|
|
|  |
|
الصفحة الرئيسية /
الاخبار الرئيسية / الكلمة الافتتاحية في المعرض الايطالي الليبي للصور
|
|
الكلمة الافتتاحية في المعرض الايطالي الليبي للصور
التاريخ 16- 3 -2010
 127 مشاهدات
الدكتور محمد الطاهر الجراري
أ.د/محمد الطاهر الجراري
أمين عام المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية
الحرب كره كلها كما يعرفها التشريع الإسلامي وتكون عبثية إذا انعدم منها الهدف. ويجب ان تقف بمجرد تحقق المطلوب.
نحن كليبيين يوم: 30-8-2008ف تحقق مانريده من الحرب التي فرضت علينا سنة 1911. وأزعم ان الإيطاليين أيضاً حققوا مايريدونه لهذا توقفت الحرب.
أكتوبر سنة 1911 قررت إيطاليا الاستيلاء على جارتها ليبيا فأرسلت أسطولها ومشاتها وطائراتها فيما سمي وقتها بنزهة بحرية لطرد العثمانيين والحلول محلهم. هكذا وبهذه البساطة ودون اعتبار لحقوق الجيرة وإرادة الشعب الليبي. هذه الغزوة ووجهت بالمقاومة والإصرار على رد الايطاليين وتدفيعهم ثمن اعتدائهم. وكأي حرب ساد الصف الليبي خلاف بين رافض ومتدبر وقابل وبين محارب ومتحايل ومستسلم أو مايعرف بالتعبير السياسي المعاصر موقف الواقعيين والحمائم والصقور. وأبرز قادة مرحلة الصقور هما عمر المختار ومعمر القذافي الذي أصر على تسفيه فكرة الاستعمار من أساسها وإجبار أصحابها على دفع التعويض عنها. في المرحلتين مرحلة عمر المختار ومعمر القذافي ووجهت الإرادة الليبية المقاومة بردة فعل داخلية وخارجية تمثلت في المؤامرات والإغراءات والحصار والتجويع والتشكيك وغيرها من الأمور التي سيتولاها التحليل التاريخي مستقبلاً.
وبعكس التجربة الأولى استطاعت الثانية أن تتغلب على الدسائس والمؤامرات وتنتصر لمطلب الشعب الليبي في إدانة الاستعمار والتكفير عنه وبعد مفاوضات ومناورات طويلة ومضنية قادتها القيادة الليبية استطاعت أن تصل مع الإيطاليين إلى معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون التي نحتفل بذكراها الأولى اليوم لأنها حققت لليبيين في مجملهم مايريدونه.
الإيطاليون حققوا أيضا مايريدونه تأسيسا على الهدف المعلن للحملة الإيطالية على ليبيا.
لقد حظيت سنتا 1911 -1912 بدراسة إعلامية وتاريخية واسعة لم تحظى بها بقية سنوات المرحلة الاستعمارية . في أغلب مانشر وكتب خلال هذه السنة كان التركيز على خيرات ليبيا وما ستجنيه إيطاليا منها. وهذا الشيء صحيح لكن الخطأ كان الأسلوب. طوال مرحلة ماقبل المعاهدة كانت القوة أو الجبرية او الدونية هي أساس المبادرة الايطالية تجاه ليبيا والليبيين. وبعد طول تجارب أدركت إيطاليا أن العقل أعقل أن يتبع. فركنوا للمفاوضات التي أفضت إلى المعاهدة بعدها فتح الليبيون للإيطاليين عقولهم وأبوابهم وسيتحقق للإيطاليين ماقدموا من أجله لليبيا سنة 1911 ولكن بتوازن في المصالح والالتزامات. وعندي أن فرص النجاح أقوى من الفشل وذلك للمبررات التالية:
1.الجوار الجغرافي:
تبعد إيطاليا عن ليبيا مسافة 700 كيلومتر تقريباً. فهما من البلدان القريبة لبعضهما . فكلاهما مطل على البحر المتوسط مما يفرض تشابهاً في الأمزجة والعادات والتقاليد المرتبطة بالبحر ، وما يلحق به من مهام وواجبات وأسلوب حياة ومزاج وميل لحب الحياة والاستمتاع.
هذا الجوار يفرض الكثير من الالتزامات الإيجابية والسلبية التي يصعب التخلص منها ، أو تغيرها .فنحن محظوظون وأحياناً مبتلون بجيراننا الإيطاليين وهم كذلك وهذا قدر مزدوج يصعب الفرار منه لأن كلا البلدين يستحيل تحويلهما جغرافياً إلى مكان آخر على الخريطة . عليه يصبح المعقول والمفيد هو التعايش مع هذه الحقيقة ، وإيجاد أنجح السبل للاستفادة منها.
2. التجربة التاريخية الطويلة:
البلدان تشابكا في أكثر من حقبة من التاريخ ابتداء من الاتروسكين الذين يرى البعض أنهم شرقيون ، إلى الرومانية التي تعايش فيها الرومان مع الليبيين لفترة طويلة تمكن خلالها الليبي سبتميوس سيفيروس من الوصول إلى الحكم ، وتكوين أسرة حكمت الإمبراطورية الرومانية من أواخر القرن الثاني إلى منتصف القرن الثالث الميلاديين ، هذا علاوة على العشرات من الأدباء والكتاب ورجال الفكر واللاهوت الذين غذّوا مسيرة الحضارة اللاتينية.
وفي العصور الوسطى كان الحضور الإسلامي قوياً وفاعلاً ومؤثراً في صقلية وجنوب إيطاليا.
وكانت العلاقات الاقتصادية والإنسانية متصلة دون انقطاع أبرزها علاقات دويلات إيطالية أمثال نابولي وجنوة والبندقية مع طرابلس في المجالات الاقتصادية كافة وحتى الإنسانية حيث يخبرنا كُتّاب من أمثال حسن الفقيه حسن وغيره عن سفن ومواطنين إيطاليين يقصدون المواني الليبية ويتاجرون فيها ويتعاملون مع أهلها وبعضهم يصبح جزءاً من تركيبتها السكانية.
وفي العصور الحديثة فإن التجربة الاستعمارية الإيطالية لليبيا من سنة 1911 إلى سنة 1942 لا يجب أن نعتبرها شراً كاملاً . لا بد من استثمارها لتطوير علاقاتنا ، فهناك عدة حقائق إنسانية لا يمكننا القفز فوقها أو تجاهلها من أهمها : أننا جددنا علاقات تاريخية إنسانية قديمة.
فقد سمحت رغم جوانبها السلبية بالكثير من تجديد فرص التعارف الإنساني والفهم المشترك للطبائع والعادات والتقاليد والتأثر والتأثير الذي لا زالت آثاره واضحة في اللهجة الليبية التي لا زالت تستعمل الكثير من المفردات الإيطالية خصوصاً التقنية. وفي مجال الثقافة الغذائية تبادل الليبيون والإيطاليون الكثير من الأطعمة والأكلات ، والعادات والتقاليد زادتها الهجرة والتزاوج بين الليبيين والإيطاليين عمقاً وتشابكاً بين الشعبين لا زالت آثارها باقية حتى اليوم.
كما أسست هذه الفترة لمجتمع مدني متحضر جاء نتيجة مخططات الحكومة الإيطالية لتأسيس شاطئ رابع لأبنائها في ليبيا لكننا كليبيين انطلقنا منه واستفدنا به فيما بعد.
3. في الإرث العلمي المشترك:
مما سمعته ممن يجيدون الإيطالية تعد إيطاليا الدولة الأولى المرشحة لإنشاء بل لاستئناف علاقات علمية وثقافية مع ليبيا مبنية على تراث بحثي وأكاديمي واسع نتيجة البحوث والدراسات والتجارب العلمية والميدانية التي نفذتها المؤسسات العلمية والرسمية لإيطالية في ليبيا قبل وأثناء الفترة الاستعمارية الإيطالية لليبيا.
ويؤكد العارفون باللغة الإيطالية أنه لا يوجد مجال معرفي حول ليبيا لم يدرسه الإيطاليون ويكفي أن نتذكر المكتب السياسي العسكري ، وما قام به من بحوث ودراسات بالمئات منها دراسة أوغسطيني المرجعية حول سكان ليبيا وهناك المئات من اللجان والمؤتمرات والندوات التي درست النواحي التعليمية والتربوية والصحية والمناخية والتجارب الزراعية والصناعية والبعثات الأثرية ومخططات المدن والتطوير العمراني والمواصلات والأرصاد الجوية والسكن والاقتصاد وفي كافة المجالات بحيث يمكن القول بكثير من الاطمئنان إن الأرضية البحثية الإيطالية الليبية حول ليبيا جاهزة ، وكل ما تحتاجه هو التفعيل المبرمج والمدروس عن طريق إعداد الكوادر المؤهلة علمياً ولغوياً باللغتين العربية والإيطالية لاستئناف العمل والقيام بالبحوث والدراسات التي سيستفيد منها البلدان وبالذات ليبيا وفي هذا المجال لا أخفي استغرابي أن الإيطاليين لم يعطوا ليبيا مائة منحة دراسية في السنة لامائة كل أربع سنوات. وليتهم استفادوا من الحرص الفرنسي على اللغة الفرنسية.
ختامــاً أتمنى علي إيطاليا أن لاتكرر خطأ تجربتها الاستعمارية وهذا لايتأتى إلا بتقديمها للأجيال القادمة والتذكير الدائم بها. وهذا مانصّر عليه كمؤرخين وحاولنا تأكيده في المعرض الذي سنراه بعد قليل . وعلى الليبيين ،من جهة أخرى، أن يدركوا أنه خارج إطارهم العربي الإسلامي والأفريقي لايوجد شعب اختلطوا به لمئات السنين أكثر من الشعب الإيطالي.
لهذا على الشعبين الاستفادة من هذه اللحظة وتهيئة كل الوسائل لإنجاحها.
|
 |
|
|
|