Libyan Jihad Center for Historical Studies المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية
 
 

اعلان 

 

 الرئيسية

اتصل  بنا

  اليوم 09 - 9 -2010

أبحث في جوجل

 

أقسام المركز

 
الرواية المرئية
 
مختارات من مكتبة الصور
 
أرشيف الأخبار والمقالات
 
 
 
منشورات شعبة  النشر
Carousel Slideshow
الـبـحـث
ابحث حسب التاريخ
اليوم الشهر السنة


الفاتح - سبتمبر 2010
سبتاحداثنينثلاتاءاربعاءخميسجمعه
1 2 3
4 5 6 7 8 910
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
 
 
 

الصفحة الرئيسية / محاضرات الموسم الثقافي / المغرب العربي والتحديات المتوسطية

 

المغرب العربي والتحديات المتوسطية
د.محمود أحمد الديك
التاريخ 07- 2 -2010
Print View  233 مشاهدات
الدكتور محمود الديك

medeek@hotmail.com
إن الذي دعاني لنبش هذا الموضوع كنت قد حضرت عددا من المؤتمرات في المغرب الأقصى والجزائر وتونس تحت مظلة مؤسسات ألمانية وأمريكية لها مراكز بحثية في هذه البلدان اذكر منها مؤتمراً في تونس بدعوة من مؤسسة التميمي وبتمويل من مؤسسة كنوراد الألمانية، وقد تم توزيع عشر كتيبات، وأطلق على كل دراسة عنوانا : المتوسط الفرنسي والإيطالي والأسباني والتونسي والخ. ودون شك أن جل الدارسيين ينطلقون من رؤية وطنية مصلحية ومن مفاهيم ومعلومات حول علاقة كل دولة مع المتوسط في نظرة متباينة بين الإستعلاء وقليل منها يدعو للحوار والتقارب مع الجنوب.
وقد تساءلت أين هي ليبيا فهي إما غائبة أو مغيبة عن مثل هذه التظاهرات واللقاءات العلمية، وهل يوجد متوسط ليبي أسوة بغيرها. ومن منطلق توجهاتنا ونكران الذات تجد جل الدراسات في هذا الإطار ذات طابع قومي ووحدوي حتى أن خريطة ليبيا تذوب في هذه المشاريع، وهذه النظرة انعكست سلبا على دور ليبيا وذلك لقلة المصادر حول هذا الموضوع. من هنا اضطررت أو اتجهت للمغرب المتوسطي كمدخل لمشروع بحثي مستقبلي حول المتوسط الليبي إن وجد. وهنا أتساءل أين هو دور جامعتنا ومراكزنا العلمية لماذا لا تتعاون مع مثيلاتها في الجناح المغربي ولا يلتقي الباحثون المغاربة إلا تحت غطاء أجنبي؟
إن الحديث عن العلاقات الحالية والمستقبلية بين ضفتي المتوسط، أعتقد من المهم استحضار التاريخ واستنطاق نصوصه والذي سيعيننا على فهم واقعنا والتغلب على المعوقات التي تحول دون تحقيق الأهداف التي رسمت منذ نصف قرن أي من منذ مؤتمر طنجة 1958.
على ضفتي المتوسط، نحن نقف على العديد من الأشياء التي كانت ولا تزال تربط بينهما. من تراث إنساني في العديد من المدن البحرية، تحيط بها أشجار الزيتون، والبرتقال والتين واللوز، وتستقبل ألوان وأمواج البحر المتوسط تحمل في أحشائه ثروة هائلة مهدد بالفناء بفعل وسوء استخدام الإنسان. المتوسط يتشكل في لوحة فنية تمثل فيها ثقافة شعوب المتوسط. وعبر أحد الكتاب الأوربيين في كتابه البديع: «قاموس المتوسط»: يقول «البحر الأبيض المتوسط ليس فقط جغرافيا. فحدوده ليست مرسومة لا في الفضاء ولا في الزمن. ونحن لا نعرف كيف نحددها، ولا على ماذا هي متوقفة، أنها ليست لا تاريخية ولا أثنية ولا قومية، ولا دولية. حلقة طباشير ترتسم دونما توقف لتنمحي من جديد، وتقوم أمواج ورياح وأعمال بتوسيعها أو بتقليصها على طول الساحل كان يمر طريق الحرير والعنبر، وتتلاقى طرق الملح والتوابل، والزيت والعطور، والأسلحة والفنون والمعارف والتنبؤات والعقيدة».
ان البحر الأبيض المتوسط هو أوروبا. وهو أيضا المغرب العربي والشرق الأوسط. وهو اليهودية والمسيحية والإسلام. وهو التوراة والإنجيل والقرآن. وهو أثينا وروما وقرطاج وأويا وقورينة والإسكندرية والقسطنطينية إلى آخر المدن الساحلية. وهو أيضا فلسفة الإغريق وفنونهم وديمقراطيتهم. وهو بلاغة الرومان. وهو حضارة العرب (شعرا وأدبا وعلوما وفنونا) التي أيقظت أوروبا من سباتها العميق في ما أصبح يسمى بعد ذلك بـ «عصر النهضة». وعلى ضفتي المتوسط تعايشت شعوب وأجناس تحاربت وتحاببت، وتضامنت وتصارعت، وتوحدت وتصادمت واليوم تتآخى.
عرف البحر المتوسط بعدة أسماء خلال التاريخ فعلى سبيل المثال كان الرومان يسمونه "مارِه نوسترُم" أي "بحرنا" (بحر الروم). في اللغات الأوروبية يسمى البحر ب"المتوسط" لأنه موجود بين ثلاث قارات. الكتاب المقدس يسميه بـ"البحر الكبير" أما بالعبرية الحديثة فيسمى ب"هايام هاتيخون" أي "البحر الأوسط". ويطلق عليه الأتراك "أكدينز" التي تعني البحر الأبيض وذلك لكثرة زبد أمواجه. كان اسمه لدى العرب قديما البحر الشّـَامِيّ أو البحر الرُّومِيّ، في حين كان يسمّى الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط بحر المغرب.[1> ويبدو أن الاسم العربي المعاصر هو مزيج الاسم التركي مع الاسم الأوروبي...
ومنذ نهاية الحرب الأولى عاد الاهتمام وبقوة بالبحر المتوسط عند الجيوسياسين من الأوربيين، وظهرت دراسات ونظريات حول إدعاءات بلاتينية أو متوسطية هذا البحر. وكثر الجدل بأن المتوسط هل هو لاتيني أو سامي!!!. وكيف يمكن إحداث توازن في العلاقات بين دم سكان شمال المتوسط اللاتيني المسيحي، وبين سكان الشمال الأفريقي الذين هم عرب ومسلمون أكثر من أربعة عشر قرناً. فالبحر المتوسط شريان ومصدر الحياة لكل المتجاورين له.
البحر في ثقافة العرب يمثل عالم الخوف والمجهول لكونهم تعودوا العيش في الصحراء والبراري، رغم أن البحار تحيط بمعظم أجزاء الوطن العربي؟ . لا شك أن العرب الفينيقيين يستثنون من ذلك فهم أول من ركب البحر وتاجر في البحر المتوسط وسيطر على مساحات منه على ضفاف الشمال الأفريقي، وتنافس في السيادة مع الإغريق ثم ورث الرومان السيطرة على معظم حوض البحر المتوسط حتى الفتح العربي الإسلامي. ومنذ القرن الأول بدأ العصر الذهبي للمسلمين في الصعود حيث بسطوا نفوذهم على حوض المتوسط في الأندلس وفي جنوب ايطاليا (صقلية). لكن سرعان ما أفل نجم العرب المسلمين نتيجة تأزم الصراع بين الطوائف والفرق والدويلات في الشمال الأفريقي، وقد فشل المرابطون ثم الموحدون في السيطرة على تجارة البحر المتوسط، فتحالف الأوربيون من جديد ضد المسلمين واليهود وطردوهم شر طردة سنة 1492.
يتفق معظم المؤرخين أنه على ضفاف وعمق البحر المتوسط، نشأت الحضارات والديانات السماوية، وشهد المتوسط أعظم أحداث تاريخية على الإطلاق، أهمها : الحروب الصليبية التي أدت إلى ظهور مدارس الإستشراق من خلال احتكاك الغرب بالشرق، وهذه الصدمة الحضارية قد لا يستفيق عندها العرب إلا في لحظات الأزمات القصوى، حتى أن حضورها أي (الحروب الصليبية) في الأدب العربي الحديث والمعاصر حسب علمي قليل جدا، إذاً ما قورن بما تناوله الأدب الأوربي من تعظيم وتمجيد لتلك الحوادث.
ًثم الحدث الثاني وهو تراجع الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وصقلية وانحسارها على ضفة منطقة المغرب العربي والذي نجده حاضراً في الأدب العربي شعراً ونثراً وفناً موسيقياً يغلب عليه الرثا والبكاء على الإطلال وهو ما يعرف بالموشحات والمالوف.
أما الحدث الثالث يتمثل في سقوط بيزنطة على يد العثمانيين وريثة الدولة الإسلامية المنهارة، الذي غير مجرى التاريخ في شرق أوربا بانتشار الإسلام فيها. فالدولة العثمانية كان لها حضورا متوسطيا منذ سنة 1288 حتى سنة 1923 م، وقد عاشت أطول مرحلة تاريخية في تاريخ حضارات المتوسط بعد الدولة الرومانية ولسنا هنا بصدد تقيمها.
ومن سمات هذه المرحلة أيضا ظهور نشاط القرصنة البحرية التي مورست لفترة ثلاثة قرون من طرفي المتوسط وهي لم تحظ بعد بدراسات معمقة وموضوعية، فهناك خلط بين الجهاد البحري والنشاط البحري أو (القرصنة) ولم أعثر لها اثر في الأدب العربي أو الأوربي رغم أهميتها في العلاقات المتوسطية وهو موضوع شائك.
ومن خلال استقرائنا لتاريخ الإمبراطوريات والدول الكبرى التي امتدت على مساحات شاسعة، ومتكونة من شعوب متباينة عرقياً ومذهبياً، كان من الصعب بسط السيطرة الكاملة ولمدة طويلة مهما كانت قوة الدولة. فالدولة الإسلامية كغيرها من الحضارات لن تخرج عن السياق التاريخي في النشوء والانحدار كما فسره ابن خلدون، فالدولة الإسلامية سواء الأموية أو العباسية قد شهدت انتكاسات، كان لها انعكاسات وتداعيات على منطقة المغرب العربي، حيث اشتدت المنافسة بين قوى محلية تناوبت على السلطة ودخلت في صراع وحروب، لم تحسم إلا بعد منتصف القرن السادس عشر بإحلال السيطرة العثمانية وريثة الخلافة العباسة(السلاجقة). ظل هذا التماسك الجيوسياسي هشاً حتى تعرضت المنطقة للاستعمار الأوربي المباشر في مطلع القرن التاسع عشر.
وهذا التحليل يتوافق مع طرح الباحث فيشر، من خلال رفضه الربط بين الإسلام وتخلف وتأخر شعوب المغرب العربي، وهو يرى أن السبب الرئيس يتعلق بالناحية الاقتصادية وقسوة المناخ وشح الأمطار مما جعل السكان يقتلعون الأشجار عادمين بذلك المزروعات والتوجه نحو الرعي غير عابئين بالثروات البحرية. هذه الظروف شجعت الأطماع الأوربية في إعادة السيطرة من جديد.
ويمكن القول أنه منذ حملة نابليون بونابرت وبداية الحرب العالمية الأولى والثانية، غدا المتوسط (بحيرة أوربية) من خلال السيطرة العسكرية والتجارية البحرية، حيث احتكرت الشركات الأوربية عملية نقل السلع والمسافرين بين موانئ البحر المتوسط، حتى أن الحجاج المغاربة كانوا يستقلون السفن الأوربية إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج، في ظل تراجع قوافل الحجاج التقليدية.
ما من شك أن مجمل مراحل التوسع الإمبريالي والطاقة المتميزة لبعض الدول الأوربية في مجال التوسع الاقتصادي، انعكست على الجانب الثقافي، وقد أحدث انطلاقة في الدراسات الاستشراقية وأدب الرحالة في محاول للهيمنة على الجزء الأعظم من العالم الإسلامي. وقد استهدف الغرب في دراساتهم الفلسفية والإتنوغرافية، والجغرافية والأركيولوجية لتاريخ شعوب الجنوب حتى مزاعم وأهداف علمية تتيح لهم تحصيل المعارف العملية والأساسية لتسهيل التوسع الاستعماري لهذه المنطقة.
وإذا حاولنا تقريب صورة بلدان المغرب العربي تاريخيا قبل مرحلة الاستعمار، وبالرغم من وجود كيانات سياسية لها شخصيتها الدبلوماسية النسبية، في السابق لا توجد في المفهوم الرسمي او الشعبي قوانين تحد من التنقل والتملك والعمل بكل حرية لشعوب هذه المنطقة. هذه الإشكالية تجدرت وتطبق بصرامة صبيحة حصول هذه الدول على الاستقلال، حيث باتت كل دولة تبحث عن هويتها السياسية الوطنية الضيقة حسب الحدود التي رسمتها الدول الاستعمارية دون أية معايير. ودون الأخذ في الاعتبار لإعداد تصور مشاريع كبرى تترجم وتحقق الأماني المشتركة لوجدان سكان المغرب العربي.
إن الوضع الحالي لمنطقة المغرب العربي إذا ما قورن بمرحلة ما قبل الاستقلال في منتصف القرن المنصرم، يعد أمراً غير طبيعي، ومن تم ينبغي تغييره حتى لا يتعرض سكان المنطقة للانقراض ويطوى تاريخهم كغيرهم من الذين نتأسف على اختفائهم من خريطة العالم. وأنه من الصعب تخيل أي بناء اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي لهذا الفضاء دون التفكير في تحقيق الأمن بكل مفاهيمه ومشتملاته (الغذائي والوقائي الخ) في إطاره الإقليمي والمتوسطي.
إن الحاجة إلى إعادة بناء تواصل المغرب العربي بأوربا الجنوبية، يتطلب الدفع نحو فهم الأهداف والأبعاد لمشروع الكيان المغربي، الذي أمسى ضرورة تتطلبها المرحلة، وذلك لعدة اعتبارات : أهمها مواجهة العديد من التحديات المحلية والإقليمية والدولية. فالمشكلة الديموغرافية وتزايد عدد السكان لا يقابله تنمية الموارد المحلية، ناهيك عن غياب البرامج وتنسيق الجهود الإقليمية في التعاون المعالجة القضايا التي تفرضها الدول الكبرى التي تعيق من التقارب المغربي مع دول الإتحاد الأوربي .
والحديث عن الأمن الإقليمي أو القومي في منطقة جنوب البحر المتوسط، بات الهاجس الذي يقض مضاجع الأوربيين ويعتقدون أن الخطر قادم من الشرق بما فيها منطقة (المغرب العربي). وهذا التوجس لصيق بتقلب الأحداث وتناوب المحن من طرف الدول القوية المتصارعة على امتداد بلدان (الشرق الأوسط وأفريقيا) التي تشهد منذ عدة عقود خلخلة سياسية، ومنطقة اللاستقرار محكوم عليها أن تظل بؤرة الصراع والتنافس الدولي. هذه الصورة القاتمة هل هي حتمية؟. أم أن القرار في أيدي سكان هذه المنطقة ومن تم فإن رياح التغيير آتية لا محالة؟ .
تشكل المتغيرات المتسارعة في السياسية الدولية على كل الصعد منعرجاً خطيراً، في إعادة تشكيل الخريطة السياسية في الوقت الراهن، وفي المستقبل القريب في بعض مناطق من دول العالم الهشة والتي تعاني من أزمات سياسية أو أثنية أو دينية، لكن هذا الأمر لن يمر بسهولة عبر القرارات الدولية كما في السابق واعتماداً على الفصل السابع الذي تتذرع به القوى الكبرى في تدخلها في شؤون الدول الصغرى.
ومن المسائل الملحة والتي هي مطروحة للنقاش منها : هل هناك رؤية وإدراك حقيقي لدى سكان المغرب العربي وهنا الحديث موجه لأصحاب القرار للأبعاد الإستراتيجية الأمنية في المحيط المتوسطي. ثم ماذا نعني بالأمن الإقليمي أو القومي العربي المتوسطي؟؟ وما هي منطلقاته؟؟ وما هي الوسائل إلى تحقيقه...؟؟، وهل يمكن أن يتحقق الأمن القومي دون الدخول في شراكة حقيقية مع أطراف أخرى أسئلة عديدة يبغي أن تدور في عقل المفكرين والمثقفين على مختلف توجهاتهم. الأمر الذي يتطلب مناقشة هذه الإشكاليات من منطلق قراءة وتحليل الدوافع والتداعيات على الواقع وآفاق الفضاء المغربي...فالموضوع مهم لا يحتمل التأجيل، وطرحه ودراسته وتحليله مهمة عاجلة، لأنه يمس الحاضر ويقترن بمستقبل سكان المغرب العربي. والحوار جزء أو خطوة تتبعها مراحل جادة في فهم المشاكل وفق منهج نقدي يشخص المسائل ويساهم في وضع الحلول المناسبة لها .
من الملفت للانتباه تضارب واختلاف الرؤى لمضمون ومفهوم الأمن القومي للمواطن العربي الذي يختلف عن غيره بالنسبة للأوربي والأمريكي، فالمصلحة الأمريكية في عدد من بقاع العالم وفي بعض الأحيان ارتبطت بالأمن القومي، فالمزاعم الأمريكية ترى في إيران وكوريا الشمالية دول مارقة أو محور الشر وهذا ينسحب على حركة القاعدة وطالبان في أفغانستان والصومال حسب التصنيف الأمريكي. وهذه الرؤية لا تختلف كثيراً عن ثقافة الأوربيين وموقفهم المتباين في تحديد مصطلح الأمن والإرهاب وما يشكله من خطر على السلم والأمن العلمين .
فالحرب الباردة التي شكلت أو صاغت نوعاً من توازن القوى العظمى منذ الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات، نجدها تدخل مرحلة التفسخ بفعل سقوط الإتحاد السوفيتي واختلال المعايير الدولية. ونتيجة لهذه العوامل التي احتوت على مفردات وتفاصيل كثيرة، تفاعلت فيما بينها، ونشأت ظاهرة جديدة، (سياسة القطب الواحد)، نجم عنها تداعيات أهمها سيطرة الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر على المنطقة العربية خصوصا بعد 11 سبتمبر، وهذه المتغيرات تبناها مفكرون باتوا يروجون النظريات للسياسيين مثل صراع الحضارات وأن الخطر قادم من الشرق (العرب والإسلام)، كل هذا أدى إلى التشكيك والتصدع في الأفكار والأيدلوجيات السائدة، في مرحلة ما قبل مرحلة القطب الواحد، وفي تصاعد أفكار بديلة ومؤثرات وحركات دينية تحت تسميات غريبة غيبية في منهجها، محكوم عليها بالفشل لفقدان المصداقية وانعدام وجود برامج وحلول مقنعة للمواطن الذي يعاني الفقر والحرمان من حقوقه الأساسية في العيش بكرامة والمساهمة في البناء.
وهذه الرؤية تنسجم مع ما يطرحه بعض المفكرين الأسبان في فهم صورة للعلاقات المغربية الأوربية، ويضعون باللائمة على القسوة التاريخية للرأسمالية التي تمتد إلى أكثر من ثلاثة قرون خلت وما أراقته من دماء وما خلفته من عذابات يصعب حصرها ولن يجبرها أي جهد يبذل في مجال المساعدات الإنسانية. ويضيف أن تحويل المتوسط إلى صراع بين الإسلام والمسيحية لن يكون سوى ضرب من السخرية، فالمتوسط هو أساسا ساحة مواجهات بين الفقر والغنى وهي السمات التي قد تستغل من وجهة نظر أيدلوجية ودينية لتزج دول المتوسط في صراع وحروب لا طائل منها.
وإذاً نظرنا بموضوعية لماهية الهوية الوطنية للمغرب العربي؟ وما هي تكويناته وما هي إمكانياته؟ ثم ما هي مصالح شعوبه؟ لن تكون الإجابات نهائية وإنما نهدف منها فتح آفاق هذا الموضوع لينال حظه في هذه الظروف الصعبة. لعل من الأولويات المسلم بها أن سكان المغرب العربي في غالبيتهم العظمى يعتنقون الإسلام، خال من التشيع والتمذهب الديني وتجمعه لغة عربية واحدة علاوة على بعض الخصوصية في اللهجات العربية القديمة تحت تسميات متباينة (امازيغية ، بربرية ، تيفيانغ) مرجعيتها من أصول عربية. ونعتقد أن هذه الرؤية أي الضغط على الاختلاف قد تجاوزتها المرحلة من الناحية العرقية والثقافية، وإن ظلت ورقة راهن عليها بعض أصحاب التوجهات الجهوية سياسة باهتة ومكشوفة تستغل من قبل أطراف خارجية. إن فضاء المغرب العربي يمتاز بخاصية فريدة في البناء الجغرافي والترابط الاجتماعي وهي تجعل من سكانه أكثر قدرة على بلورة كيانه وتوحيد الرؤى والأهداف في تعزيز التكامل مع الطرف الآخر (جنوب أوربا) الذي لا تفصله عنه إلا بضعة أميال بحرية .
فالنفط عند بعض الدول المنتجة يشكل ثروة هامة وربما المصدر الوحيد للدخل الوطني إذا تم توظيفها لصالح الجماهير، ورغم مرور الزمن وتطور إمكانيات تصنيع النفط محلياً، لا زالت الشركات العالمية الكبرى تحتكر تقنيته، وتتحكم في تحديد سعره. وسيستمر النفط المسيطر على السوق العالمي ربما إلى نهاية هذا القرن. ثم ماذا بعد النفط وما هي تداعياته على المصدر والمستهلك. فهل الطاقات البديلة النظيفة مثل (الشمس الرياح وغيرها) ستلعب دوراً في التعاون مع دول الشمال التي تستهلك الطاقة بشكل كبير.
في السنتين الماضيتن حدثت متغيرات وتطورات كبيرة في العلاقات الدولية ، فاليوم تشهد منطقتنا مداخل ومفاهيم جديدة للسلام، بحيث أصبح عدو الأمس المحتل مقبولاً للتعايش معه، ولعل نموذج ايطاليا وليبيا في الاتفاق الموقع بينهما قد يعمم كسابقة في العلاقات الدولية. فالجزائر اليوم تطالب فرنسا بفتح الملف الاستعماري وربما سيكون المشوار طويلاً مع دول أخرى.
ومن المهم التذكير أن تغييب دور ليبيا في التعاون المغربي الأوربي في السنوات الماضية تحت ذريعة الحصار، كان له انعكاسات سلبية على بقية أقطار المغرب العربي. وحين أدرك الأوربيون قيمة ليبيا نلاحظ أن هناك خطوات مهمة نحو الانفتاح والاعتراف بأن المغرب العربي يعتبر شريكا طبيعيا.... وهكذا تتشابك وتتداخل المصالح مع دول وسط جنوب الصحراء، التي تلامس البحر المتوسط من خلال التبادل التجاري.
وحين اقترب الإتحاد الأوربي من دول المغرب العربي والدخول معه في شراكة ثنائية، أو 5+5، رأت أوربا ضرورة تصفية وإنهاء بعض الملفات العالقة. فمنذ عقود باتت أوربا تخشى من تدافع الهجرة المشروعة وغير المشروعة من أفريقيا، عبر بوابات دول المغرب العربي. وهذا الأمر يلاحظ انه بدأ يسبب القلق المستمر، ويطرح الموضوع للنقاش بين الساسة، كمحور رئيس في إي لقاء رسمي وقد يكون شرطا في تنمية العلاقات الاقتصادية بين فضاء المغرب والإتحاد الأوربي. والمشكلة لا يمكن حصرها أمنياً، بل لها أبعاد وتداعيات سياسية على الجانبين وكل طرف يبرر وجهة نظره في كيفية معالجتها.
من هنا فإن دراسة مقومات الأمن الإقليمي لدول المغرب العربي تأخذ من مسألة الهجرة محوراً مهماً في العلاقات بين الضفتين، فمنذ عقود ونحن نقرأ ونسمع في وسائل الإعلام المحلية والعالمية التصريحات السياسية الرسمية حول الحد من الهجرة!!، وقد تم تنظيم عشرات الندوات والمؤتمرات، هنا وهناك حول هذا الموضوع الذي بالغ الغرب في خطورته. إن الذي استوقفني هو المفهوم الخاطئ الذي صار مصطلحاً شائعاً في الثقافة السياسية تتلقفه الإذاعات والصحافة، إذ يحاول الغرب أن يقنع الجميع أن هناك هجرة (غير مشروعة!!! وأخرى مشروعة!!!!!.)
وإذا حددنا العلاقة التاريخية بين أفريقيا وأوربا، فالشمال الأفريقي كان مقراً وسكناً للعديد من المهاجرين الأوربيين منذ العهود القديمة، مثل (اليونان والرومان قديما، ثم فيما بعد الفرنسيون..والايطاليون والمالطيون وغيرهم )، وعاش هولاء أزمانا في هذه المنطقة في مناخ يسوده الاستقرار والوئام النسبي. وبالمقابل استوطن العرب المسلمون الأندلس وصقلية لقرون طويلة، لكنهم طردوا منها وبشكل تعسفي انتقامي، في إطار التطهير العرقي أو ما عرف بحركة الاسترداد، بينما ظلت بعض الجاليات من البلدان الأوربية تنعم بالاستقرار في أمن وسلام في دول المغرب العربي وتحصلت على امتيازات واسعة، لم تشم لها رائحة في أوربا، وقد أتيحت لهم حرية المعتقد الديني، وممارسة التجارة بل واحتكارها في كثير من الأحيان، وتمتعوا بحرية التملك حتى في أثناء الهجمة الاستعمارية الأوربية المباشرة في القرنين الماضيين ولم يتم التعرض إليهم بسوء.
لم ترصد كتب التاريخ في دول شمال أفريقيا أي تميز بين هولاء وأولئك من المهاجرين الأوربيين كما يحدث اليوم للمهاجرين غير شرعيين وآخرين شرعيين!!! من أفريقيا. فالبحر المتوسط على مدى التاريخ، لم يكن حاجزاً طبيعياً يفصل بين الجانبين ولم ولن يحد من تنقل البشر عبر الضفتين، مهما عملنا من الضوابط والتجهيزات التقنية الأمنية، فالوقوف ضد هذه الظاهرة كالذي يجدف ضد التيار، وهو أمر مستحيل قد تفلح لمرة ولكنها ستفشل لمرات. إذا أين تكمن المشكلة؟ .
كلما اتسعت الدائرة بين الأغنياء والفقراء أي بين الشمال والجنوب كلما زاد الاحتقان والتوتر، ولا سبيل للحد من ذلك إلا بإعادة توزيع الثروة بطريقة عادلة، وهي المخرج والمنقذ الوحيد للتخفيف أو القضاء على هذه المعضلة سواء في أوربا أو في أفريقيا نفسها. فالغرب الذي ينعم بالخيرات والتقدم والاستقرار جاء على حساب الآخرين الذي وقع عليهم الضرر، وأن ثمن تخلف أفريقيا هو تقدم أوربا. هذه المعادلة يجب أن تدرس ويتم تشخيصها وتجذيرها في كل المناسبات والمحافل. فما الذي يريده المواطن هنا أو هناك؟ ليس أكثر من أن يعيش بحرية وكرامة، وهذه ليست بمستحيلة إذا حسنت النوايا. فمن خلال تحديد وفهم مشكلات الطرف المتضرر يمكن تحديد العلاج وفق خطط مراحل وبرامج مدروسة ومفيدة، وأن جبر الخواطر للمتضررين سيعيد الثقة بين الطرفين، ويحل السلم والتعاون بدل التناحر وربما التصادم.
إذاً من المهم دراسة هذه المشكلة في كل أبعادها القانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك النفسية من كلا الجانبيين وعلى كل المستويات( مثقفين وسياسيين، كتاب، صحفيين الخ). النظر إلى المهاجرين(كمجرمين) بهذه الصورة القاصرة والمحزنة بين الشفقة والتشفي من قبل رجال خفر السواحل التي تنقلها وسائل الإعلام وهم ينتشلون الجثث ويحاولون انقاد الإحياء الذين تتلاطمهم أمواج البحر العاتية في سفن سماسرة البشر، يمثل مشهدا ومسلسلا إنسانياً لن يتوقف طالما لم تطرح المشكلة من أساسها ويبحث في وضع حد لها.
ومن الحكمة على أوربا أن تراجع نفسها وتضع مصالحها على المحك. وهنا تبرز مهمة المؤرخين والمثقفين الجدد في أوربا، وأن يتخلصوا من أيدلوجية الاستعلاء بأن يتفهم هولاء مطالب شعوب القارة الأفريقية العادلة والتي ظلمت كثيراً في تاريخها وتراثها واستنزفت ثرواتها. الحوار هو الأسلوب الأمثل والتعاون الأوربي الأفريقي بات أمر ملحاً من أجل غد أفضل لصالح الطرفين.
نجد الاتحاد الأوربي يتجه نحو المغرب العربي لإنشاء درع تعاون اقتصادي وأمني يحول دون تدخل الولايات المتحدة في هذه المنطقة. والسؤال المطروح كيف يمكن أن تتحقق مع المغرب العربي هذه الشراكة في وضع هش لا زال يتأرجح ككيان جغرافي اقتصادي تجمعه المصالح المشتركة في مقابل الضفة المقابلة والتي عبر عنها 5+5 . فالواقع المعاش يعطينا مؤشرات للدور يمكن أن تضطلع به دول المغرب العربي بتحقيق التوازن المتوسطي إذا تجاوزت خلافاتها، وأنها لقادرة على تحمل هذه المسؤولية التاريخية في إعادة صياغة المفاهيم في الأمن الإقليمي والقومي في مواجهة التحديات .
فهل هذا التراكم من الحوادث المشتركة بين سكان الضفتين يمكن أن يخلق منها حواراً متوسطياً له مرجعيات؟ أم أن نقاط الاتصال الجغرافية لا تزال جزءا من الذاكرة (الاستعمارية) الكولونيالية الاستعلائية عن الجنوب . وهل نستطيع القول أن الشمال الأفريقي قد تخلص من التبعية (الهوية الإمبريالية). وهل الوضعية الراهنة التي لا تبدو منطقية ولا عقلانية، شمال المتوسط متعدد الثقافات واللغات والهويات القومية المتباينة، لكنه متوحد ويخاطب الطرف المقابل من منطلق كيان جغرافي ذا كتلة واحدة. بينما الشمال الأفريقي أو حتى المغرب العربي والذي سمته الأساسية العربية ودينه الإسلام وتاريخ وهموم واحدة لكنه عاجز حتى اليوم تكوين رؤية موحدة نحو الآخر. فهل من الممكن إعادة رسم الخريطة للمتوسط ؟ والتعرف على الدول الفاعلة ومدى حجم تأثيرها في المنطقة.
ومن دعائم الحوار المتوسطي مناقشة التطور الديموغرافي في كلا الجانبين، فدول أوربا تسير نحو الشيخوخة، بينما دول الجنوب تشهد درجة عالية من الخصوبة وأغلب السكان من الشباب وبالنظر لعدم استقرار الأحوال الاقتصادية وقلة الموارد، أضحت الحاجة إلى البحث عن العمل من خلال حراك بشري سري وعلني، حتى تفاقمت معه إقامة المهاجرين من دول المغرب العربي في بعض دول الضفة المقابلة عقب الحرب العالمية الثانية، ترتب عنها علاقات متذبذبة وانتجت لنا أدبا جديداً للمهاجرين هجيناً بين الثقافة الأروبية وثقافتهم الأصلية(العربية الإسلامية)، ولم يتمكن هولاء عبر تعاقب الأجيال أن يشكلوا جسوراً وحلقات للتواصل عبر ثقافة الاستشراق والاستغراب. وفي المقابل لا نستطيع أن نطلب من أوربا المتوسطية التخلي عن وهمها الاستعماري ونظرية التفوق الحضاري بكل سهولة؟
وفي ذات هل يستطيع الطرف الجنوبي في ظل الظروفأن يبعد شبح الخوف والحذر وعقدة نظرية المؤامرة. ومن أجل مواجهة هذه التحديات، قد يكون الجواب ما يزال مبكراً في صياغة رؤية شمولية واضحة المعالم لبناء كيان وفضاء متوسطي خال من التوترات والتهديدات لكي يتعايش فيه الطرفان بثقة واحترام متبادلة. من اجل تعزيز التبادل التجاري وحماية الثروة البحرية السمكية من الاختفاء وتنمية شواطئه بغرس أشجار الزيتون المباركة التي تشترك في زراعتها دول من الضفتين..
نحن نحيا في عالم يقال فيه أن اللغة قد شاخت وباتت تفتقد إلى المعنى، وما عادت متطابقة مع إشكال الواقع الراهن. وغالبا ما نصادف تلميحات هي وليدة مختبرات التنكوقراطية يصعب تفسيرها، حيث تم تغيير استخدام بعض المصطلحات الاستفزازية من ( المستعمر والمستعمر المسيطر، والمسيطر عليه، المستغل والمستغل الشمال) إلى لغة غير مؤذية مثل ( الجنوب والشمال، والطرف والمركز الخ.) وهذه من شأنها أن تطمئن الجميع ويرجع كل واحد إلى داره مرتاح الضمير.
ومن المفارقات بين المؤرخين والسواد الأعظم من الأسبان وتصورهم للمتوسط في نهاية القرن الماضي في استناده إلى تراكم الصور السلبية التي تتشابك فيها كل الأفكار المسبقة المعادية للإسلام والموروثة من عهد الاسترداد. أن هناك بعض دعاة التمدين ، أثناء اجتماع المستفرقين أو المتأفرقين سنة 1884 ينفرد أحد الباحثين المنصفين ليظهر حماسته للتراث الثقافي الإسلامي: لما له من قيمة تاريخية إذ يقول :( لقد كان المغاربة معليمنا فحق لهم منا الاحترام، كانوا إخوتنا ونحن مدينون لهم بالمحبة، كانوا ضحايانا فمن واجبنا تعويضهم عما جرى بالكامل، وبالتالي فإن سياستنا يجب أن تكون سياسة عوض، سياسة قرب، سياسة إصلاح. ويضيف إننا كونا فكرة خاطئة عن المغاربة كما كونها عنا الانجليز والفرنسيون في أعوام خلت.
ومن خلال تشخصينا لتطور الأحداث في المغرب المتوسطي، نعرج قليلا على بعض انتكاسات الفضاء المغربي الذي تأسس سنة 1989، وذلك من خلال تداعيات حرب الخليج ومن دعائم الحوار الأورمغربي تنشيط مورد السياحة كعنصر اقتصادي ثقافي يستوجب تحديد المتطلبات وتوفير الإمكانات
ويمكن تصنيف السياحة إلى نوعين:
سياحة نوعية ارتبطت بالترحال والتجوال والتنقل من مكان لآخر، بدافع الفضول للتعرف على العادات والتقاليد والفلكلور والفنون والآداب، وفي القرون الماضية كان الرحالون هم رواد السياحة بما تحملها من مغامرة لزيارة مناطق وشعوب كانوا يجهلونها، وقد كتبوا ونشروا مشاهداتهم وانطباعاتهم المباشرة الموضوعية والمغرضة والتي صنفت بأدب الرحة ولا شك أنه تشكل قيمة مصدرية لدراسة تاريخ المنطقة ثقافيا واجتماعيا. فالمتوسط الجديد يحتاج إلى ذاكرة المؤرخ وخيال الشاعر ولمسة الفنان وحكمة التاجر وذكاء المستثمر.
النوع الثاني: السياحة الجماهيرية وهي كثيرة الانتشار وبإعداد هائلة منذ مطلع القرن العشرين وهي في ازدياد مستمر لها علاقة بالمواقع السياحية وتوفر الأمن، لكنها غير منفتحة بشكل يسمح بالتعارف والتواصل مع المجتمعات ثقافياً.
إن تطور الأساليب التقنية لمقومات السياحة الثقافية تجاوزت المشاهدة العابرة والاعجاب بالآثار التاريخية فقط، فالسياحة الثقافية باتت فضاء وبراحا تتعدد فيه الخبرات والمواهب وتعد مجالاً خصبا للاتصال والحوار وتبادل الأفكار بين الشعوب. وقد دخل مفهوم السياحة في عدد من البلدان كمقوم اقتصادي واستراتيجي هام يساهم في تنمية الدخل القومي، وبما يترتب عليه من دفع وتحريك عجلة الاقتصاد المغاربي خصوصاً استيعابه للقوى العاملة الفنية المهرة.
ومن أهم مقومات السياحة في المنطقة المغاربية :
الجمع بين الآثار التاريخية والمورث الحضاري والمناظر الطبيعية والتي لا تقبل المقارنة مع غيرها. ثانيهما : توفر الأمن والأمان وطيبة السكان واحترامهم وتكريمهم للضيف. وهذان العنصران رصيد في غاية الأهمية، ينبغي التمسك بهما والحفاظ عليهما وعدم التهاون فيهما. إن موضوع السياحة بات أمراً مهماً، ولم يعد جانبا ثانويا أو ترفهيا بالمعنى السطحي، بل أن المسألة أهم من ذلك بكثير، فهي تتطلب وقفة جادة متبصرة تناقش السلبيات والظروف التي قد تعيق تنمية هذا القطاع من خلال حوار بناء عبر لقاءت للمتخصيصين في كل المجالات لتقصي الآراء والتي على ضوئها سيتم تحديد خطط وبرامج مدروسة بعملية لغرض تطوير السياحة اقتصاديا وثقافيا.
وما من شك أن القطاع الخاص والعام في مجال السياحة هما مكملان لبعضهما البعض، وإن كان مفهوم الخصخصة يعد من انجح الوسائل في هذا المجال وغيره، لكن من المهم والمفيد، ألا يكون على حساب المورث الحضاري أو تشوهيه والذي هو ملك للجميع يتمتع برؤية جماله ورونقه الباحث والزائر لا أن يتحول إلى مطاعم ومنتجعات سياحية دخيلة. وأن قانون حماية الآثار لا ينبغي التساهل فيه!!. وتبدو الحاجة ماسة إلى مسح وتخريط دقيق وتفصيلي لكل الآثار التاريخية والمناظر الطبيعة مهما صغرت أو كبرت أهميتها مع وصف الحالة التي عليها، ليتم دراستها من قبل المتخصصين والعمل على تطويرها واستغلالها بشكل أمثل.
إن دول المغرب العربي التي تتربع على رقعة جغرافية كبيرة في المتوسط، يتنوع فيها التباين الطبيعي الطبوغرافي، فمناخها قلما تجده في الدول المقابلة من البحر المتوسط ، وهو مشجع لإقامة السياحة الصيفية والشتوية على التوالي، ويمكن استثمارها وتوظيفها، إذا استغلت بشكل جيد وسخرت كل القدرات والإمكانيات لها.
وأن نهج دول المغرب العربي وهي تفاوض السوق الأوروبية فرادى وليس ككتلة سياسية وجغرافية واحدة لن تكون له نتائج ايجابية للطرف الجنوبي. ففي حين كان الآخر موحدا، كانت هي متفرقة بل متنافسة في أغلب الأحيان وهو ما أضعف موقفها التفاوضي. اقتصاديا لا يوجد تماثل بين دول المغرب العربي، بل توجد اختلافات جوهرية. وإن حدثت وحدة بينهم فستترتكز على التكامل وهو يشكل عامل خوف وحذر بالنسبة إلى السياسي، لأنه لن يجد نفسه حرا في حالة خلاف سياسي شديد (مثل حالة الجزائر والمغرب) في التنصل من التزاماته الاقتصادية عندما تكون مرتكزة على التكامل وليس على التماثل.
هذا المشهد الاقتصادي مختلف عن مشهد دول مجلس التعاون الخليجي التي تعيش اقتصادياتها تشابها كبيرا إن لم تقل تطابقا كليا حيث تعتمد على تصدير المحروقات بكافة أنواعها.

وحقيقة، كانت المحاولات الأولى في تأسيس المغرب العربي تتجه نحو الاقتصاد وذلك لاستحالة إحداث تقارب سياسي كبير بين دول مختلفة جذريا من الناحية السياسية والأيديولوجية وحتى من ناحية التحالفات الدولية. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1964 وفي مدينة تونس اجتمع ثلاثة وزراء اقتصاد يمثلون دولهم وهي المغرب، الجزائر وتونس واتفقوا على تأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي. واجتمعوا ثانية في يومي 26 و27 نوفمبر (تشرين الثاني) 1964 في مدينة طنجة المغربية لتأسيس اللجنة عمليا. والتحقت بهم ليبيا. لكن سرعان ما دب الخلاف بينهم. ففي شهر يوليو 1970 اختلفت وجهات نظرهم حول كيفية البناء الاقتصادي للمغرب العربي.
فالجزائر وليبيا كانتا من أنصار التجربة الاشتراكية وهيمنة الدولة على كافة الأنشطة الاقتصادية متأثرتان بالنموذج السوفيتي حيث ارتبطتا معهم باتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري. أما المغرب وتونس فقد أعربا عن عزمهما انتهاج الاقتصاد الليبرالي ودعم الرأسمالية الناشئة في وطنيهما منحازين بذلك إلى تجربة الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومبرمين اتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري معه. هذا الخلاف أدى إلى انسحاب الجزائر وليبيا من اللجنة التي لم تبق فيها إلا تونس والمغرب.
اليوم، تتفق كل دول المنطقة تقريبا، باستثناء رؤية ليبيا، على ضرورة انتهاج تجربة الاقتصاد الليبرالي. وهو ما يمكنه توحيد أسواقهم ومفاهيمهم في التعامل الاقتصادي وفي التبادل التجاري.
من الناحية الثقافية، يمكن تقسيم دول المغرب العربي إلى كتلتين. الأولى تجمع أربع دول (المغرب، الجزائر، موريتانيا وتونس) والثانية تجمع ليبيا منفردة. فالقاسم المشترك للدول الأربعة الأولى هي الحضور القوي للثقافة واللغة الفرنسية في أوطانها. فالفرنسية، لغة شديدة الانتشار في هذه الدول، ولها مناصرون في الإدارة وفي الجامعات وقطاع التعليم وحتى عند السياسيين
أما التجربة الجماعية الأكثر جدية في تاريخ دول المغرب العربي المعاصر فهي التي بدأت مع سلسلة اجتماعات لقادة هذه الدول، أهمها اجتماع مدينة مراكش المغربية الذي انعقد في 17 فبراير 1989 وتبنى معاهدة المغرب العربي. وأنشأ رؤساء دول الغرب العربي في شهر يناير 1990 الأمانة الدائمة للاتحاد، بالإضافة إلى أكاديمية العلوم وجامعة مغاربية في شهر يوليو 1990 كما أنشأوا مصرف استثمار وتجارة خارجية في شهر مارس (آذار) 1991.
في هذه الفترة انتعش اتحاد المغرب العربي قليلا، لكن سرعان ما تدهورت أوضاعه لعدة أسباب.
فليبيا، استاءت من عدم تضامن دول المغرب العربي معها في مواجهة الحصار الدولي الذي تعرضت إليه بسبب قضية لوكربي.. الرؤية الليبية نحو تطور الأحداث المتوسطية ترتبط عندها، بتأزم الأوضاع في بعض المناطق الساخنة والتي تنعكس سلباً في تطوير آفاق التعاون، وعلى رأسها قضية فلسطين وتعنت الكيان الصهيوني ورفضه لكل القرارات والحلول التي تطرح لحل هذه الأزمة حتى في ظل المشاريع الأوربية. من المسائل التي تطرح لإعادة السياق التاريخي في العلاقات السلمية بين ضفتي البحر ضرورة التخلص من الأساطيل الغربية التي تتخذ من البحر المتوسط قاعدة لتهديد من تصنفهم مارقين وأعداء لهم.
أما علاقة المغرب والجزائر فقد وصلت إلى شبه قطيعة. وذلك نتيجة لتحرك الجماعات الإسلامية المسلحة في كلا الدولتين، وتم فرض التأشيرة على الرعايا الجزائريين وردت الجزائر الفعل بأن أغلقت حدودها رسميا مع المغرب حتى اليوم. أما مشكلة الصحراء الغربية ينبغي إخراجها من هذه دائرة أجندة الدول المجاورة، فالمشروع المغربي مطروح منذ خمسة عقود وقبل أزمة الصحراء الغربية. وينبغي الحرص على التدخل في مسألة الصحراء بما يخدم شعوب المنطقة وفصل المسألة تماماً عن مشروع الإتحاد المغاربي.
في هذه الفترة، استخدم تعبير تجميد اتحاد دول المغرب العربي. وبدا كأن الاتحاد قد انتهى كلية وتلاشى نصا وواقعا. بل حل الصراع بدل الاتحاد.
وعاد بعض الأمل لهذا الاتحاد بعد اجتماع لجنة المتابعة في الجزائر يومي 17 و18 مايو أيار 1999. وذلك بغاية إنعاشه من جديد بعدما أوشك على الوفاة الطبيعية. كما التقى وزراء خارجية بلدان المغرب العربي في 19 و20 مارس (آذار) 2001 من أجل التحضير للقاء قمة. غير أنه فشل في ذلك سنة 2001، فتكررت المحاولة في يومي 16 و17 يناير 2002 ليحصل أخيرا اتفاق على اجتماع قادة دول المغرب العربي يومي 21 و22 حزيران 2002 لكن هذا الاتفاق لم يدم طويلا حيث أعلن عن تأجيل القمة لأجل غير محدد.
متى ستنعقد هذه القمة؟ الإجابة تقول عندما تتوفر شروط نجاحها وحتى تنجح هذه القمة السابعة وتعيد الأمل إلى سكان المغرب العربي، وجب الاهتمام أكثر بالجانب الاقتصادي أولا ثم الجانب الثقافي العلمي ثانيا وأخيرا يتدخل السياسي في حدود لا تعرقل الإنجازات الاقتصادية والثقافية والعلمية لأبناء هذه المنطقة.
إن بناء اتحاد المغرب العربي أصبح أمراً حتمياً لتعميق وتعزيز الشعور الواحد، حتى يصبح الحلم والجهد الذي بناه الأجداد زمن مقاومة الاستعمار حقيقة وفق المعطيات الجديدة في منطقة حوض المتوسط الضفة الأوربية المقابلة. وان تأسيس علاقات ندية يعد غاية في الأهمية لضمان أمن المنطقة بأسرها من أجل تبادل المنفعة المشتركة بين شعوبها، وفي الجانب الآخر ينبغي أن تتشابك علاقات ومصالح المغرب العربي مشتركة مع الدول المجاورة لتقوية الاتحاد الأفريقي ليصبح قوياً قادراً على مواجهة كل التحديات والأزمات التي تقيم وزنا للدولة القطرية التي من المتوقع اختفائها من على خريطة العالم عاجلا أم آجلا شاءت أم أبت.
اعتبر رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية التي مقرها العاصمة البلجيكية بروكسل اعتبر إن حوار الثقافات هو احد الأهداف الجوهرية لقمة 5 + 5 ولقمة برشلونة التي سبقتها. وأضاف قائلا: «إن الثقافة ليست شأن المتخصصين فحسب ولا قضية الحكومات لوحدها إن الثقافة شأن الشعوب. وهذا يعني أن الثقافة يجب أن تصبح احد المحاور المركزية لسياسة الجوار والبعد الإنساني لهذه الإستراتيجية الجديدة، الشيء الذي يفرض علينا العمل إذن على تعزيز الحوار بين الثقافات، حوار يكون مفتوحا أمام كل الأوساط الثقافية وأمام المجتمع المدني والشباب والجامعات، ووسائل الأعلام، ليست فقط أمام الخبراء والمؤسسات الرسمية. كما يتعين علينا إعطاء الكلمة للشعوب، وعدم خلق قطيعة بين الحكومات والشعوب وعلى دعم التقارب الذي ندعو إليه».
وفي الختام وهنا لا أتحدث ولا أشك في الرغبة السياسية والجهود التي تبذل من طرف السياسة الليبية الرسمية في تفعيل اتحاد المغرب العربي. ولكن القلق الذي يحتاج إلى إجابة هل الباحثون والكتاب والمثقفون والإعلاميون الليبيون يواكبون هذا التحرك الذي نشهده في دول المغرب العربي في الجامعات والمؤسسات رغم كل السلبيات والعراقيل السياسية من قبل الأنظمة. أم أن المسألة لا تعنينا؟
 
 المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010