000 بندقية سحبت من طرابلس و20000 بندقية سحبت من بنغازي.
2- إن هذه البنادق شحنت بكامل ذخيرتها بحجة إصلاحها واستبدالها ، ولم يأت عوض عنها من الطراز الجديد ( ).
3- كل ما في قلعة طرابلس من بنادق المارتين غير صالحة للاستعمال( ).
4- إن الباخرة درنه ، التي رست في ميناء طرابلس قبل اندلاع الحرب بأسبوع واحد، كانت محملة بـ25000 بندقية ماوزر ، 6812 صندوقا من الذخيرة ، 951 كيسا من الدقيق ، 500 كيس من البسكويت ( الخبز المجفف). 500 بالة من الملابس العسكرية ومقدارا من الدراهم:" ( ).
بخصوص عدد البنادق المسحوبة من الولاية ، يمكن أن نثق أكثر بالمصادر التركية لسببين:-
- أولا: إن متوسط تقدير المصادر الثلاثة يصل إلى 37000 بندقية . وهذا في حد ذاته يرجح الرقم الذي كشفت عنه المصادر التركية والمحدد بـ 38000 بندقية ( ).
- ثانيا: إن المصادر التركية هي أوثق المصادر وأعرفها بحقيقة ما في مخازن الأتراك من سلاح وذخيرة.
بخصوص الباخرة درنة، يتفق الزاوي ، الذي كان شاهدا مع المصادر التركية على تاريخ وصولها إلى طرابلس ، غير أنه يختلف معها في مقدار ما تحمله من بنادق ، وحسب قوله :" وقد وصلت ميناء طرابلس يوم 27 سبتمبر سنة 1911 وكانت رافعة العلم الألماني خوفا من الأسطول الإيطالي الذي كان يراقب طرابلس ، وكانت تحمل خمسة عشر ألف بندقية من نوع ماوزر( )، ومليوني خرطوشة ، وأفرغت هذه الشحنة كلها ووزعت على الطرابلسيين . وكانت عناية إلهية تلك التي أعمت الأسطول الإيطالي حتى اخترقت الباخرة درنة حصاره أمام أفواه مدافعه الموجهة إلى طرابلس >>( ).
على أية حال ، يمكن أن نثق أكثر بالروايتين من حيث تاريخ الوصول ، وهو ما يزكيه غريفينتش حين حدده بيومي 26،27 من سبتمبر ( ).
أما من حيث تقدير عدد البنادق ، فإن المصادر التركية ، التي كانت على صلة بالأحداث ، تبدو أقرب إلى عين الحقيقة ؛ فالزاوي ، كما يفهم من روايته، لا يشير إلى وجوده ساعة إحصاء الأسلحة والذخيرة وكل ما ذكره هو مشاهدته للباخرة درنة بعد تفريغ حمولتها بقوله :" وقد شاهدت الباخرة درنة بعد تفريغ شحنتها وهي جاثمة في ميناء طرابلس"( ).
الحقيقة أن الحكومة المركزية في اسطمبول ، رغم تلك الظروف السيئة التي أحاطت بالقوات التركية في ولاية طرابلس الغرب وبرقة ، لم تكن على استعداد للحرب إذ كانت القيادة العليا فيها مضمحلة وليس لديها أي تخطيط للمواجهة وعلى استعداد لتقبل الهزيمة وفقدان طرابلس ( ).
وقد صور خطاب محمود شكوت ، وزير الدفاع التركي ، في جمع من ضباط الجيش، وضع القوات التركية في طرابلس الغرب وبرقة خير تصوير بقوله :" أيها الأصدقاء ، إن الدولة والجيش ليسا بجاهزين لدخول الحرب ؛ فالجيش ضعيف ، والأسلحة قديمة والمعدات غير تامة وغير متوفرة ، والأسطول الحربي كأنه غير موجود . فولايتنا طرابلس الغرب وراء البحار ونحن فاقدون كل إمكانيات إرسال الجنود للدفاع عنها . إن عملية النقل هي عن طريق البحر ، ولا توجد لدينا حتى ولا سفينة حربية أو طراد لحراسة عملية النقل ، فالتدخل قد يكون وُضع لقمة سائغة في فم العدو ، وانتم تعلمون ذلك أيها الرفاق ، وقد وضّحت لكم أن طرابلس الغرب ستقع في يد من يستولى عليها( ).
علينا أن نضيف ، في الأخير ، أن أسباب هذا الضعف ، في استعداد الولاية قبيل الغزو ، قد شرحت بدرجة مطلقة من الوضوح في العريضة التي دفع بها إلى مجلس المبعوثان ( البرلمان التركي ) إثنان من نواب طرابلس هما الصادق بالحاج ومحمود ناجي ، وتقدم لنا وثيقة احتجاج النائبين ، كما اوردها الزاوي ، قضية إهمال طرابلس التي منى سكانها بمجاعة طاحنة في السنوات الاربع التي سبقت الغزو ، وفيها شرحا لحكومة حقي باشا غائلة الجوع التي عاشها وطنهما دون أن يستجيب لمطلبهما ، وترك مواطنيهما يقاسون أزمة قحط حادة وآلام مجاعة مريرة ، مما ترتب عليها هجرة 200.000 مواطن نحو تونس ، وعاش بسببها 4000 متسول من الشيوخ والنساء والأطفال حياة فقر مدقع هلك منهم 514 جوعا بين شهري مارس ويوليو . ويضيف النائبان أنه رغم مطالبهم المتتالية بمد وطنهم بما تيسر من الحبوب فإن الحكومة لن تول هذا المطلب اهتماما ، وبقيت حبرا على ورق إلى أن أعلنت الحرب أوزارها( ). واضحي بسببها سكان طرابلس " بين عدوين : الإيطاليين المعتدين والجوع الذي لا يرحم( ).
كما اتّهم النائبان حكومة حقي باشا باعتبارها كانت من وراء عزل إبراهيم ادهم باشـا، والي ولاية طرابلس ، نزولا عند رغبة الإيطـاليين الذين ساءتهم خطته التي اشتملت على بعض الإجراءات الوقائية لإعداد البلاد للمقاومة . ومع ذلك " أمرتـه بمغـادرة طرابلس قبل أن ترسل واليا وقائدا يحلان محله . وبقيت مترددة في إرسال الوالي والقائد مدة شهر ونصف( ).
كـان الإيطاليون يبذلون فيها كل جهـد لإعداد ما يلزم للاستيلاء عليهـا ( ). فقطـعت بذلك حكومة حقي باشـا كل أمل في اسـتمرار الدفاع عن الولاية ( ). واعتبـر النائبان أن حقي باشـا سـاهم في الغدر بطرابلس وبنغازي " وأخل بالمـادة 31 من القانـون الأساسي العثماني الذي هو أساس بناء الدولة والدستور( ). وختما عريضـة الاتهـام التي وجهت إليه بقولهما :" ولا يسـعنا إلا أن نرفع الصـوت عاليـا بدعـوة مجلس المبعوثان للقيام بواجبه وأداء وظيفته . وقد بادرنا – نحن مبعوثي طرابلس – إلى استعمال حقنا الذي تخوله لنا المادة (31) ( ) من القانون الأساسي . وإذا وفقنا إلى إنقاذ الوطن من إهمال مهلك يهدد استقلاله ، وإذا نجحنا في تقرير مبدأ المسئولية ومعاقبة المقصرين فقد قمنا بما وجب علينا وأدينا حقوق وطننا"( ).
إلى نفس هذا المعنى تذهب المصادر الأمريكية وتفيدنا في هذا الشأن وثيقتان : الأولى تناولت العريضة التي تقدم بها الصادق بالحاج ومحمود ناجي بتسع فقرات وجميعها تتفق في مضمونها مع ما أورده الزاوي ( ). أما الوثيقة الثانية فهي أكثر تفصيلا صادرة عن الملحق العسكري الأمريكي في اسطمبول ، ويزكي في تقريره مادونه الزاوي حول تقصير حكومة حقي باشا وإهمالها لطرابلس . وقد أكد مطلب النائبين ودعواهما بمحاكمة حقي باشا بقوله : << وهي الحكومة التي اتهمت بالتقصير وطالب النواب الطرابلسيون في البرلمان بتقديم أعضائها للمحاكمة وبمعزل عما إذا كانوا سيقدمون فعلا للمحاكمة أم لا فإن التهمة الموجهة إليهم تثير الدهشة والاهتمام في آن واحد ، إذ تبرز حالة الضعف الشديد التي تركت فيها الولاية من حيث الاستعدادات الدفاعية في الوقت الذي كان فيه المتسلمون لمركز السلطة على علم تام بـما للإيطاليين من مطامع في تلك الولاية وان لم يكونوا علموا بان الحكومة الإيطالية على وشك الإقدام على تحقيقها بالقوة >>( ).
إن المجال لا يتسع هنا لعرض سوء حالة الولاية فالحقائق السابقة تظهر لنا مدى الأخطار التي كانت محدقة بها . ويكفينا خطاب محمود شوكت والعريضة التي تقدم بها نائبا طرابلس الغرب عناء البحث عن وضع البلاد وما آلت إليه حالتها ؛ فالصورة أصبحت أكثر وضوحا حول قدرات تركيا العسكرية فيها بفعل محاصرة الأسطول الإيطالي . ويمكن القول، بعد هذا التوضيح ، أن المقارنة بين القوتين أضحت مستحيلة . فالأرقام السابقة كشفت حقيقة الأمر .
استخـــلاص
في هذه الدراسة ، تمت المقارنة بين عدد القوات الإيطالية الغازية بعددها وعتادها ، وقوات المقاومة التركية المقابلة لها في ولاية طرابلس الغرب وبرقة في أواخر عام 1911، على أوثق المصادر، وهي تهدف في النهاية لأمرين لا ثالث لهما:
أولاً: عندما بدأت الحرب بين تركيا وإيطاليا ، كانت الأخيرة في وضع عسكري لا يقارن مع كانت عليه تركيا في ولاية طرابلس الغرب وبرقة، ولّما باغتت الحرب هذه الأخيرة ، حاولت تجنّبها حتى آخر لحظة لأنها لم تقم بالإعداد لها، أو بمقاومة القوات الإيطالية الزاحفة.
والحقيقة أن الأتراك أهملوا طرابلس كثيراً، لا من حيث التّحصينات الدفاعية فحسب، لكنّهم فوق ذلك جرّدوها – قبل الغزو – من كل ما من شأنه أن يساعد أهاليها في الدفاع عنها.
سحبوا واليها إبراهيم أدهم باشا، وقائد قواتها المسلحة ، وثلاثة وثلاثون ألف جندي وضابط ، وجميع معداتهم الحربية ووزّعوهم على اليمن وتركيا، ولم يتركوا للشعب أية وسيلة تُمكّنه من الدفاع عن نفسه إلا من أربعة الآف جندي وضابط موزّعين على مناطق متباينة تفصل بينها مئات الكيلومترات، فأصبحت طرابلس وبقية المدن الساحلية الأخرى بفعل هذا الأجراء فريسة سهلة للإيطاليين. .
وثانياً: إن ما غاب عن المؤرخ من تاريخ الماضي ، لا يمكن التصديق به على علاّته من خلال المصادر أو المراجع الأحادية التي يستخدمها في معرفة حقيقة الأحداث، فسبيل العلم بها، الأخبار المتواترة أو المدوّنة على هيئة تقارير وبرقيات ورسائل ، أو حتى كتب مخطوطة أو منشورة دونها الوليّ والعدو على حدٍ سواء، فكلّها ترتد أصلاً إلى مصدر حسّي شاهد فيها هؤلاء وقائع الأحداث وعبّروا عنها بأقلامهم، وبالمقارنة بينها للتّحقق منها، يمكن الوصول إلى العلم اليقين.
في هذا البحث المتواضع ، حاولت قدر المستطاع ، استخدام منهج النقد الموضوعي للمقارنة بين قوات الغزو الإيطالي بعددها وعتادها، وقوات المقاومة التركية التي كانت في مواجهتها على امتداد مدن السواحل الليبيّة ، وطبقّت على جميع الأرقام التي جاءت بها المصادر المتباينة التي أحصت عدد هاتين القوتين منهج المقارنة لكي نتثبّت من حقيقتها البيّنة.
إن غاية هذا البحث هدفه، التركيز على استخدام المنهج العلمي الموضوعي الذي يقود الباحث إلى معرفة حقيقة الأشياء دون مبالغة ، فالجزم بحقيقة المعلومات الواردة بالمصادر دون مناقشة علمية جادة كالمقارنة بمصادر أخرى والقبول بها كمعلومات يقينيّة غير قابلة للنقاش، فذلك مالا يمكن التصديق به أو الاعتماد عليه.
وما رغبت في توضيحه هنا، بأن المؤرخ الذي ينقل عن المصادر الأحادية ولا يكلف نفسه عناء البحث في دقة ما ورد فيها من معلومات دون نقد وفحص وحتى فهمها أحياناً، فذلك ما لا يمكن التصديق به في معرفة الحقيقة العلمية، فأساس كل غائب الظن، والظن يبعث على الشك، ومنه يصل الباحث إلى اليقين فلا نقد ، بلا شك، وخير الشك الموصل إلى اليقين.
|
 |
|
|
|