|
|
|  |
|
الصفحة الرئيسية /
شعبة الخرائط التاريخية / مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها ( الحلقة الثالثة)
|
|
مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها ( الحلقة الثالثة)
طرابلس في نصوص عربية وأوربية
التاريخ 11- 6 -2009
 757 مشاهدات
إعداد
د . عماد الدين غانم . د . محمد على الأعور
نجمية الصادق التليسي
الرحالة هنري ميهيى دى ماثيسيو :
ان ماثيسيو من الرحاليين التاخرين الذين وفدوا الى ليبيا بمهمة رسمية في اطار الاهتمام الرسمى الفرنسي فقد اوفده وزير التعليم ىالفرنسي الى ليبيا لدراسة الاوضاع عن ليبيا وكانت المدة الاولى في سنة 1901 والمرة الثانية 1903 وفي الحالتين قدم تقارير عن مشاهداته واتصالاته وارائه بخصوص الاوضاع العامة ومواقع الاماكن الاثرية وقام بعده بتاليف كتاب بعنوان " عبر طرابلس الغرب " يركز فيه على المناطق التى زارها وخاصة المراكز الساحلية والجبلية في منطقة طرابلس وزود كتابه باعداد من الصور الهامة . ونورد فيما يلى مختاراته من وصفه لمدينة طرابلس . ونـورد اولاً وصفه السوق المدينة " الطرق في الحي التجاري محمية من اشعة الشمس بواسطة الواح خشبية تربط طرفاً الى اخر ويتخلل الضوء هذا الظل الخفيف من خلال الفراغات بين الالواح ويرسم كل انواع الاشكال الغريبة وعندما تسقط حزم من الضوء على قماش ذي الوان صارخة ، او على شئ من المعدن المصقول فانه ينفجر بتوهجات تعمى الابصار تصطف اعداد لا تحصى من المتاجر المتلاصقة والمتشابهة كتجاويف خلية نحل . وهي مظلمة لدرجة يصعب مهعا تميز المؤخرة . على المداخل ، يجلس البائعون عرباً ويهوداً وتركاً القرقصاء لايتحركون كما لوكانوا مثبتين اللا الارض وينفصلون بالاهتزاز قليلاً عندما ياتى المشترون من البربر والزنزج .
البائعون بالتجرئة للبسط الطرابلسية والبرانيس الفزانية والشاشيات العثمانية والطرائف السودانية ، والبقالون الدين يبيعون السجائر بشكل خاص ، والسمكريون الدين يبيعون كذلك الاركبة ، تاجرو الاسلحة الذين يوفرون بنادق قديمة بالحجر لرعاة الصحراء ، وتجار الحبوب الذين تملا لديهم ربات البيوت المحجبات قفافهن بالشعير والذرة : كل هذا التجمع من صغار التجار لايصرف بسهولة سلعة لان الزبون يمر ويعاود المرور مرات قبل ان يتخذ قراره بالشراء ... يحتوى كل دكان على القليل جدا من الاشياء ، وقد لاحظت ان منها مالا يحتوى على شئ تقريبا . ان طرابلس التى اكتسبت في الماضي شهرة انها متجر وسط افريقيا تفقد بشكل متواصل من اهميتها التجارية لان ندرة القوافل السودانية تزداد ولان الجفاف افقر مزارعى الولاية اكثر فاكثر لا تحتوي الاسواق الا على سلع دون قيمة تذكر . لقد اصبحت الحزم الثرية من العاج وريش النعام التى تاتى بها القوافل تزدرى هذه الاكواخ الداعية للرثاء وتتجه مباشرة الى محلات التجار الاوربيين في انتظار شحنها الى باريس بالرغم من ذلك الدين فالملابس المحلية في تونس اكثر فخامة منها في طرابلس فانها لاتمتلك التنوع المدهش للملابس في الشوارع الطرابلسية التى شبهت بحق بمتحف انتروبولوجى . وعلى بوابة الباشا على طول الازقة المخصصة للصناعات التقليدية . وتجد نشاطاً كبيراً بين هذا الجمهور من الفخاريين والحدادين والمطرزين والحائين والخياطين . وكما توجد بالقرب من البوابة العديد من المطاعم والمقاهى ، وفي المدينة مساجد مثل مسجد قرجى والناقة وغيرهم من المساجد على النظر اليها من الخارج لان دخولها ممنوع بشكل مطلق ولا يثير الاستغراب مثل هذا المنع في هذا الاقليم حيث التعصب الاسلامي اكثر حدة منه في أي مكان اخر ، فالمساجد مقفلة امـام الاجانب حتى فـي مـدينة تونس ووحدهـا مساجد القيروان دون غيرها مفتوحة [ للاخرين > . وانها المدينة المقدسة بحق ، لكن مساجدها استبيحت من قواتنا اثناء الغزو ، وعندما يستباح الجامع مرة يفقد طابعه الربانى . مع هذا يوجد في طرابلس مسجد استبيح لغير علم المؤمنين من قبل شابتين انجليزيتين وهو جامع الباشا اجمل مؤسسة دينية في طرابلس دون نقاش وهو كنيسة اسبانية قديمة حولها القرمانليون اولاً الى مقبرة وقد توجد في هذا المسجد ابواباً خشبية منحوتة في غاية الروعة وشعرية غريبة .
وفي الحقيقة لا تستحق الاسوار الممتدة في البحر التسمية بالرصيف لانها لاتشبهه في شئ شكلاً ، ولاتؤدي مهمته ، وانما سميتها هكذا لانها تحتل الموقع حيث يتطلب الحد الادنى من التقدم بناء ارصفة للركوب او الشحن . كما في زمن القراصنة الاوائل لهذه الاسوار العريضة جدا التى تهيمن على الماء بعمق عشرة امتار ، متارين عالية لدرجة لايمكن معها رؤية المرسى من الزقاق الضيق على الحافة وبالكاد يتجاوز الطابق الوحيد للمنازل الواقعة في واد على الجانب الاخر لهذا الممر . خط الذري غير المتناسب . لايعطى هذه التحصينات أي اعتبار للخط المستقيم وتجهل تكومها الساذج اقل المتطلبات الضرورية للدفاع العسكري وهي تنسجم مع الطابع الاقتصادى لطرابلس .
وللخروج من الحصار الحزين للاسوار التى تخنق المساكن الصغيرة الشديدة التكدس في المدينة ، تستعمل في اغلب الاحيان بوابة الباشا في اسفل القلعة لانها تؤدي الى الاحياء الجديدة حيث الاسواق والمعسكرات والحديقة العامة . قبل خطوات من هذه القبة المعمورة بكثرة . يقوم برج الساعة التى تٌبين الساعة على الطريقة التركية أي من ساعة الى 24 ساعة بداية من الفجر . لايتميز هذا الصرح المربع الزوايا بشى الا بالتصرفات السفيهة التى ادين بها والٍ سابق لبنائه ، فقد دفع السكان المحليون اربـع مرات قيمة البـرج قبل رؤيته يرتفع [ الحنفية > العامة ، على الطرف الاخر للخروج ، عبارة عن مكعب ضخم يخرج منه قليل من الماء ، ولكن مهما كان سيلانه ضعيفاً فيميزه انه الماء الجارى الوحيد في طرابلس : في كل الاماكن الاخرى تمثل الخزانات القديمة مصدر المياه . ومع ذلك يغفر لهذا البناء قليلاً ثقله بسبب اعمدته الصغيرة في الزوايا وافزيزه المفرغ الذي لا يحلو من لطافه .
تغطى ساحة الرمل الضخمة التى يغسلها البحر على جانب بينما تداعب الجوانب الاخرى اول اغصان اشجار المنشية محلات الحرفيين في الجزء الاقرب الى المدينة .تتجمع ورش السروج والسلاح ، وتجهيز الجلود المذبوغة ،ونسيج الحلفا .
ولقوس النصر الرومانى الشهير الذي يشكل البقايا الوحيدة من العصور القديمة في طرابلس . في ذلك الاوان كانت الشمس الغاربة تـذهب القلعة الدائرية المنخفضة التى تحمل " المنارة الفرنسية " لتسميتها بهذا الاسم وقوس النصر المشار الية نصب رائع جعل منه السكان المحليون ملهى . وانه يبدو عظيما جدا بالرغم من ان نصفه مطمور في الارض . ان ثلاثة من الاقواس الاربعة لهذا البناء المربع مسدودة ، ولا يمكن رؤية الا الواجهة التى بقيت مفتوحة لان المتاجر تضيق الخناق على الواجهات الاخرى بقربها الشديد منها . لا يمكن العثور على قوس نصر مكون من قطع من الرخام بهذه الضخامة حتى في روما نفسها .يثار التساؤل من اين جاءت مثل هذه المواد ، خاصة وانه لا يعرف أي محجر لهذا النوع من الحجر بعيداً في كل الاتجاهات حول طرابلس . وتزداد الدهشة عند التحقق من أي هذه القطع ليست مثبتة واحداها الى الاخرى باي اسمنت . تكفي مسامير من الحديد غير المرئ لتثبيت هذا البناء العريق بشدة . لقد شيد هذا القوس على شرف الاباطرة مارك ـ اوريل وفيروس كما توضح ذلك كتابة الاحرف الاولى من الاسماء وكانت الاشكال وزخارف بشكل اكاليل وشعارات باسلحة نال منها الزمن لسوء الحظ وجعلها فظة خشنة . في الداخل مزين برسومات بارزة رائعة . ولان علماء الاثار من العالم المتدين غير مصرح لهم بالتنقيب في هذا المكان ، فمن محاسن الصدف ان بقى النصف الاسفل من هذا النصب محمياً مؤقتاً بالتراب . بالاضافة الى الجيش ، يجب اضافة الشرطة والزابطية الذين يلعبون دور الدرك ولكنهم لاينتمون الى الجيش . حيث يخشى المواطنون كثيراً هؤلاء الدرك ويطيعونهم قسراً . كما في كل افريقيا الشمالية ، ينقسم العرب في طرابلس الغرب الى اقوام مستقرين وقبائل رحل انهم هؤلاء الرعاة الرحل الذين قضوا على الغابات لتحويل الاراضي الى مراعِ . وفي ذلك الوقت ، كان الرجال مدعاة للشفقة أكثر من الحيوانات في طرابلس لان الرق كان فيها بأبشع صورة .
اما المرسى يكاد محاط بصخور بحرية من الشمال وكان ملجاً سياً ، في بعض الايام لاتستطيع البواخر الاسبوعية الرسو وتضطر للعودة دون انزال المسافرين والبضائع هذا ما حدث لقنصل انجلترا واسرته عند عودته مـن عطلة [ لك ان تتصور كم هـو مبعث سرور ـ قالت لي زوجة الممثل الانجليزي ـ ان تلمح شرفات بيتك بعد ستة ايام من دوار البحر ، تم ترجع دون الوصول الى بيتك لتبدا اسبوعاً كاملاً من الضيق والمشقة > .
تسمى الواحات المتصلة في شكل نصف دائرة المحيطة بطرابلس " مثل عقد من الزمرد " وفقا لعبارة سعيدة قالها مؤلفون عديدون ، المنشية . ان كلمة " مشيه " نفسها مالطية وتعنى حدائق وتساوى التعبير العربي " سانية " وجمعها " سوانى " انها في الواقع حدائق مزروعة او غيضات ترويح يقوم بالاهتمام بها سكان الناحية . ان هذه المنطقة الخضراء المحيطة بمشارف المدينة الجرداء ، عبارة عن هلال عرضه اربع كيلومترات ، تتغير فيها مصاهر المواقع كثيراً . من بينها مواقع طرقها محدود بسياجات مرتفعة ومظللة باشجار جميلة تشبه رسماً مبدئياً لمفترق طرق وفي اماكن اخرى يمكن من فوق حواجز من الطين ومن التين الشوكي رؤية بسط رائعة من الخضر حيث تلقي نباتات النقل لوناً اخضر ـ رمادياً لماعاً لدرجة تبعث على الاعتقاد بانه اصطناعي وتنشر اشجار النخيل مظلاتها عالية تاركة مكاناً فسيحاً لاشجار الفاكهة الاخرى ويمكن احيانا تحت هذه الحماية الخيرية تمييزاً اشجار الليمون اللذيد واشجار البرتقال والرمان والمشمش والتين والزيتون والبرقوق والخروب والموز والزيزفون والتمر هندي .وعلى مستوى الارض تيتالى القطن مع حقول الشعير مع الذرة والبطيخ ويولد هذا تدرجاً ثلاثيا للنبات له منظر عام من اعجب مايكون ، خاصة في هذه الفترة ، حيث تكون المنشية في تمة جمالها وسحرها خلال شهري الطير ، والماء لقد ازدهرت اشجار التين في الشمال الافريقي واقراصها الشائكة محاطة بصف من الحبات الصفراء تجعلها تشبه الرصائع . وتوجد سواري ضخمة بيضاء تنتصب عموديا كل اثنتين على حدة . انها ركائز الابار تصدر بكراتها غير المشحمة ضجة مزعجة صوت وهي ترفع ولاء من الجلد الماء من الطبقة المائية تحت الارض وتوزعة على السواقي في كل دقيقة . ويقوم ثور صغير او حمار بجدب الحبل متبعداً عن مثاب البئر وفق سطح مائل يقلل الجهد المبذول من الحيوان .
وعند نهاية الساحة الخارجية بين الشاطئ والمعسكر التركي توجد حديقة عامة التى اقيمت بشكل مصطنع في الرمال . ويعود الفضل في انشاء هذه الحديقة الصغيرة العامة المتواضعة الى فؤوس الجنود ومرشاتهم ، ووضعها المشير مجاناً تحت تصرف المنتزهين وهي تمتلى ايام الاحد بالمالطين الذين ينفقون مايقصدونه على استجار عربة للوصول اليها . وفي مدخل الحديقة ، يحيط الجنود باثنين من زملائهم يتصارعان بالايدى فوق الرمال ويوجه الضباط من اعلى مقصورتهم الانيقة هذا المرح ويشجعون الهواة الذين يحتل كل زوج منهم ميدان المصارعة عندما يأتى دوره .
استمرت اعمال التهريب الاسلحة لاصحاب القوافل بالسلاح والبارود من اجل الافلات من التريتبات التركية يشتري مهربو الداخل بنادق فعاله وذخائر من تجار السلاح السريين وتباع السلع الممنوعة باسعار عالية جدا وغالبا ما تكلف بندقية بسيطة من نوع ومنجتون ، العربي 500 فرنك .واستمر اعمال التهريب في الازدهار وتستمر الزابطية في متابعتها . ان حيازة اقل قارب تكفى لجعل التهريب مستحيلا ولكن طرابلس بلد عثمانى حيث العادات جامدة وحيث بذل الجهد مجهول عليه ،ولايبذل أي جهد لاعاقة تجارة التهريب وتوقيف المهربين .
اصبحت طرابلس خلال القرن الماضي نقطة اتصال التجارية بين بلدان حوض تشاد والصناعات الاوربية بفضل جهود سكان غات وغدامس ذوي الطبيعة المبادرة ولكن حركة التبادل بالقوافل عبر الصحراء تتناقص بشدة منذ بعض الوقت . حيث حدث التباطؤ في هذه الحركة التى كانت ضخمة في الماضى فجاة تقريباً . ويجب تحميل المسؤولية بشكل اساسى على المغامر رباح . الذي تسبب بتخريبه كردفان ودارفور والوداي والبيقرمى في افلاس عدد من كبار اصحاب القوافل . وربما هزت الموانئ الجديدة التى فتحها الفرنسيون والانجليز والالمان في السودان على الاطلسى ثقة الطرابلسيون في احتكارهم . واحد اسباب الثانوية ، ولكن المؤكدة ، لنقص حركة التبادل بين الاسرات يتمثل في فقد ريش النعام البري الذي كان ياتي به التجار من كوكا وسوكوتو وابشة والفاشر اذ يفضل عليه حاليا ريش النعام المربي في راس الرجاء الصالح . وتتكون القافلة من ثلاثين جملاً تقريباً ومن عدد مساو تقريبا من السائقين ومن بعض المسافرين المستقلين الذين يضعون انفسهم تحت حماية القافلة ولاتتجاوز حمولة حيوان النقل 120 كيلو جرام ويختص المصرفيون الموصون لتجار الصحراء المسافرين بنصف الأرباح . يحمل هؤلاء السائقون اقمشة قطنية انجليزية ونسيج الكتان والحرير والسكر والشاي ومجوهرات من المرجان وعطوراً يحضرون معهم إلى الساحل وريش النعام والعاج والجلود المذبوغة . لا يوجد من بين بيوت التوصية في طرابلس ، بيت موص واحد تحت إدارة فرنسي ، ويقتصر العلاقات التجارية لبعض الإنجليز والإيطاليين الذين يزاولون نشاطهم التجاري فيما على استيراد صغير جداً لسلع أوربية في الميناء أنهم الأتراك والعرب واليهود الذين يمسكون بكل التجارة عبر الصحراء . تدفع السلع جمارك مقدارها 8 % من القيمة للدخول و1 % عند الخروج . وتعتمد القوة الشرائية للطرابلسين بالكامل على محصول الشعير ، وهذا السبب وراء الانخفاض الكبير لحركة الأعمال منذ بعض سنوات تناسبياً مع فترات الجفاف المتعاقبة . ومع هذا فقد زاد المستوردون الإيطاليون حصتهم منذ أربع أو خمس سنوات ، واحتلو المرتبة الأولى فيما يخص بعض السلع . هكذا بعض تلخيصات والتقلبات التجارية منذ 1870 : من 1870 إلى 1885 فترة من الازدهار النسبي بأرباح تتراوح بين 30% و40% ومن سنة 1885 م إلى 1890 هبوط ملحوظ بسبب انخفاض قيمة ريش النعام في سنة 1890 ارتفاع مؤقت للحركة التجارية بشكل عام . منذ 1891 م انخفاض جديد يعود بشكل خاص إلى تدهور التجارة عبر الصحراوية [ عمليات السلب التي قام بها المغامر رباح > . حيث يصل المتوسط الحالي السنوي لحجم التجارة عشر ملايين للصادرات منها 3.5 مليون لفرنسا ، وعشر ملايين للواردات منها 2 مليون للسلع الفرنسية لم تكن الحلفا التي صارت سلعة التصدير الرئيسية ، مستعملة من قبل السكان المحليين حتى السنوات الأخيرة إلا في تغذية الحيوانات خلال فترات الجفاف أو لصناعة الحصر . لقد احتكرت المصانع الإنجليزية هذا النبات لصناعة الورق : فمن طرابلس وزليتن والخمس تُبعث إلى بريطانيا العظمى أكداس من الحزم المضغوطة تصل قيمتها تقريباً إلى ثلاثة ملايين . تأتي بعد ذلك الأصواف والجلود التي تصدر إلى ايطاليا ومرسيليا وريش النعام الذي يوجه كله إلى فرنسا ينقسم إلى مجموعتين مختلفتين تمام الاختلاف في القيمة والمظهر : النوع الذكر [ ابيض أو اسود > وينقسم هذا النوعان إلى أنواع فرعية عديدة : فرنسا الأولى ، فرنسا الثانية ، وذيل السقط ، الزهرة السوداء الثانية ، والباجوكو واللسين وغيرها .
يصطاد الإسفنج على كل الشاطئ من تونس حتى برقة والإسفنج الذي يجئ بالشباك أحسن من الإسفنج الغواصين .
ومن بين الصادرات أيضاً الحبوب ( الشعير ) والحناء والبيض واللوز والعاج والبرتقال وملح والنطرون ، إما الواردات فالأقمشة القطنية الإنجليزية تحتل المرتبة الأولى . يأتي بعدها الدقيق والسميد وتتركز ايطاليا على هذه السلعة كل جهودها بشكل خاص وقد نجحت في ذلك بفضل أسعارها الضئيلة على حساب النوعية . مازال السكر يحتل في الواردات موقعاً مهما بالرغم من حركة التهريب الضخمة التي تمارس من الجزائر والصحراء . كما يمثل الشاي ، الذي يحل شيئا فشيئاً محل القهوة باقي الواردات مع الحرير والعقاقير والأرز والمصنوعات الزجاجية والقياطين والقرطاسية وغيرها أجمالاً ، تتلخص تجارة طرابلس الغرب في حركة متناهية الصغر ويبدو أنها في الطريق لانخفاض مستمر . هناك مجال للبحث عما إذا كان يمكن تحسين هذا الوضع ببعض الإجراءات وعما إذا لم يكن في الامكان تحويل التجارة الصحراوية لصالحنا في اتجاه قابس .
ويزدحم السوق الخارجي كل يوم ثلاثاء ، عندما ما تدخل السفينة الفرنسية الميناء ويقلب هذا الحدث الأسبوعي المدينة رأساً على عقب إذ تؤمن القنصليات الفرنسية والإيطالية خدمة البريد الأوربية ، حيث تأتي سفن البلدين بأكياس من الرسائل ويوزع البريد في أفنية مقرات القنصليين تحت إشراف الموظفين . ويأتي الأجانب والعرب إلى هذه المقارات لاستلام مراسلاتهم .
وتنقسم حزم البضائع ، في السوق المتنقلة إلى أجزاء وفقاً لتخصصها فبالقرب من الحنفية العامة تشكل دكاكين الحلاقين الصغيرة ، وسلال بائعي الخضار الزنوج أول التجمعات التي تقابل عند الخروج من المدينة . إن الخنزارات في مزارعنا تشكل مناجم عطور إذا ما قورنت بحوانيت الحلاقين الطرابلسيين .أما عن السود بائعي البصل والجزر فان اغلب تجارتهم يمكن أن تشترى بحفنه من الفلوس ابعد قليلا من هناك تمثل أكياس الشعير راس مال حقيقي : انه المادة الأولية في كل طعام ، إذ يضع منه الدقيق والسميد والمحمصة واغلب مكونات المطبخ المحلى . ويعد منه الخبازون خبزاً بالزعفران ثقيلاً ولزجا يعرضونه على منصات بالقرب من أكوام الحبوب . ويقوم صناع الشاشيات في الهواء الطلق أمام محالهم التي لها شكل قبعة الشرطي بصناعة غطاء الرأس الأحمر للاتراك والعرب . في أخر الساحة قريباً من الثكنات تقوم طواحين الحلفا بتكديسها في شكل قباب خضراء على الرمل .
الرحالة إفالد بانزة 1883- 1953م
ولد إفالد بانزة في 1883 في مدينة براونشفايغ وما أنهى دراسته الجامعية حتى توجه مع زوجته ووضع مخططاً لسلسلة من الرحلات في المنطقة الإسلامية وكانت أول مخطط له مدينة طرابلس التي وصلها عن طريق مالطا في أواخر 1906 ومكث في طرابلس للتخطيط لرحلة تحمله من طرابلس إلى فزان وبرقة وأن يضع لها خرائط وكان ينوى أن يستغرق هذه الرحلة شهوراً وقام بإعداد نفسه لهذه الرحلة أنه لم يحصل على إذن من الحكومة العثمانية للقيام بها فانصب معظم نشاطه على دراسة طرابلس وضواحيها إذا قضى أثناء زيارته الأولى أكثر من عام في المدينة والمنشية .
أما زيارته الثانية فكانت 1909 بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد عاد بانزه إلى طرابلس لكي يعيش فيها عدة سنوات يزور خلالها الكفرة إلا أن المرض حال دون ذلك وبعد تعافيه من المرض وضع كتاب طرابلس ونشره في 1912 ونشر عنها مقالة في 1917 بعنوان " طرابلس الجديدة تماماً " يبين فيها أنه قد زار طرابلس للمرة الثالثة 1914 وقدم لنا دراسة عن طرابلس الجديدة ومعلومات هامة عن وضع المدينة تحت الاحتلال الإيطالي وقام بزيارة منطقة البطنان وقدم مقارنة بين الجفارة والبطنان في دراسته عن دواخل طرابلس التي وضعها لوصف رحلته إلى غريان .
كما كان لبانزة عدة مقالات التي تناولت دراسة عن ليبيا طرابلس الشمال الأفريقي ومنشيتها ، طبيعة منطقة طرابلس ، فزان ومستقبلها ، المستوى الحالي للأبحاث حول الصحراء الليبية وتبسني المسطح الصحراوي الليبي والبطنان ، مدينة طرابلس الجديدة تماماً في دواخل طرابلس ، محاضرة عن منطقة طرابلس وسكانها .
أما عن كتاب طرابلس مطلع القرن العشرين الذي نورد منه العديد من الفقرات يعتبر وثيقة مهمة في تاريخ مدينة طرابلس الاجتماعي والاقتصادي في العقد الأول من القرن العشرين وصف فيه المدينة وصفاً دقيقاً وحرص أن يقدمها كمدينة عربية إسلامية لم تخضع كثيراً للمؤامرات الأوروبية ، لأنه كان يرى أن هذه الصورة ستتغير جذرياً .
كما وقف بانزة أيضا عند العادات والتقاليد والحرف وجميع ما يعرف بالمدينة وإضافة إلى ذلك مجموعة من الصور والرسوم التخطيطية ونختار من كتابه المكرس لمدينة طرابلس مجموعة من المواضيع التي تتناول طبوغرافية المدينة وعمرانها إضافة إلى قضايا أخرى يتميز بها ويبدأ بوصف المدينة عندما وصلها بحراً .
" من بعيد يبرز من خلال أشعة الشمس الوردية شاطئ منخفض ذو جدران بنية مائلة إلى الحمرة تعلوها غابة خضراء من النخيل تبرز منها بيوت بيضاء وأعمدة السواني وفي نهاية الشريط تظهر أبنية مكبس الحلفاء الرمادية اللون وضاحية الظهرة متعددة الألوان ، وهي هضبة تقع في سفحها أشجار الحديقة العامة السقيمة والثكنة الصفراء هنا تبدأ مدينة طرابلس القديمة . أن المدينة الشرقية الجنوبية تختلف عن المدينة الشرقية الشمالية أكثر من اختلاف المدينة الأوروبية الجنوبية عن المدينة في وسط أوروبا . ففي الشمال أسطحه من الآجر الأحمر وبساتين خضراء وهضاب أما في الجنوب فالأرض جرداء وتتناثر هنا وهناك أشجار نخيل وأسطحه بيضاء مستوية .
وصف بانزة المدينة وصفا دقيقا إضافة إلى انشغاله بتعلم اللغة العربية فقام بإعداد مخطط المدينة ولما لم يكن مثل ذلك المخطط متوفرا وقتذاك فقد أراد بد دراسته لتحقيق ذلك وتتبع تخطيط المدينة الجديدة بالمدينة القديمة وكذلك سوق الثلاثاء وضاحية الظهرة وكذلك شارع الشط والمنشية .
إن وضع مخطط لها ، لا يريد أن ينسجم تماماً مع الصورة الخارجية المعلقة للمدينة القديمة ولا مع صورتها الداخلية ، فالمدينة الجديدة تتوجه على شكل مسماري نحو المدينة القديمة وبذلك فإن طابع المدينة خارج سور يختلف اختلافا هائلا عنه داخل السور فهنا خارج السور توجد شوارع عريضة يسرى الغبار فيها عبر صفوف بيوتها التي تلفحها الشمس الوهاجة وهنا أيضا تبحث دون جدوى عن ظل لطيف وقوس ظريف وزوايا . إن البيوت الكبيرة تفتح كثيرا من الأبواب والنوافذ على الشارع.
* سوق الترك : عبر قوس منخفض ، نجد حجرات منخفضة صفراء مثل الخشب حيث يقوم خياطون يهود بتفصيل السراويل والفرامل والسترات ويطرزون الفرملة بخيوط فضية تطريزاً كثيفاً والى جانبهم يدق الاسكافيون الجلد على سندان رشيق كي تلين ، وقد علقت على الجدران دزينات من الأحذية الجلدية التي يطوى كعبها عادة على النعل ولذلك فإن هذا الجزء يعلو عن لطرف الخلفي وعلى اليمين ويسار سوق الترك دكاكين { يسمى واحدها مخزنا} طابعها ليس شرقيا تماما وقد وضعت أمامها أكياس مفتوحة من الأعلى وهي مليئة بالبازلياء والرز والدقيق والبرغل والبندق والجوز واللوز إلى جانب ذلك النحاسون الأرمن في سوق النحاس حيث ترى الصناع الملطخين بالسواد وشبه العراة وكير النفخ الذي يقوم عليه ومنظر الجمر المتقد والسندان الضخم والمطرقة الحديدية الصدقة ، وفي هذه السوق تنبض الحياة التجارية في طرابلس ممتازة بأقصى نشاطها إنها ذات طابع شرقي أصيل إلى حد بعيد . أن معظم البيوت في السوق كانت على مستوى الأرض ، وهى مكونة من دكاكين تنفتح على الشارع ومن فنادق في الجهة الداخلية ، أي إنها تمثل مأوى البضائع والمسافرين . أما الزقاق فمسقوف بألواح تتوسطها فتحة يبلغ عرضها أكثر من متر تعرش عليها أغصان العنب المورقة وتتدلى منها في الصيف عناقيد العنب وإن السقف الذي يصد لهب أشعة الشمس العمودية يساعد على تبريد نسبي للجو وينشر ظلا كثيفا محبباً للنفس ويشعر بالراحة التامة من يدخل إلى الشارع المسقوف قادماً من طريق عريض مكشوف تتعرض أرضه وجدرانه إلى أحزمة الضوء وأشعة الشمس التي تزيد وطأة الحرارة على الإنسان ، وفي سوق الترك الظليل يتحرر المرء من هجمات أشعة الشمس ومن تحرشات سولاس أيضا ويستطيع أن يجلس بطمأنينة في المقاهي الواقعة في طريق الباب ويتأمل منه تيار الناس الجذاب الذي يتدفق أمام ناظريه .
أمام المدخل الملون لجامع قرجى ومئذنته العالية { هي الوحيدة في طرابلس التي تحمل طابقين } ينعطف الطريق يميناً إلى زقاق ضيق يستمر حتى السور الغربي للمدينة وفي مقدمته يبدأ حي اليهود { الحارة } ونلاحظ إن بعد ظهر الجمعة (مساء اليوم السابق ليوم السبت من اليوم السابع من الساعة السادسة وحتى السادسة من بعد ظهر السبت) لا يلمس اليهودي النار ولا النقود وجميع دكاكينهم مغلقة ولهذا خرج الجميع إلى الشارع فإن الحياة في هذه اللحظة في الحارة بالغة التنوع والحركة وهذا لا يحدث إلا يوم السبت .
وإن سوق الحارة زقاق ضيق جدا ويمتد من الباب الجديد في خط مستقيم باتجاه الميناء إن حانات خمر النخيل { اللاقبي} وإن الزبائن من المسلمين يجلسون في هذه الحجرات الوسخة في غرب المدينة في حين أنه في الجزء الشرقي تتلاحق دكاكين القماش اليهودية الواحد بالأخر إلى أن تعترضها عبارة مسقوفة تؤدي إلى تقاطع طرق في زوايا البيوت بقايا أعمدة قديمة أدرجت فيها وتبعاً لذلك يدعى الشارع الذي يؤدي إلى الجنوب الشرقي شارع الأربع عرصات . إن سوق الحارة يفصل الحارة الكبيرة من النصف الجنوبي من المدينة حيث يسكن في الغالب المسلمون . وحول الباب الجديد يسكن يهود في الحارة الصغيرة وهي تقع إلى الجنوب قليلاً.
كما يوجد ميدان مكشوف تتفرع منه عدة شوارع ويدعى هذا الميدان سوق الخبزة تسوده في كل وقت حركة بسيطة عند الحائط الشرقي بجوار المقبرة يجلس تحت أشعة الشمس القائظه ظهرا وعصراً شحاذون يرتدون الخرق . وكما ينشر بعض باعة الأسلحة سلعهم وحتى 1906 أو 1907 كان المدخل إلى المدينة هو باب المنشية وقد أزيل الآن لكونه ضيقاً ويعيق حركة المرور إلا أنه كان مزخرفا وأمامه إلى اليسار كانت ثمة طاولات لمجموعة من الباعة الذين يتاجرون بالرصاص والخردة والمسامير والبارود وحيث يباع سرا وكانوا يطلقون عليه اسم { كسكسى } تحاشياً للفت الأنظار . بينما يبيع الآخرون وهم في الغالب من بلاد السودان الغربي جميع أنواع العطور وزيت الورد المقلد والخيوط والإبر وما شابه من ذلك .
أما عن الدكاكين المجاورة تعرض سلع مجدولة من أوراق النخيل جدلاً ردئيا يجعلها سريعة البلي، كما تباع هنا الجرار الفخارية والشيت المطبع والبيارق الحمراء والصفراء التي توضع على المزارات والمحاريث الخشبية وميازيب فخارية توضع على سطوح البيوت بحيث يجرى فيها ماء المطر من السطح عبر الجدران إلى الصهريج وتباع أيضا سلع أخرى مخصصة لاستهلاك سكان القرى والبدو .
وعلى الجانب الغربي والجنوبي من سوق الخبرة تقوم بعض المقاهي المنخفضة التي يصطف بعضها بجانب بعض ويجلس فيها عرب وليبيون . والبيوت الواقعة جنوبي سور المدينة ليست أبنية سكنية بل فنادق وتكون الفندق من مربع جدرانه الخارجية عديمة النوافذ تماماً، بينما يتوسطه فناء واسع تحيط به غرف صغيرة تنفتح على جهة واحدة أو أكثر وفي هذه الفنادق تحط القوافل فيخصص الفناء للجمال والحمير والخيول لتبقى الغرف من نصيب المسافرين والبضائع وفنادق طرابلس تتألف من جدران مطلية باللون الأبيض وتخلو من جميع أنواع الزخرفة وليس من فنادق تقلل الزخرفة بعضاً من رتابتها إلا في المدينة القديمة وحدها وفي البداية كانت تسود بعض فنادق ذات جدران أربعة جرداء وتبعا لحاجة القوافل التي كانت تحط هنا فقد تنالي تشييد حجرات خشبية للناس الذين يقوم رزقهم على ما يحصلونه من القادمين من الدواخل . فقد بنيت الثكنة العسكرية ثم انسحب العديد من الضباط بعد بنائها إلى خارج المدينة القديمة وبعدئذ وجد كثيرون أن تحمل الصيف القائظ خارج السور أيسر مما هو عليه الحال في الأزقة الضيقة من المدينة القديمة .
وعلى هذا الأساس سرعان ما نشأت المدينة الجديدة في طرابلس حوالي نهاية القرن التاسع عشر { يقصد بذلك ما كان يطلق عليه وقتئذ المنشية } وتتكون المدينة الجديدة عن مجموعة شوارع طويلة ينطلق من سوق الخبزة إلى دواخل الواحة وهي ترتبط فيها بينها بعدد من الطرق الضيقة وكذلك فإن طابع المدينة خارج السور يختلف اختلافاً هائلاً عنه داخلا السور . فخارج السور توجد شوارع عريضة يسرى الغبار عبر صفوف بيوتها التي تلفحها الشمس الوهاجه ، أما البيوت فإنها تفتح كثيراً من الأبواب والنوافذ على الشارع ناسية بذلك حشمتها الشرقية المفرقة في القدم ليست المدينة الجديدة في الأصل مدينة تجارية ، توجد في شوارعها دكاكين تجتذب الناس للشراء بل هي في الدرجة الأولى مكان للناس الذين ينشدون أن يعيشوا حياة أهدأ وأمتع ، موضع للمخازن والفنادق . وفيما عدا ذلك فإنها تتخذ معبراً بين الدواخل والمدينة القديمة وعلى كل حال فإن هناك على مقربة من سوق الخبزة عدداً كافياً من الدكاكين التي تختلف في تصميمها عن الدكاكين داخل المدينة القديمة وقد أقيمت الفنادق هنا محاطة بمجموعات من الأعمدة تطل عليها حجرات مستطيلة جعل بعضها دكاكين وأكثرها ورشات . ففي المقدمة توجد حجرات الحدادين المسودة أمامها تقف خيول فلاحي الواحة والدرك وعلى الجانب الآخر من الشارع العريض تختبئ تحت الأعمدة المتسخة فتحات مظلمة لحجرات حدادي الأسلحة ( الأسطى) . وقرب نهاية الطرف الجنوبي للشارع تطل الواجهة الطويلة لمبنى مدرسة الفنون والصنائع. وفي الجانب الجنوبي الشرقي من المدينة الجديدة تظهر المدخنة الحديدية لمكبس الحلفا لكن على مسافة بعيدة فوقه يرتفع بناء المطحنة الإيطالية الضخم التي أنشئت عام 1909 وقد خيل لي في البداية أنها حصن وإن موقعها يطل على الثكنة .
سوق الثلاثاء ( التلات): يمكن مشاهدة سوق الثلاثاء من مبنى السراي على أفضل وجه إن شكله شبيه بمغرفة إنه يمتد ويفصل مياه حوض المرفأ الزرقاء في الأماكن العميقة والخضراء حيث الماء ضحل ، عن فنادق المدينة الجديدة البيضاء ، حيث يتدرب جنود المشاة العثمانيون ، ويبدو الفلاحون والبدو ودهشتهم .
أما عن الطرف الشمالي الضيق يمكن شراء بعض السلع الخضراء البسيطة مثل علف الحيوانات الشمس المشرقة تتحول تدريجيا فوق السطح الأصفر وما من أحد يرغب بالسير بعد ذلك فوق الرمل . فلنشاهد أولاً سوق المواشي ، على جدار الحديقة العامة يقوم سوق الخيل تبعا للعادة القديمة وهي تلوح بذيلها وعلى شاطئ البحر مقابل سوق الخيل يقع سوق الجمال وأمام رصيف الميناء حيث تشحن بالات الحلفا الصفراء والخضراء وإلى الغرب من سوق الخيل تمتد سوق الحمير ، أما باعة البيض فقد اتخذوا مكانهم على الطريق المؤدي إلى الثكنة ، حيث يعرض اليهود البيض في صناديق صغيرة معبأة بالحبوب ، بينما يجعله الفلاحون في صرر رخوة وهنا أيضا تباع الحصر بمختلف الأحجام وتسمى الكبيرة خطية والصغيره حصير ، كما تباع هنا الفراريج والحمام وأرانب مصر . وفي الخريف يعرض السمن في علب طويلة قليلة الارتفاع وغطاؤها من قماش يمكن ربطه وفكه بيسر . وفي وسط السوق تنتشر أكوام الخضار وأكشاك بيعها صفوفاً وتختلف أنواع هذه الخضار باختلاف الفصول والسلعة الوحيدة المتوفرة دائما هي الليمون { الليم القارص } والبصل والثوم والبقدونس و البطاطا والبطيخ الأحمر( الدلاع ) .على أن الأخير يطاف به في الشوارع محمولا على الحمير ويباع حين يكون للمشترى الحق في أن يشق { يرشم} الدلاعه للتأكد منها .
أما في فصل الشتاء تبدو الخضار صغيرة ولا تعود السوق الى حيوتها إلا في فصل الربيع بعد انقضاء موسم أمطار الشتاء حيث يختفي البرتقال يفسح المجال لبروز رؤوس القنبيط البيضاء وحزم السبانخ الخضراء والبازلاء والفاصوليا وغيرها من الخضار . أما غربي سوق الخضار تقوم هياكل دكاكين الجزارين المسلمين وفي الركن الجنوبي من سوق الثلاثاء واتخذت جماعة منفرة سيئة السمعة موضعا لها . وهناك جرار فخارية كبيرة ، وهناك جرار فخارية كبيرة على طاولات وصفائح مليئة بزيت الزيتون وتغلي زبدة الغنم في حلل كبيرة على نار فحم الخشب لكي تغدو سمناً . وخلف جدران من القماش ينفصل التجار بوجاهه عن عامة الشعب وقد اتخذوا الحولى الأبيض وسجاد جربة واليرنس المقصب بألوان بنية صفراء وعادة ما يرتدي في فصل الشتاء فقط ، وتوجد أقفاص من الدجاج المصنوعة من سعف النخيل ومناخل ذات إطار خشبي ، جذور نباتات طبية كما يجلس بعض الناس تحت خيمة صغيرة ( زريبة ) يتكون هيكلها من أغصان النخيل ويغطي ببعض الخزف أو خيش الأكياس .
في الطرف الشمالي الغربي من سوق الثلاثاء تباع حبال بنية وخضراء وصفراء مجدولة من الحلفا ، وجرار رمادية وحمراء يرشح الماء من مسامها فيصبح أبرد من حرارة الهواء وفيها خلا ذلك توجد طناجر من الفخار .
وقد استمر سوق الثلاثاء على النحو نفسه حتى الأسبوع الأخير من سبتمبر 1911 فقد كان يتوافد عليها من جميع نواحي البلاد فلاحون وبدو ويجيئون حاملين على الجمال ثمار نشاطهم وغالبا ما كانوا يستغرقون 3 أيام في الطريق ويمكثون يوماً كاملا في مدينة طرابلس العالمية يجلسون في المقاهي ويشربون ويدخنون ثم يسيرون أو يركبون لمدة ثلاث أيام أخرى عائدين إلي البيت لإعداد بضاعة جديدة ينطلقون بها إلى المدينة ثانية ، وهم في أغلب الأحيان لا يكسبون من هذه الرحلة التي تستغرق سبعة أيام أكثر من مارك واحد والآن أصبح الوضع مغايرا في سوق الثلاثاء .
إن البلاد أصبحت مغلقة والواحة مدمرة والقسم الأعظم من المواد الغذائية لا يأتي من البلاد بل من خارجها . في سوق الثلاثاء يصح صوت صفير القاطرات التي تسير حتى عين زاره وصفير جنود البرسالييري ذوى القبعات العريضة والقبضات الفاسية .
|
 |
|
|
|