Libyan Jihad Center for Historical Studies المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية
 
 

اعلان 

 

 الرئيسية

اتصل  بنا

  اليوم 10 - 9 -2010

أبحث في جوجل

 

أقسام المركز

 
الرواية المرئية
 
مختارات من مكتبة الصور
 
أرشيف الأخبار والمقالات
 
 
 
منشورات شعبة  النشر
Carousel Slideshow
الـبـحـث
ابحث حسب التاريخ
اليوم الشهر السنة


الفاتح - سبتمبر 2010
سبتاحداثنينثلاتاءاربعاءخميسجمعه
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
 
 
 

الصفحة الرئيسية / شعبة الخرائط التاريخية / مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها ( الحلقة الثانية)

 

مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها ( الحلقة الثانية)
طرابلس في نصوص عربية وأوربية
التاريخ 11- 6 -2009
Print View  815 مشاهدات
إعداد
د . عماد الدين غانم . د . محمد على الأعور
نجمية الصادق التليسي
يمر من هذه المنطقة عبر حومة غريان الطريق إلي البوابة الجنوبية وهي البوابة الوحيدة التي تقود الى داخل البلاد ،وهي التي تسمى الباب الجديد حيث أنها لم تبن إلا حديثاً . توجد الحارة أوحي اليهود إلي الغرب منه بشوارعها المتشابكة وصخبها وأوساخها وروائحها الكريهة وأشكالها المتماوجة ،بين سور الجنوبي الحي التعيس حيث المومسات وسوقهن الكاسد
يوجد إلي جوانب الحارة ذلك الجزء الإسلامي من المدينة حيث أتخذ المالطيون مسكناً لهم وأبرزوا طابعهم الخاص علي تلك المنطقة . ويعتبر هذا العنصر ممثلاً في جميع مدن طرابلس الغرب وتونس والجزائر الساحلية ، وله أعمق العلاقات الودية مع السكان المسلمين ويتكشف عن نشاط لا يعرف التعب وفطنة تجارية رائعة واقتصاد استثنائي ، من خلال نشاط هذا العنصر وتأقلمه فقد كان له أعظم الأثر بالنسبة لتطوير الحياة عموماً بهذه الأقاليم .


لقد كان المالطيون في طرابلس بأكملهم تقريباً من التجار، إن تنوع بضائعهم التي كانوا يتعاملون بها وصغر المساحة التي كان بمقدورهم تخزين سلعهم فيها ، أمر من الصعب تصديقه حقا ً. وتوجد لديهم الجعة البريطانية والنبيذ والتبغ التركي والسيجار الكريه ومناديل الجيب والأكواب والسراويل الجاهزة والقهوة والشاي والشمع والكبريت والقمصان والسكاكين والبرتقال، وتوفر كل شيء لدى هؤلاء الذين يمثلون مرحلة الانتقال من الأفارقة إلي الأوربيين إذا ما كان المالطيون أيضاً محط احتقار المسلمين إلا أنهم على الرغم من ذلك يتسامحون في وجودهم فيما بينهم ، وفي كل مكان من الأجزاء الغربية للشمال الإفريقي تسود النظرة العامة علي أن المالطيين عرب قد أفسدهم الدم المسيحي .
ويمتد الحي الإسلامي الفقير إلي الغرب من هذه المنطقة حتى يصل كومة بين الخرائب التي كانت قبل أقل من عشر سنوات ماضية حصناً حصيناً دمر جراء إنفجار بارود مرعب وهذا يكمل الدائرة حول المدينة الصغيرة بأكملها . فقد شيدت طرابلس على نحو محكم ، فلا توجد بها مساحات واسعة بدون مبان كما هو الحال بتونس حيث يوجد في الحقيقة أيضاً أزقة ضيقة عديدة ، وكانت الشوارع في أحيان كثيرة مزودة بأقواس تعلوها حتى توحد بين البيوت علي الجانبين . وتسمى الممرات الضيقة بالمدينة كما هو الحال في تونس بالزنقة ، أما الطريق الأكثر اتساعا فهو الشارع ،في حين تعرف الشوارع التجارية أيضا ً باسم السوق أي البازار.
إن المعلومات التي قدمها لي الرسميون فيما بعد حول سكان المدينة ، وهي بالطبع لم تسجل هنا رسمياً ، تتفق تقريباً مع تقديري الخاص بحوالي عشرين ألفاً . ويبدو أنه كلما صغرت المدينة كلما زادت نسبة العناصر الأجنبية ، ويكون بروزها أكثر وضوحا ً، و يختفي سكان طرابلس الليبيون الحقيقيون في وجه الأجانب ، وقد فضلوا عندما أزداد عدد الأجانب أن ينسحبوا إلي بساتين المدينة التي تشكل قرية منفصلة بالقرب منها مباشرة . ومع هذا على العموم لا يعطون ذلك الانطباع لمثل هذا التمييز والنشاط كما هو الحال بالنسبة للسكان في تونس ويختلفون عنهم أيضا ً في الملابس ، وكما بدا لي بعد إقامتي الطويلة بتونس ليس ذلك الاختلاف بدون أية مزايا لمظهرهم .
لم يسر ّ نظري السروال الفارسي ، أعني سروال الخيالة ، فهو واسع إلي حد ما حتى الركبة ،ثم يضيق إلي أن يصل الكعب مثلما أعجبني السروال الجميل الواسع بطياته المقفولة المنتظمة الذي يرتديه التونسيون ، والذي يأتي إلي نهاية مقفولة تنطبق علي المقاييس إلي تحت الكعب ، وكما أن عادة ارتداء الجزء الأسفل من القميص فوق السروال لم تعجبني أيضاً إن الصدرية والبدعية والرحيليلة هي حقيقة من التفصيل التونسي ، بيد أن لونها وخفة قماشها القطني وتزيينه برسوم زهرية علي نحو ثخين ، قد أعطى دليلاً علي أن الذوق الطرابلسي أكثر بداية من جيرانه الغربيين الذين صنعوا الأثواب نفسها من قماش بحواش زخرفية أو بتطريز خفيف .
أما الجبة المحترمة والجذابة جداً التي تريديها الطبقات الغنية في تونس ، داخل البيوت وكذلك خارجها ،فهي نادراً ما ترى في طرابلس ، وهي كالبرنس التونسي والجزائري فغالباً ما يستبدل بها الشال (ويقصد به هنا الحولي والجرد ) ، حيث يحب الطرابلسيون أن تلف به رؤوسهم وأكتافهم . والشال الأنيق (الحولي ) الذي يلبس في تونس تحت البرنس ، ينسج من الصوف الناعم ، مناسجاً مع خيوط من الحرير الأبيض أو موشحاً بخيوط حريرية ، ويصنع في جزيرة جربة أو في بلاد الجريد ، كما انه شائع بين أولئك الذين لهم ذوق رفيع في ارتداء الملابس الفاخرة إن لهذا الثوب شهرة قد ذاعت في أفريقيا فيما وراء الإقليم الشمالي ، وحتى في برنو ولاحظت بأنه يحوز علي إعجاب واسع تحت اسم الجريدي الذي اشتق من موطنه الأصلي .كما أن النساء تلبس شالاً (حولي) مشابهاً بيد أنهن كثيرات الوساوس والشكوك فيلففن أجسادهن به حيث أنه في الوقت نفسه يقوم مقام الحجاب الذي تلبسه في العادة النساء العربيات في المدن الساحلية ،كما تترك النساء المحجبات فتحة صغيرة حتى تمدهن بالوسيلة الازمة للرؤيه من خلالها حتى يتمكن من إيجاد طريقهن . يعتبر القورغلية المنحدرون من أصل تركي الذين استقروا بالبلاد منذ عدة قرون ، والذين هم من نتاج زواجهم بالنساء العربيات أكثر عددا من أولئك السكان الوطنين الأصليين في طرابلس ، وهم الآن أيضاً يشبهون في ملابسهم سكان المدينة التي أشير إليها أعلاه ،وهم أيضا ً قد جردوا من التأثير والنفوذ . واستقر كثير منهم بالمنشية وهي قرية بها بساتين تتبع المدينة ،ولم ترتبط بالحكومة إلا بالمدى الذي كان يشكل مصدر جنود الخيالة غير النظاميين ، ولهذا السبب لا يدفعون الضرائب . ولابد أن عدد القورغلية قد ازداد تدريجياً منذ أسس العثمانيون سلطانهم علي الساحل في شمال أفريقيا ، وكانوا أثناء حكم الأسرة القرمانلية خلال القرن السابق ،أكثر العناصر أهمية وأكثرهم تأثيراً في السكان . ولم يسمحوا للسكان الأصليين إلا نادراً فقط في الحصول علي أية سلطة أو اعتبار ، وحتى اليوم عندما تنصب إدارة تركية صرفة ،ويدفع بالقورغلية أنفسهم بعيداً عن الأضواء فإن غرورهم بالاستعلاء على الأهالي مازال جلياً .
إن السلطة الآن في أيدي الرسمين العثمانيين بالكامل تحت حكم وال ،عادة ما يكون مشيراً وهي رتبة أعلى من رتبة لواء لفرقة عسكرية . رغم ان عدد الرسميين محدود نسبياً إلا أنهم يبرزون في المقدمة بسبب قلة عدد السكان انهم ثقلاء بما يرتدونه من سترات سوداء مصنوعة من الجوخ ذات الياقات المنتصبة الاسطنبولية ، وأحذيتهم اللامعة بأقدام مسحوقة وطرابيشهم التركية بلونها البني الأحمر الباهت وشراباتهم الخفيفة غير أن مظهرهم قد بدا لي كريها ً جدا ً مقارنة بالقبعات التونسية التي لا تضاهي في صبغتها وزينتها الزرقاء الجميلة الفخمة .
إن التونسيين من أبناء جزيرة جربة يخلفون انطباعاً طيباً وقد شكلوا مجموعة كبيرة تقيم في طرابلس فهم صناع وأذكياء ،ولهم بناء جسماني جيد وهندام حسن ،ويملكون قسما ً كبيراً من دكاكين الأسواق .
كما في تونس ،يشكل اليهود أيضاً في طرابلس قسما ًكبيرا من السكان ،وربما نصل نسبة عددهم في كليهما إلي الربع . إن الفرصة التي أتيحت لي لعقد مقارنة بين السكان اليهود في المدينتين ،كانت سطحية إلي حد بعيد ،وأظهرت مع هذا بأنها في صالح اليهود في تونس ، حيث يصادف الملاحظ بين الفئة الأخيرة أجساماً شابة رائعة في كل مكان ،ومثلما تعود مثل الأوروبي في بلاده ، فإنه يشاهد بانذهال جمال الفتيات اليهوديات في تونس الذي لا يفوقه جمال . وفي الحارة في طرابلس تسود القذارة والروائح الكريهة نفسها دون أن يجد الزائر في هذا الحي أي تعويض لذلك النمو الجيد الذي يتلألأ في أزهي الألوان بين الفتيات والفتيان . أما فيما يتعلق بإخلاصهم في الطريقة التي يدعمون بها بعضهم بعضا وسخائهم بالنسبة للأفراد الآخرين في دينهم ، وتمسكهم بدينهم ،وولعهم بالجدال والمناقشة ، فإنهم يبدون وكأنهم مثل أخوتهم في الغرب تماماً .
ونأتي أخيراً إلي الأوروبيين ، ومعظمهم من المالطيين الذين يمثلون أكثر الموالين إخلاصاً والداعمين نشاطاً للبعثة الكاثوليكية التي أنشئت في طرابلس بإشراف الأب بريفيتو(Padre Prefetto). لقد وصل المالطيون إلي طرابلس ،كما كان ذلك في جميع بلدان الشمال الإفريقي ، بدون أن تكون لهم أية ممتلكات ،بيد أنهم في الغالب ونتيجة لازدهارهم الاستثنائي واقتصادهم في الإنفاق ومهارتهم وحذقهم ونشاطهم المتواصل الذي لا يضارع قد تمكنوا خلال عشر سنوات من تجميع ثروة ضخمة . واستمرت التجارة تمثل نشاطهم الأساسي ، ولكنهم كانوا أيضاً بارعين في الزراعة بالمستوي نفسه ، مثلما كانوا بحارة ومربي مواشي ، وكانت قدرتهم علي الإنجاب وكثرة أطفالهم مذهلة . وأما الطبقة الرفيعة من الأوروبيين فإنها تتشكل من القناصل وموظفيهم وأغنياء التجار الذين استقروا في طرابلس .
وكان علي ، وقبل كل شيء ، أن أتعامل مع الأوروبيين ومع الوالي علي رضا باشا ، فقد قصدت فوراً القنصل النمساوي لويجي روسي Luigi Rossi الذي كان يمثل ألمانيا أيضاً ، وكان معروفاً لدى الأهالي باسم جيجي. وكان يعيش علي طريق البحر في واحد من أفضل البيوت هناك ، وهو رجل في ربيع العمر ، ويبدو وجود الشيب فيه قبل أوانه ، ذو بنية جسدية قوية ووجه مستدير متورد . لقد استقبلني بحفاوة وهذا أمر شائع وناجع في الخارج ،ويمتاز بذلك الإيطاليون وشباه الإيطاليين علي وجه الخصوص ، ولم تكن مهنته قنصلاً بل كان تاجراً ولد في تريست ، وقد أمضى كل حياته تقريباً في طرابلس ، وكان ذا معرفة جيدة بالبلاد وسكانها، وقليلون هم من يجارونه في ذلك. ويحيط به مجموعة من الأطفال الأصحاء إنه رجل ثري ومحترم ،وكان يعيش في ذلك الوقت في سعادة ورضاء ،وهو يغبط على ذلك . وعندما نجوت فيما بعد من الأخطار بأعجوبة ، ورأيت البحر المتوسط مرة أخري بعد مضي عدة سنوات ، وجدت أن قدراً لا يرحم قد طرحه على فراش المرض الذي لم ينهض منه مرة أخرى ، ولم يسمح برؤيته ثانية .
وعندما كان جيرهارد رولفس ينتظر عودتي من مالطا ،وفرصة لمغادرة طرابلس كان يسكن في بيت روسي الصيفي بالمنشية وقد ذهبنا لرؤيته هناك فوراً . أمام البوابة كان عدد من الحمير الجاهزة لتأمين المواصلات إلي مزارع الواحة المزدحمة بالسكان ، ولم تكن الخيول عديدة في طرابلس ، أما العربات . فهي أقل بكثير ، وكانت العينة الوحيدة من الأخيرة تلك التي كانت تستخدم في ذلك الوقت للأغراض العامة ، مما استورده مالطي نشيط وهي عبارة عن عربة خفيفة ذات عجلتين بكرسي طويل شائعة الاستخدام في بلاده . وتدعي الحمير هنا بالكلمة العربية الصحيحة حمار ، وليس باسم بهيم (بالمفرد) كما في تونس ،ولا يبدو أن هناك من يستحي من ركوب الحمير ، علي الرغم من أنها كانت متمثلة في عينات تبدو من النوع التعيس مقارنة بالحمير المصرية أو حتى المالطية ،وكان حوذيها يحثها بصورة مناسبة فوصلنا المنشية بسرعة جديرة بالثناء .
لقد سرنا في البداية عبر الميدان الرملي الكبير حيث يقام سوق أسبوعي شامل والذي يخدم أيضا كمتنزه للأوروبيين ممن لا يرغبون بالبذخ، ثم توجهنا نحو شاطئ رملي وسرعان ما وصلنا إلي منزل القنصل الصيفي علي حافة الواحة والتي قد أعيد استصلاحها بصعوبة من الرمال . ولا يمكن في الواقع وصفه بأنها داره مترفة مثل تلك التي تنتشر في الضواحي القريبة من الجزائر أو مثل بساتين منوبة والمرسى في تونس فهو بيت صغير بسيط مناسب لقضاء يوم كد في زراعة النباتات بيد أن رولفس جهزه تجهيزا مناسبا بحيث يعيش بضعة أسابيع على وجه مريح . فقد الحق به خادماً ألمانياً على ً جريئاً وأخذ يعمل طباخاً. بينما تولى تدبير شؤون المنزل الأخرى مصور شاب من برلين والذي سيرافق بعثة رولفس إلي برقة لغرض التقاط الصورة .

لقد بدا لي أن أبناء وطني لم يعاملوا الرجل المحترم محمد القطروني بالاهتمام اللائق فهو رفيق بارت في رحلته إلي تمبكتو وهو الذي صحب أيضا ً رولفس إلي برنو ومندرا ، كما أنهم لم يهتموا بجمله الأبيض الطارقي الذي أحضره إلي بلاده من برنو خلال رحلته الأخيرة لقد جاء من موطنه فزان من اجل مرافقتي ، حيث كان يعيش بالقرب من العاصمة مرزق في القرية دو جال ، وكان مشغولاً في تهيئة حوية الجمال للرحلة الوشيكة ،نظرت إلي وجه الأسود المستدير بشيء من الرهبة المتسمة بالاحترام بتجاعيد التي لا تعد ولا تحصى ، وأنفه الأفطس بمنخرين واسعتين ، وفمه الخالي من الأسنان ، وشعر ذقنه الأبيض ولأسود الخفيف ، وأذنيه الكبيرتين وعينيه الوفيتين .
لم يكن الرجل المسن محمد كثير الكلام كما لاحظت من مناسبات متكررة خلال السنوات التي تلت لقائي به ، وكان رجلاً ودوداً ،ولم يكن عازفاً عن الاستماع بمباهج الحياة ،ومع هذا بحساسيته البالغة ، وخبراته الواسعة واتزانه نادر اما يسمح أن يضطرب أو يشوش . وأجاب بوقار علي تحياتي وعلي تعبيراتي بالسعادة بمعرفته الشخصية مستغلاً توقفه عن عمله بأن يدفع في فمه بمقدار ضئيل من أوراق التبغ الأخضر الذي دق دقاً خشنا ً من كيس جلدي صغير ، وبأن يقطع قطعة بما تبقى من أسنانه من كتلة نطرون (طرونة) كعامل إصلاحي مناسب للتبغ . ويلبس فوق القميص الواسع المألوف في موطنة غطاء ً صوفياً دافئاً والذي هو أيضاً معتاد في فزان ، وهو الآن يتدلى على ظهره بعيداً عن رأسه المقصوص الشعر قصاً قصيراً حتى لا يعيق عمله ، عندما كان يجلس القرفصاء على القش الذي كان يحشو به الحوايا .
تم شراء ستة جمال أثناء غيابي في مالطا ، بسعر بلغ 50 ريال ماريا تيريزيا (بوطير) أو 200 مارك لكل جمل ، وحتى وإن لم تنل إعجاب محمد القطروني الخبير الضليع في الجمال ، وعلى الرغم من ذلك فقد رؤي بأنها كافية بالمراد . وكانت الحوايا تقترب من نهاية الانجاز وكان على محمد القطروني أن يذهب إلى السوق الأسبوعي القادم ليشتري المعدات اللازمة من الحبال والأكياس التي ستوضع فيها أحمال الجمال وأفضلها ما يصنع من وبر الإبل ، وحينذاك تسمى غرارة ، وقرب الماء (مفردها قربة ) التي هي عبارة عن جلد الماعز المدبوغ من الداخل بحيث يترك الشعر عليه وتعتبر قرب بلاد السودان ذات جودة لا تضاهيها نوعية أخرى . كما كان علينا أيضا ً أن نحصل علي أواني الطبخ والطعام اللازمة للرحلة مثل بعض الأوعية النحاسية المبيضة ، وحامل ثلاثي القوائم ، ووعاء عريض مسطح مطلي بالقصدير بحيث يستخدم لغرضين ، سقي الجمال وإناء للغسيل، أو ربما حتى قصعة للطعام ، ودلو من الجلد لسحب الماء ، وألجمة للجمال ، وما شابهها من عدة السفر الضرورية التي يسبب غيابها مصاعب كبيرة في الغالب للمسافرين ولا ينسى في العادة المسافر المتمرس منها شيئاً . لقد كان علينا نحن الأوروبيين أن تتولي مسئولية الحصول علي هذه الاستعدادات الخاصة بالرحلة ، وقررنا بأنه في نهار الغد ، بعد أن وضعت القائمة بالحاجيات ، أن نناقش كل شيء يتعلق بها في ساعات مساء هادئة مع السيد روسي .
وفحصنا في اليوم التالي هدايا ملكنا ،حيث تركت في طرودها الأصلية التي تنسجم مع الاعتبارات الضرورية لنقلها علي الجمال ،كما ناقشنا مع السيد روسي كيفية تأمين احتياجاتنا التي تشتمل علي البسكويت ( بوقسمات ) والأرز والكسكسى والقيام بزيارات إلي أغلب الأوروبيين البارزين والموظفين الحكوميين الكبار .
ينطوي القيام بالواجبات الأخيرة علي صعوبات جمة نتيجة للانقسامات الاجتماعية العميقة المضحكة ،التي جعلت حياة الأوروبيين صعبة على أنفسهم.فهناك في البداية الممثلون الرسميون للقوى المسيحية ، والقناصل العامون ، وقناصل ووكلاء قناصل انجلترا وفرنسا وإيطاليا وأمريكا وهولندا وأسبانيا وكانت نظرتهم للسيد روسي تتسم بالريبة بسبب نشاطاته التجارية ، علي الرغم من أن ارتباطاته التجارية قد جعلته يتمتع بمكانه محترمة بين الأهالي. كما كانت تعيش في طرابلس منذ سنوات طويلة عائلة ديكسون Dickson التي ترتبط بعلاقة مصاهرة مع من تبقى من أسرة القنصل الانجليزى السابق المعروف بخدماته العقيد وارنجتون Warrington كما كان هناك أيضاً قاقليوفي التاجر ووكيل القنصل الإنجليزي Gagliuff السابق في فزان وهو معروف جيداً من كتابات بارث ،الذي كان يرتبط بممثلنا ، أما الأوربيون الآخرون الذين يستحقون الذكر هنا فهم رئيس محطة التلغراف الإنجليزية التي تربط بين مالطا وبنغازي ،وفريدريك وارنجتون Frederick Warrington أبن القنصل العام الذي ذكر أعلاه ،وهو معروف كذلك من تقارير بارت وفوجل ،ورئيس البعثة الكاثوليكية الأب بريفيتو ،وتاجر ريش النعام الإيطالي .
أما فيما يتعلق بقاقليوفي فقد أشيعت عنه قصص غريبة حول اشتراكه في السابق في تجارة الرقيق ، وكان له مع شريكه الحاج العامري المعروف في مرزق ، له وكيل تجاري وشريك في برنو يدعي محمد الصفاقسي هو معروف أيضاً في تقارير بارث ولقد أضرت هذه القصص التي ابتدعت لغرض إيقاف هذه التجارة فقط بمركزه الرسمي في فزان ومن الطبيعي بان لهذه التقارير التي ذكرت أساسها في الارتباطات التجارية ، وبالتأكيد لا يستطيع الحاج العامري ولا محمد الصفاقسي مزاولة أية تجارة في السودان بدون شراء وبيع الرقيق. ومن خلال رأس المال الذي ساهم به فقد كان قاقليوفي مشتركاً في ذلك بطريق غير مباشر، بيد أنه إذا ما كانت هذه العلاقة لتمنع فإنه يتوجب علي جميع التجار الأوربيين الذين لهم أية مصالح مادية في البعثات التجارية للأهالي أن يتحملوا اللوم نفسه . لقد كان قاقليوفي يتمتع بالاحترام التام بين تجار طرابلس وفزان وبرنو ، وكان الأوروبي الوحيد الذي يعرف تماماً الأوضاع في الداخل الأفريقي ، وكان لنصائحه وتوصياته أعضم الأثر علي .كان فريدريك وارنجتون شخصية طريفة ،فقد كان الأطرف والألطف وأكثر رجل متواضع في العالم ، إنه ثقة في معرفته كل ما يتعلق بالطباع العربية واللهجة العامية العربية وعادات فزان والسودان كما كان يتحدث لغة أهل برنو . لقد كان في الحقيقة منهمكاً تماماً في الشؤون الأفريقية ، ولا يمكن أن يوظف إلا قدراً متواضعا جداً من خبراته في القنصلية البريطانية العامة .
بعد أن تجنبنا مخاطر العلاقات الاجتماعية العديدة بسلام ، حيثما استلمت التقارير عن أسباب هذه الخلافات المعقدة ، وتجنبت بعناية الجمع بين المسئوولين المتخاصمين مع بعضهم ، بدأنا بمساعدة السيد روسي في الاتصالات الضرورية مع المسؤولين الطرابلسيين ، ولم يكن هذا أيضاً خالياً من المصاعب ، ولم تتم الاتصالات إلا من خلال بعض التحفظات من جانب القنصل الذي كان على خلاف بين مع الوالي نفسه وشيخ البلد أو عميد بلدية طرابلس علي القرقني السيئ السمعة .
إن علي رضا باشا عربي جزائري ، تعلم في فرنسا وتدرج في المناصب في تركيا ووصل إلي رتبة مشير ، ولم يتول منصب والي طرابلس الغرب إلا حديثاً ، حيث يبدو بأن الحكومة العثمانية قد تبنت في كل مكان مبدأ سرعة تغيير الرسميين في جميع المناصب بقدر الامكان . وعلى هذا ، فقد كان كل جهد جدياً تقريباً ، وفي الواقع أية رغبة صادقة من جانبهم لتحسين رفاهية الولايات التي عهد بها إليهم وهمية ، وحتى إذا ما أراد النادر منهم أن ينغمس في مثل هذه المحاولات فإنه سيكون طوباوياً مثلما سيكون في الوضع الإداري العثماني . وكان يبدو بأن موظفاً كبيراً يعين في غير بلده يستغل العامة وبأقصى سرعة ممكنة ، ليجعل مقامه المؤقت لصالحه ، والذي ينظر إليه علي أنه نوع من العقاب ، وسيغادره خلال سنوات ممتلئ الجيوب إما نتيجة لتنامي استياء المواطنين المنهوبين ، أو بسبب أن أصدقاه لدى الباب العالي قد استدعوه ليعود إلي فردوس اسطنبول أو ساعدوه في أن يرتقي مناصب أكثر سمواً .
لقد كان علي باشا ، بسبب أصله العربي ، أقرب من الولاة الآخرين لسكان الولاية ، وكان دائماً في الواقع من المفضلين للتقدم والحضارة وأكثر من معظم سابقيه ، بيد أن هذا لم يكن عميقاً بالقدر الذي يمكنه من تفادي الصخرة التي تحطم عليها ما شابهه من الرجال . ويقدم خديوي مصر إسماعيل باشا على نطاق واسع مثالاً مليئاً بالعبرة عن الأسباب التي تجعل خطط الإصلاح والتحضر في هذه البلدان تنتهي في الغالب إلي إخفاق تام يبعث علي الأسى ، حتى وإن شرع فيها بفهم كامل للخطط وفوائدها وبوسائل ملموسة ، فبناء المنزل لايمكن أن يبدأ إلأ من أسفل وعلى أساس متين ، ولا يمكن أن يكتمل إلأ وفقاً للعمل والوسائل المتوفرة . إن أمراء الشرق وحكامه لا يهتمون في الغالب إلأ قليلاً بالأساسات القائمة فلا يأخذون في الحسبان الحقائق كما هي ، بل يبنون في فراغ بأساسات غير كافية ومواد ضئيلة القيمة وبدون براعة المساعدين ، وبسرعة أكبر ينهار جانب من البناء أكثر مما أنجز في الجانب الآخر ، وفي نهاية الأمر يتحتم التخلي عن المشروع بأكمله نتيجة لانعدام الوسائل والعمال .
لم يتمتع إلا القليل فقط بذكاء ودهاء الخديوي وطموحه النبيل ، حيث كان فهم الكثير منهم للحضارة مقصوراً علي معرفة فرنسية ضعيفة ، وميل نحو تقليد الأزياء الباريسية ، وإلحاح لا يقاوم للحصول علي الزخرفة الأوروبية ، أو في أفضل الأحوال ، إقامة قناة مائية أو محطة إضاءة بمصابيح غاز أو خط تلغراف أو مد سكة حديدية ، ويذرون بهذه الإنشاءات التراب في عيون الأوروبيين الذين يعيشون بينهم أو السواح ، وعندما يقرأون المديح الذي غالباً ما كان يقدم في الصحف الأوروبية ، فقد كان هؤلاء الحكام يعتبرون أنفسهم مصلحين عظماء في حين وان لم يكونوا في الحقيقة إلا مقلدين تعوزهم البراعة . وإذا لم يتفتق الإبداع من الضمير واحتياجات السكان مع دعم المتعلمين ، فإن الإصلاحات حينئذ تكون سريعة الزوال ، عديمة الفائدة ومظاهر مكلفة .

كان الوضع في طرابلس الغرب ، وعلى الرغم من فوائد التحضر التي منحها للبلاد ، فإن السكان متذمرون منه جهازاً ، ومن مساعديه وشركائه في المناطق المختلفة . فقد حفر الآبار الارتوازية ، واستقدم إضاءة الشوارع إلي مدينة طرابلس ، وأوجد مدرسة حيث تدرس التركية ، كما أقام مزارع في المنطقة القاحلة حول طرابلس ، وعندما كنا هناك كانت تدرس إمكانية إقامة مستوطنات في أقصى شرق الولاية ، في هضبة البطنان على خليجي بومبه وطبرق ، وأعتقد بأن النجاح مضمون بافتتاح قناة السويس . ولقد دمرت الآبار وأصبحت خراباً ، ولم تحقق المدرسة شيئاً ، أما المزارع الكبيرة فلم تر النور أبداً ولم تعمر إلا إضاءة الشوارع المتواضعة بعد منشئها ،في حين لم يتعد المشروع الطموح لإقامة المستوطنات والذي كان ليضمن شهرة على رضا مر السنين مرحلة الأولى وقضى عليه في مهده . وكان من بين المحسوبين على الوالي وأكثرهم مكراً وخطراً ، والذي أصبح نكبة على البلاد ، شيخ البلدا أو عميد بلدية طرابلس الذي سبقت الإشارة إليه ، المدعو علي القرقني نسبة إلي جزيرة التونسية قرقنة التي جاء منها . فقد سلب ونهب البلاد الفقيرة لعدة سنوات ، وكان أقوى وأغنى رجل في المنطقة ،حيث يمتلك عدداً لا يحصى من البيوت في المدينة ، وله سفينة بخارية تسير بين طرابلس ومالطا ، كما كان يرسل الهدايا الثمينة سنوياً إلي عظماء العاصمة باسطنبول ، وكان جميع الرسمين تحت هيمنته ويركعون له ،كما كان جميع المواطنين يخافونه ليس بأقل من مقدار كراهيتهم له ، وكانت هيئة المحاكم من صنائعه كما كان جميع موظفي المدينة من مأجوريه ، وتمر جميع ضرائب البلاد من تحت يده ،حيث يحتفظ منها في الحقيقة بمقدار كبير لنفسه . وفي الواقع لم ينهب البلاد وسكانها أي شخص رسمي على هذا النحو من الصفاقة وطول الفترة مثل على القرقني إلا نادراً ، ولا توجد أية وسيلة للتعبير بفاعلية عن الحقد العام الذي كان يكن له ،كان علي رضا باشا حامية ، وكان ألعوبة في يده حيت يعتبر أقل منه دهاء ،وكان عظماء اسطنبول أصدقاء أعزاء ، كما كان القضاة من صنائعه .
أصبح السيد لويجي روسي وكنتيجة لأعماله التجارية وطول إقامته بطرابلس مقرباً جداً من السكان ، ويستطيع أن يحكم على الآثار المؤذية لهؤلاء الرجال أفضل مما يستطيع قنصل حاقد على الرفيقين الخطرين وما يعتبر أشد من ذلك أنه ليس خائفاً من أن يسمح بظهور مشاعره نحوهما ، ولهذا السبب كان عليه أن يجهد نفسه بأقصى ما يمكن ليحترم الأعراف والتقاليد الظاهرية والزيارات الأولى التي قمنا بها معه إلي الوالي وشيخ البلد . ولقد كانت زيارات رسمية ولم تقدم لي أية فائدة ، فقد وزعت السجائر ودخنت – حيث احتلت السجائر الآن محل التمباك السابق لمدة طويلة – كما أحضر القهوجي ، بمنديل على ذراعه ، فناجين صغيرة فوق صحونها على صينية نحاسية ،وجرى الحديث مع الوالي باللغة الفرنسية ومع شيخ البلد باللغة العربية . وكان الوالي رجلاً عجوزاً قصير القامة عريض الكتفين وله وجه احمر ،يبدو بأنه قريب من الستينيات من عمره ، ويرتدي بذلة غير رسمية ،ويدخن سجائره في أنبوب فخم ينتهي بالجزء الذي يوضع في الفم من الكهرمان الجميل ، ويتحدث الفرنسية بطلاقة ، وقد كشف لي عن خططه الإصلاحية والتحضيرية العظيمة ،ولكنه لم يكن مشجعاً لأهداف رحلتي وكان لعلي القرقني وجه ((مدور)) أبيض أو بالأحرى شمعي اللون بلحية سوداء مكتملة ، متناسق التقاطيع ، وعينين سوداوين لامعتين على نحو غير مريح ، مع قوام متماسك قوي متوسط الطول ، وكان الحديث معه مقيداً ومقتصراً علي الرسميات الفارغة ويتعلق بمالطا وعبور البحر المتوسط والطقس والسياسة الأوروبية . لقد كان انعدام الثقة بين هؤلاء الرجال المرهوبي الجانب وبين السيد روسي ، وفي الحقيقة بيني أيضاً ، واضحة تماماً ولم تستهوني هاتان الشخصيتان علي الإطلاق ،حيث أنهما نمطان قد عرفت عنهما الكثير من خلال تجربتي التونسية ،فقد كان النظام في تونس أكثر نهباً ، بيد أن البلاد كانت أغنى أيضاً ،أما فيما يتعلق بموارد البلاد فلم يكن النظام في طرابلس الغرب بكل تأكيد أقل ضخامة .
كانت الآنسة الكسندرينا بترونيلا فرنسينا تينه Alexandrina Petronella Tinne francina بدون شك ، الأكثر طرافة بين الشخصيات ممن تعرفنا عليهم في طرابلس ، وهي من مواليد لاهاي في يوم 17 أكتوبر 1834 ،وكانت مشهورة من خلال رحلاتها إلي إقليم أعالي نهر النيل ، وقد حاولت بدون جدوى أن تتغلغل نحو الجنوب من الأراضي الجزائرية إلي منطقة الطوارق وجاءت إلي طرابلس قبل وصولي بوقت قصير ومعها عدد كبير من المرافقين من أجل أن تتمكن من السفر إلي فزان وما وراءها . وأظهرت هذه الآنسة عدداً من البراهين على طموحات نبيلة وتصميم أكيد ، وقد تحصلت على مثل هذه التجربة العريضة على الرغم من الخسائر الموجعة التي حلت بها أثناء رحلاتها السابقة ( حيث أن أمها واسمها فان كابلين van Kapellen وخالتها أدريانا فان كابلين قد توفيتا في بحر الغزال نتيجة لآثار المناخ غير الصحي ) وتشبثت بأهدافها على نحو لافت للنظر ،بشجاعة متجددة لدرجة أنها بدأت الطريق نفسها التي اختارتها الآن لتحقيق غاياتها ، وهي سيدة قد ملأت نفسي
في البداية باحترام خجول فقط ولم يغير اجتماعي بها في طرابلس هذا الشعور . وأن ملامح النبل وتقاسيمها التي تبدو باردة وسلوكها المتحفظ المتميز ، وأدهشت أي شخص وضع نصب عينيه سيرتها المليئة بالمغامرات والتي تخص الرجال وحدهم ، وكل هذا يدعو إلي الاعتقاد أنها متحررة . ومن يرى ذلك فقد خاب ظنه . ووقع في خطأ أنساق إليه في إثر المعرفة السطحية . وتضم مجموعتها ملاحين هولنديين هما كيس أوستمانز kes Oostmans وآري ياكوبس Jacobse Ary وبعض الزنوج من أعالي نهر النيل الذين تمتلكهم ،ونساء جزائريات وعربا من تونس والجزائر ، وزنوجاً معتوقين كان يحدوهم الأمل تحت حمايتها في العودة إلي موطنهم وأدولف كرا وزه ADolf Krause وهو شاب ألماني قد ترك دراسته الثانوية بألمانيا نتيجة لحماسه للسفر في أفريقيا ، ووصل في طرابلس إلي القارة التي شكلت مصيره . وقد ذاعت أخبار ثروة تينه في المدينة ، وفي ذلك الحين كانت تعرف باسم بنت الري فقط أي بنت الملك ،وهو اسم احتفظت به حتى موتها المأساوي . إن ثروتها الوافرة وحاشيتها الكبيرة المتنافرة جعلتني أستبعد فكرة رحلة مشتركة إلي مرزق محطتنا التالية ، وحيث أنها قد أنهت استعداداتها فقد تركتها تبدأ رحلتها ،علاوة على أن الأمن كان سائداً في مناطق طرابلس الغرب مما يسمح لها بأن تقوم بالرحلة بمفردها .
ذهبت مع محمد القطر وني إلي السوق الأسبوعي ، حيث كان عليه أن يقوم بشراء بعض الحاجيات لتجهيز رحلتنا ، وكي أستفيد من خبرته . وكانت العملة المتداولة آنئذ الغرش العثماني الذي يتكون من قطعتين فئة العشرين بارة ويدعى بوعشرين كل عشرين غرشاً يساوي محبوباً وهو وحدة عملة وهمية إلا أنها الأكثر تداولاً في الحسابات وتقوم على أساس الغرش العثماني . وتأتي بعده من حيث الشيوع في التداول قطعة من فئة خمسة فرنكات الطالر متوسط وقيمتها حوالي 23 قرشاً ، ثم تليها ريال ماريا تيريزيا النمساوية ، أبو طير وقد سمي كذلك بسبب وجود نسرين علي وجه القطعة ، وكانت قيمته تختلف طبقاً لسعر التصريف من 23 إلي 25 قرشاً ، كما كان هناك أحياناً بعض التنافس الفعال من الطالر الأسباني colonnateأي أبو مدفع وسمي كذلك لوجود أعمدة هرقل على أحد وجهي القطعة والتي أعتبرها العرب مدفعاً .
كما أن غرشين ونصفا عثمانيين أي خمسة أبو عشرين ، قد سميت عندهم بالغرش العربي في حين أن ثلاثة غروش عثمانية أو ست قطع ذات العشرين بارة تسمى سبيلي . وبعد أن ننجز نهاراً الأعمال والزيارات الضرورية ، كنا نعود عند المساء إلي منزل مزرعة السيد روسي الصغيرة ، ونجلس أثناء الليل مع جعتنا أو نبيذنا الألماني في حين كان جيرهارد رولفس يحكي لنا قصصاً لا تنفذ من تجارب رحلاته ، كاشفاً لي عن أحوال وشخصيات العالم الجديد الذي سأراه عما قريب. واعد تلك الأمسيات في ذلك الريف الهادئ من بين أكثر الأيام متعة في حياتي .
وفي النهاية أصبح كل شيء جاهزاً للرحيل ، وكان معنا حوالي قنطار من البسكويت والكسكسي والأرز ، كما لم ننس شحم الخراف والملح والفلفل ، كما حزم التبغ والسيجار والكبريت الذي سيكفي لبعض الوقت . بادئ ذي بدء تخليت عن المشروبات الكحولية تماماً ، حيث سيصبح ذلك على أية حال في القريب أمراً لايمكن اجتنابه ، علاوة على أنها غير ملائمة للنقل أثناء السفر ، بيد أنني أحضرت معي الشاي والقهوة والكاكاو وخلاصة اللحم من مالطا . وكانت في صناديقي عدة مئات من ريالات تيريزيا ،ومبلغ من أبوعشرين من أجل قطع النقد الصغيرة ،وكان معنا شمع شحم حيواني وفنارات . كما تم شراء أوتاد للخيام وحبال ومسامير ومطرقة ومنشار ، وإذا ما نسينا شراء شيء ما ، كما هو الحال تقريباً في بداية أية رحلة طويلة ، ستكون الفرصة دائماً أمامنا لإكمال تجهيزاتنا علي طول الطريق .
لقد أعطاني علي رضا باشا فرماناً مفتوحاً إلي الدوائر المحلية ولكنه مع هذا فاتر جداّ ، وعين معنا شرطياً (زابطي ) يدعى ميلاد عبية مرافقاً رسمياً لي . ونقلنا إقامتنا قبل سفرنا الفعلي بعدة أيام إلي المدينة وهناك قمت ببعض زيارات الوداع ، كما كتبت رسائل الوداع إلي أرض الوطن ، في حين دعا جرهارد رولفس الجالية الأوروبية والرسميين في طرابلس إلي نزهة ممتعة ، قام بترتيبها مع مرافقي البيد مونتي الذي كان طباخاً ممتازاً .
قررت أن أغادر المدينة يوم 16 فبراير ويفضل الاقدام على ذلك قبل أيام من الموعد النهائي لانطلاق الرحلة حتى يكون بإمكاننا إصلاح أي خطأ أو شراء أي شيء قد نكون نسيناه وهذا ما يتضح جلياً من العيش في الخيمة – إلا أن الريح والمطر قد حالا دون ذلك .
حملت الجمال في صباح اليوم التالي بما فيها اثنين استأجرتهما حتى بني وليد المحطة الرئيسة الأولي في طريقنا ، وكان سائقاهما مرشدين لنا في الوقت نفسه . لقد وددت أن يكون لي حصان ، ولكن التكاليف والتي ستزيد من جراء نقل الشعير والماء له، لم تسمح لي بهذه الرفاهية. وقررت أن أرضي نفسي بوسيلتي الطبيعية في التنقل وهي سفينة الصحراء . وكان أقوى الجمال يحمل على أحد جنبيه صندوقاً كبيراً به الكرسي الملكي المخملي الأحمر ، بأرجل وأيدي مطلية بالذهب علي نحو أنيق في طريقه إلي الحاكم برنو ، وعلى الجانب الآخر صور شخصية بالحجم الطبيعي للملك فيلهلم (وليام) والملكة أوجوستا Augusta وولي العهد ولم تكن الأحمال مرهقة بالنسبة للبهائم فيما يخص وزنها ولكن في شكلها غير الملائم ، فالجمال لا تحب أن تكون أحمالها ( العديلة ) تتدلى إلي أسفل منها كثيراً ، أو أن تلامس أرجلها الأمامية أو الخلفية أثناء السير ،فمن الممكن أن تتحمل ثقلاً إضافياً بيد أنها تفصل أن تكون هذه الأحمال ملاصقة لجسمها القوي علي كل جنب من سنامها .
وحمل جمل ثان رزمة من البنادق مع ذخيرتها المناسبة في سلام إلي جانب عدد من الأناجيل العربية التي سألني السيد روبرت أرتنجتونRobert Arthington من ليدزLeedsبإنجلترا بأن أحملها معي ، في حين يحمل جمل ثالث بقية الهدايا ، وتشتمل على ساعة بندولية برونزية وساعة جيب ذهبية ذات سلسلة وتلسكوب مزدوج ، وست من الساعات الفضية المعتادة ، وطقم لتقديم الشاي مطلي بالفضة ، وبعض قطع الحرير والمخمل ، ورطل من عطر الورد الخالص ومجموعة من المسابح وأساور وعقود من المرجان الأصلي واثنى عشر برنساً من المخمل وملابس وأصواف تونسية رفيعة وأثنى عشر طربوشاً تونسيا أصليا ًوالأرغن الذي أمتع أمسياتنا بالبهجة والأنس في المنشية المعزولة وحمل جملان آخران بلوازم سفري الشخصية والكتب والأدوات والملابس والمعدات اللازمة للعلاج وفي حالة الضرورة لركوبي ، كما يحمل جملان آخران المؤونة ومعدات الطبخ وخيمة ومعدات أخرى في حين خصص الأخير لنقل الماء . ولا يجب أن يحمل جمل من هذا الإقليم في الرحلات الطويلة بأكثر من 300إلي 400 رطلاً .

وعلى وجه العموم ربما كان من المناسب استئجار الجمال على طول الطريق من طرابلس إلي فزان لأن الجمال المولودة في الشريط الساحلي ليست لها سمعة جيدة ، وأن قوتها الجسمانية ونشاطها أقل بكثير من تلك التي جاءت من أقاليم أكثر ارتفاعاً حيث توجد أحياناً مراع أفضل في سوكنه وجبل الهروج أو في مناطق ورفله وأبو سيف وغيرها من القبائل . لقد أعطت جمالي انطباعاً حسناً بين مثيلاتها في طرابلس ، بيد أن بعض الشكوك قد أصبحت تساورنا في سوكنه عن مقدرتها في الوصول إلي برنو ، علاوة على أن هذه الحيوانات حساسة على نحو كبير للتغيرات المناخية ، ولقد قاسى جمل محمد القطرونى كثيراً من بقائه شهراً سنويا في طرابلس وهو حمل رائع من الجنوب على الرغم من انه عينة مسنة بالنسبة لنمطه ، وكان من الصعب الاحتفاظ به في حالة جيدة إلا من خلال تغذيته بالشعير يومياً ، وكان ابن الصحراء المسن يسير بخطوات واسعة وبحيوية ونشاط ، وكان متفوقاً على جميع رفاقه الأقوياء ، ولكنه كان جامداً ومجهداً وأيقظ في نفسي من البداية الخوف من أنه لا يستطيع الوصول إلي وجهتنا التالية من رحلتنا ، وبأنه سيفقد في الطريق بعيداً عن موطنه الذي جاء منه .
غيرهارد رولفس (1831-1896)
ولد فريدريش غيرهارد رولفس 1831 في بلده فيغزاك القريبة من بريمن ويعتبر من ابرز الرحالين الاوربين الذين ركزوا معظم جهودهم على ليبيا على مدي خمسة عشر عاماً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد زار ليبيا أربعة مرات كانت أولها قصيرة في أواخر 1864 ودخلها في غدامس، وتوجه منها إلى طرابلس عبر الجبل الغربي، ليسافر إلى أوروبا. وفي مارس 1865 عاد إلى طرابلس استعداداً لرحلة حملته إلي غدا مس، ثم عاد منها إلي مزدة وتابع سيره حتى وادي الشاطئ وسبها ثم مرزق، وتوجه من هناك إلي كوكه عاصمة برنو وسار منها غربا متتبعا الحدود الجنوبية لانتشار الاسلام في ما وراء الصحراء حتى وصل خليج غينيا وكانت هذه الرحلة وراء شهرته في صفوف الرحالين الأوربيين إلى افريقيا ورواج كتابه " رحلة عبر افريقيا " ولكنه لم يتوقف في تقاريره امام وصف المدينة طويلا. وهذا ما يذكره في كتابه عن رحلته الثالثة من طرابلس إلي الإسكندرية 1868-1869 والتي تكتسب أهمية خاصة من حيث أنها وراء انطلاق ناختيغال والتي نجم عنها مؤلفة الصحراء وبلاد السودان. وأما رحلته الرابعة فقد بدأت في طرابلس بعد عقد وانتهت في الكفرة. وفي مؤلفاته التي وضعها حول رحلاته الثلاثة الأخيرة كان يقف عند طرابلس ويقدم وصفا لها كما انه قدم بحثاً إلى المؤتمر الاستعماري الذي عقد في بروكسل 1876 تحت رعاية ليوبولد الثاني ملك بلجيكا وكان بعنوان " ليبيا ومكانتها بذاتها باعتبارها منطلقا للرحلات لاكتشاف الدواخل الأفريقية" ترجمها د . عماد الدين غانم ونشرها في مجلة البحوث التاريخية طرابلس يناير 1979 الرحالة الألماني رولفس وليبيا وفي الذكرى المئوية لوفاة الرحالة رولفس نشر مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية في العام 1996 كتابه الرئيسي بعنوان: " رحلة عبر افريقيا " مشاهدات الرحالة الالمانى رولفس في ليبيا وبرنو وخليج غينيا 1865 ـ 1867 وتشمل دراسة عن الرحالة ورحلاته كما نشرنا تقارير رحلته إلى الكفرة ونورد بعض النصوص التى اخترناها من مؤلفاته .
مند 1835 يتولى أمر ادراة ايالة طرابلس الغرب في ظل الحكومة العثمانية وال برتبة مشير واختير لهذا المنصب رجال من صفوف المدنيين والعسكريين لا بل من البحرية، فقد جري اختيار أمراء بحر ولاة على طرابلس الغرب، ويمكن ان يستدعى الوالى حسب رغبة الباب العالى ، وغالبا ما اقدمت الحكومة العثمانية على مثل ذلك في بداية فرض سيطرتها ، الا انها الان غالبا ما تدع المشير الذي تم تعيينه اربع سنوات في منصبه كما اسلفت ، بحيث يتعرف على جميع الأوضاع في البلاد والسكان . ولم تعد سلطة الوالي حاليا مطلقة يمتلك حق التصرف بحياة الناس فقد وضع إلي جانبه في إدارة الولاية مجلس كبير ومجلس مشورة وهذا المجلس يضم الأشخاص الذين يشغلون أعلى المناصب مثل القاضي وقائد الجيش والمفتي وعلاوة على ذلك يمكن التوجه بالشكوى ضد المشير إلي الوزارات في اسطنبول، وحتى الى الخليفة ذاته . ويتلقي المشير راتبه كوالى ويزعم انه يحصل على دخل قدره خمسين الف فرنك.
أما الجيش المرابط في طرابلس فيخضع لأمر قيادة مستقلة، وعادة ما تكون رتبه القائد الأعلى بدرجة عميد. وفي الغالب لا يزيد عدد القوات النظامية عن 6000 رجل وهم من سلاح المشاة والمدفعية. ويتشكل هؤلاء من عساكر من الولايات الاخري التابعة للدولة، بينما تخدم القوات التي يجري تجنيدها من أبناء طرابلس الغرب في أجزاء الدولة الاخري، ولما كان لا يحق للمشير التدخل في الادارة الداخلية للقوات الا انه يمتلك سلطة توزيع الحاميات . في حالات التمرد حين يصدر المشير الأوامر للتحرك والهجوم اما القوات الشعبية في طرابلس الغرب الموجودة في المنشية حيث يعتبر كل رجل عسكرياً بالفطرةثم قوات الدرك والقواصين والزابطية وأنهم جميعا يخضعون لأمر المشير المباشر، أما الأمور المالية فإنها تدار مستقلة عن المشير وهي تخضع للمحاسب (المحاسبجي) والخازندار الذي يعين من طرف وزارة المالية في اسطنبول وعليه أن يرسل إليها الموارد كما أن الجمرك غير خاضع للوالي، ولا تعرف بدقة موارد طرابلس الغرب، وفي الأثناء فان البلد تؤمن دخلا يكفي لرواتب الموظفين وللقوات المرابطة هناك الاجور. وفي غالب السنوات يتبقى فائض يتم إرساله لاسطنبول. وتتشكل الموارد من الضرائب المباشرة التي تجبى عن منتجات الأرض ومن ضريبة اليهود التي يقدرها عن كل فرد من أبناء الطائفة في الحبر الكبير ( الحاخام باشي ) وعلى سيبل المثال يجبى عن كل شجرة زيتون او نخيل قرشان ونصف كما يجبى سنويا عن كل جمل 40 قرشا وعن كل بقرة 20قرشا وعن كل 10 اغنام 40 قرشا وكل عشرين عنزة 40 قرشا. واما انه تحدث كثير من الالتفافات فقد ذكرت ذلك في مواضع مختلفة ، أما الضرائب غير المباشرة فإنها الأكثر إيرادا وتعتبرها الدولة في الغالب حصراً لها وهي ترد من رسوم الجمرك5%على الواردات و12%على الصادرات.
أما عن الأنهار في العموم طرابلس الغرب لا توجد انهار حقيقة. وتجري اشهر الوديان من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي إلى خليج سرت الكبير وهما واديا سوف الجين وزمزم.ويتلقى سوف الجين روافده من الطرف الجنوبي للجبل ويأتي بعضها من طرف الحمادة الحمراء ومن هذه الأخيرة وجبال الهروج ينطلق وادي زمزم، وادي الخيل الذي يدعي في مجراه الأسفل وادي ألبي، وعلى الأغلب يوجد في صحراء سرت وديان أطول، ومن هذه نذكر منها الهراره والشفة،وان الوديان الموجودة في الصحراء مثل وادي الشاطئ والوادي الشرقي والوادي الغربي لا يمكن تصنيفها بل هي مثلها مثل وادي القطرون تمثل منخفضات دون مرتفعات . وان برقة التى تتبع سياسيا طرابلس الغرب فهي تشكل منطقة قائمة بذاتها اما عن المعادن في ايالة فيما منجم الكبريت المثمر . في شواطئ سرت الا ان السلطات العثمانية منعت استغلاله . وفي فزان توجد سبخة نطرون وقد وجد في جزء منه طريقة الى طرابلس . ويصدر من هناك في بعض الاحيان كما توجد بعض مناجم البوتاسيوم الا انها لم تستغل . أما عدد السكان في منطقة طرابلس فانه يصعب جدا تحديده بدقه على انه تتميز ثلاث مجموعات رئيسية وهم العرب والامازيغ والمختلطين في فزان يقطن العرب المدن والسهول الواسعة برقة كما ينتشر الامازيغ في الجبل وغدامس وسوكنة واوجلة أما المختلطون الذين نشاوا عن الزواج بين العرب والأتراك والامازيغ والتبو وغيرهم من الشعوب السوداء فإنهم يسكنون قائمقامية فزان، وقلما يمكن ذكر الاتراك القليلين المقيمين في منطقة طرابلس ويضاف اليهم القوات وهم في الغالب ليسوا من الاتراك واكثرهم عرب من بلاد الشام وكثيرا ما يكونون من الالبان والشركس وحسب الولاية التى يستقدمون منها ومن غير الجائز تماما ما يفعله غالبية الكتاب عندما يطلقون اسم مغاربة على سكان المدن ويعتبرونهم شعبا خاصاً وقد ظهر اسم المغاربة أو المور اولا بعد الطرد من اسبانيا لان الاسبان كانوا قد اعتادوا على اطلاق هذا الاسم على المهاجرين من منطقة موريتانيا ويدعون لوي موروس الا ان هؤلاء الموريتانيين المهاجرين الى اسبانيا كانوا من البربر والعرب وهم اهالى المدن وسكان البلاد قبل وبعد هجرة المسلمين وطردهم من اسبانيا وكان يوجد في شمال افريقيا والجزيرة العربية اهالى مدن وسكان البلاد الا انه من المضحك ان نجعل سكان المدن نوعا خاصا نطلق عليه اسم موروس وماورس ومور ، ولذلك فانه يجدر بنا ان ننبه الى انه لا يجب ان ندعو اهالى طرابلس عربا فحسب بل اهالى جميع مدن الشريط الساحلى الممتد حتى طنجه الواقعة على طريق جبل طارق وهم في غالبيتهم كذلك . ولكن عندما يصر المرء على تسميتهم مغاربة (مور )ويعمم هذا المصطلح على جميع السكان الذين كانوا يقطنون ولاية موريتانيا سابقاً سواء في ذلك كانوا من اهالى المدن او الريف او من العرب والامازيغ ، فانه تجدر الاشارة الى ان المور لم يوجدوا مطلقا كشعب خاص . ويجدر بنا ان نطلق على اليهود شعباً خاصاً ولو انهم قريبون جدا من العرب . وفيما عدا الواحات نجدهم في كل المدن . وحتى الجبل توجد فيه قرى يهودية ، كما انه من الخطا ايضا ان ننظر الى البدو بانهم شعب متميز . وان اسم البدو مأخوذ من البدوي ولا يعنى سوى الارتحال وهولا يعنى على الاطلاق شعبا امازيغيا رحلا او شعبا عربيا رحلا . وفي الغرب او الغرب الافريقي لا يعرف أي مصطلح غير ذلك . وعدا عن ذلك يوجد سود من عموم دواخل افريقيا الا انهم لم يتجمعوا في أي مكان لتشكيل جماعة مالهم يقصد المرء بذلك قرى الاكواخ الصغيرة القائمة تحت اسوار طرابلس وبنغازي وغالبا ما يسكنها السود . فهي افرازات الارقاء والامات الآبقين كما توجد بينهم فيض ممن تقطعت بهم السبل. وسكان طرابلس الغرب هم من الحضر والرحل، ويستقر هؤلاء إما في مدن كبيرة تقع باجمعها على الشواطئ، أو في قري صغيرة في بيوت مشيدة من الحجارة أو الطين أو يسكنون في الجبل في كهوف تحت الأرض، اوكما هو الحال في الواحات حيث يعيش البعض في أكواخ مشيدة من سعف النخيل وإنهم يعيشون من التجارة والصناعة والحرف وزراعة البساتين والحقول والبدو باجمعهم هم من العرب ينزلون الخيام في خيمة واحدة أو في فرق، أو دوار وهذا يعني جمع الخيام على شكل نجع. وغالبا ماتصنع الخيام من شعر الماعز وكثيرا ما يخلط مع وبر الجمل ويختلف شكل الخيمة حسب القبيلة ولها علامات وألوان مختلفة، ويعيش البدو في الأساس على تربية المواشي، الانهم يزاولون أيضا الزراعة، وعلى وجه العموم فان دائرة حركتهم محدودة فلا تستطيع كل قبيلة أن تتوجه بقطعانها حيثما يشاء، ومنذ القديم تعارفوا فيما بينهم على حدود معينة لا يتجاوزونها ولكن لما كان ذلك يقوم على إتقان وعرف فقط فانه غالبا ما تقع نزاعات بشأنها تتطور إلي حرب بين القبائل، ومنطقة طرابلس التي تعتبر ولاية تابعة للحكومة العثمانية حيث تتشكل من سبع ألوية أو نواحي وكان الوالي يتولى المشير تعيين حاكم اللواء ويعين حاليا حكام الأقضية من اسطنبول لكنهم في الأمور الإدارية خاضعون للمشير في منطقة طرابلس والألوية المختلفة هي:
1- طرابلس ذاتها وما يجاورها ( المنشية وتاجوراء)
2- الخمس وهي تضم عرب خليج سرت وجبال ترهونة
3- الزاوية وتضم المنطقة غربي طرابلس حتى الحدود التونسية
4- الجبل ويضم الجبال الواقعة جنوبي طرابلس حتى مزدة
5- غدا مس مع بعض الواحات المجاورة لها
6- فزان
7- برقه وهي تضم مجمل قورينائية القديمة وواحات أوجلة
ويتولى اللواء قائمقام وغالبا ما يحمل أيضا لقب باشا وينقسم اللواءالي مديريات يقوم على راس كل منها مدير.

وطرابلس التى يكتبها غالبية الاوربيين Tripoli , Tripoly اما الالمان فيكتبونها وفقا لكارل ريتر Tripolis ولا اجد أي مبرر لاهمال حرف s في النهاية . وعلاوة على ذلك فان اهالى طرابلس الحاليين يكتبونها " طرابلس " وحسب اقوال الجغرافيين القدامى والباحثين الحديثين فقد بنيت في موضع اويا وعندما دمرت في عهد الخليفة عمر ، شيد العرب مدينة جديدة على انقاضها واطلقوا عليها اسم المنطقة باجمها وليس هناك أي برهان على ان صبراته او اويا قد بدلت اسمها قبل الفتح ، الا انه لدينا العديد من الامثلة التى تبين ان العرب قد اطلقوا اسم الولاية على المدينة فمثلا يطلق اسم اسطنبول على تركيا وفاس على عموم المغرب . واما ان القدامى لم يذكروا مرفا في حالة اويا ربما لانه لم يوجد ميناء طبيعي بجانبها كما هو الحال في طرابلس الان ويرجع الريف الممتد بعيدا الى الشرق من القلعة والجزر الصخرية كان شاطئا.
لم يتبق في المدينة شئ من العصور القديمة سوي قوس النصر الجميل الذي شيده سكيبيوس دفريوس ( حسب بارت في زمن نائب القنصل كايو اورفيتوس) في عهد الانطونيين ماركوس اوريليوس فيروس. وهذا القوس وحده يشير إلي مدينة كانت تقوم هنا، وقد شيد بعناية بالغة من قطع مرمرية كبيرة الاان أكثر من الثلث مطمور في الردم والرمل، ومن الجانب الخارجى تشاهد اشكال نساء ورجال وهي تمثل مشاهدا وأحداثا تاريخية والنقش في الجانب الشمالى غاب نصفه نتيجة البناء على وجه العموم فقد طرا تغيير نتيجة البناء . وفي السابق كان يستعمل حانه لتناول الكحول يقوم عليها مالطي ، الا انها استبعدت حاليا ولم يحصل ذلك نتيجة اهتمام بالاعمال الفنية القديمة بل لانه يوجد قانون عثماني قديم يحظر بموجبه فتح حانه الا على مسافة معقولة من الجامع . ورغم استمرار الجامع والحانه متجاورين بسلام طوال سنوات فقد وجد ان جامع الحاج علي قرجي اقرب الى الحانه مما يسمح به ولذلك فقد كان من السهل اصدار الامر بالاغلاق الا ان السبب الحقيقي وراء ذلك ان طلاب الجامع كانوا يطلبون الكثير من كؤوس العرق مجانا . ولما كان صاحب الحانه لا يرغب بالحاق الضرر بنفسه لم يشا ان يناول هؤلاء فوجدت هيئة العلماء بسرعة السبب القانوني لازاحة الحانه من هناك . وعندما ما قص علي ذلك صاحب الحانه السابق فكرت مليا قائلا ان كل شئ مثلما عليه الحال لدينا حاليا ويمكن ان يفتش المرء عن الاثار القديمة في الجوامع على ابعد حد كما يوجد في كثير من زوايا الشوراع اعمدة وقد اصبحت جزءا من البناء وتحمل في الغالب تيجانا كورنتية ووظيفتها الحفاظ على زوايا البيوت من التناثر . كما توجد بعض الاحجار تحمل نقوشا مطموسة وحجرة من حجارة مذبح في السور الشمالى هذا كل ماتقدمه طرابلس للعين المجردة ويجب ان لا نفغل ذكر ما قام به القنصل العام الانجليزي السابق السيد وارنجتون عند بناء بيته في المنشية فقد عثر هناك على بعض القطع الزجاجية النفيسة وهي الآن في المتحف البريطاني بلندن.
يحد البحر طرابلس من جهتي الشمال والشرق وهي مخمس تقريبا ويحيط بالجوانب الثلاثة الاخري سهل من الرمال وليس ثمة خنادق من جهة البر على أن الاسور مرتفعة ومنحدرة ولو أنها الآن تكاد تكون متداعية بحيث تخرقها طلقات البنادق، وفي السابق كان للمدينة حصنان قويان، في الزاوية الشمالية الشرقية ويدعي الحصن الأسباني وقد انفجر في عام 1863 والحصن في الزاوية الجنوبية الشرقية الذي حول بناؤه منذ سنوات إلي قصر للحكومة، وثمة حصنان منفصلان يقوم أولهما شمال المدينة على جزيرة صخرية، ويدعي الحصن الفرنسي والحصن الأخر في الشرق ويقع على شاطئ المنشية ويسيطر على مدخل الميناء ويدعي الحصن الإنجليزي وهما منهاران تماماً وعلى أساس هذا الوصف يتضح انه رغم أن المدينة تبدو من بعيد وكأنها متماسكة وحصينة الاانها ليست قوية، أما في السابق لم يكن لها سوي بابين أولهما في الشرق عند رصيف الميناء وثانيهما في الجنوب ويفتح باتجاه المنشية ويوجد الان بالإضافة إلي الباب الجنوبي باب أخر وباب رابع يخترق السور الغربي، والمرفأ الواقع في شرق المدينة محاط بالريف الذي ينطلق من الحصن الأسباني ويسير موازيا للشاطئ. ولا تبقي سوي الجهة الشرقية مفتوحة وبجهد ضئيل يمكن أن يصبح واحداً من أوسع المرافئ وأكثر أمانا على الشاطئ والمدينة تنقسم إلي خمس حارات وغالبا ما يسكن اليهود الحارة الشمالية الغربية والحارة الشرقية أي الواقعة على البحر يسكنها غالبا النصارى وفي السابق كان اليهود يعيشون في محله تدعي هنا الحارة الاانهم الان يقطنون مختلطين مع المسلمين والنصارى، وشوارع طرابلس عريضة ونظيفة ومنذ القديم تتمتع طرابلس بهذا الصيت فقد وصف ليون الإفريقي بيوتها بأنها جميلة إذا ما قورنت مع بيوت تونس ويمضى بلاكبير بعيدا بحيث يزعم بان المدينة من حيث بناء بيوتها ونظافة شوارعها تعتبر نموذجية لمدن أوربية واقعة على البحر المتوسط وتتألف بيوت المسلمين في الغالب من طابق واحد وهي وضاءة مطلية باللون الأبيض من الخارج وجميعها ذات سطوح مستوية، وفي وسط كل فناء كبير يؤدي إليه ممر متعرج ذو بابين يؤديان إليه من الشارع بحيث إذا دخله الغريب لا يبلغ نظره إلي فناء البيت. ولو كان البابان مفتوحين، وفي هذا الممر يعمل على الدوام مصطبتان حجريتان حيث يستقبل رب البيت زيارات العمل، وفيها عدا ذلك يقيم رقيق وخدم البيت. واعلي البيوت مزودة بنوافذ ذات شباك من جهة الشارع وتطل جميع الغرف على الفناء من خلال أبواب عالية ذات أقواس مغربية وهي دائما طويلة وضيقة وتنفتح الغرف العلوية على ممر ينزل إلي الفناء السفلي بدرجه المتعرج ويمنحه في ذات الوقت الظل. وفي جميع بيوت المسلمين بعض قطع الأثاث الأوربية على الأقل، وأما بيوت التجار الأغنياء والموظفين فهي مؤثثه بأكملها على النمط الأوروبي. ولا تختلف بيوت الأغنياء اليهود في أي شئ عن البيوت الأوروبيةولا تختلف بيوت فقرائهم في شئ عن بيوت المسلمين اللهم الا في زيادة وسخها . وفي كل بيت وحتى في اصغر البيوت صهريج (ماجل) يجمع فيه من السطح ماء المطر العذب وهو يكفي في الغالب استهلاك البيت من عام إلي عام ويستخدم في الغسيل وغالبا في الطبخ. ومن ألابنيه في طرابلس قصر الباشا (السرايا الحمراء) وهو مبني غير منتظم، خلو من أي فن معماري وهو ثكنة وسكن للحريم ويضم العديد من منازل الموظفين. ولا يتميز أي من الجوامع الخمسة الرئيسية بجماله وحتى جامع على قرجى الجديد الذي شيد في الثلاثنيات من هذا القرن لا يتسم بذلك الا انها جميعا زينت من الداخل باعمدة اغريقية ورومانية مينوليتية من الصخر الفرفيري واما النصارى فلهم كنيستان احدهما كاثوليكية والثانية اورثوذكسية ويرتبط بالكنيسة الكاثوليكية دير الفرنسيسكان وهو من اقدم الاديرة في افريقيا اذا ما استثنينا الاديرة القبطية المصرية . ويعود تاريخ تأسيسه الى فترة حكم فرسان مالطا في طرابلس . ولدى الرهبان مدرسة لاطفال الاهالى المسيحيين ويتولى بعضهم فرائض الصلاة والاخرون حرفيون ورئيس الدير يحمل لقب بريفكت ( مقدم ) وهو بدرجة اسقف وبصلاحياته يبلغ دخل الدير من معونة مالية قدرها 20,000 فرنك سنويا ومن عائدات التعميد والزواج وغيرها ويضم الدير مستشفى تقوم على ادارته راهبات يسوعيات ويستقبل المستشفى مرضى من اتباع جميع الاديان . وليس للعثمانيين سوى مستشفي عسكري يقع خارج المدينة وهو فيما عدا ذلك مؤثث جيدا ويستطيع استيعاب 120مريضا وهو مفتوح للمدنيين في ظل ظروف معينة. واما الضيوف الاوربيون فانهم ينزلون في نزل واحد وحتى لاولئك الذين يكتفون بمطالب متواضعة لا يوفر اسباب الراحة . وهناك العديد من الفنادق المجهزة تجهيزا جيدا تؤمن حاجة المسلمين إلي المأوي لفترة من الزمن وليس في طرابلس بازار حقيقي الاان شوارع كاملة تشكل أسواقا فمثلا يولي الاهتمام في سوق الترك للتبغ والأفيون والقهوة والأشياء الرفيعة الشأن وفي شوارع أخري مثل القيسارية تباع بصورة رئيسية الأقمشة المحلية وقطع الملابس أما جماعات النجارين والحذائين والسراجين والحدادين فقد خصصت لهم شوارع خاصة وعلاوة علي ذلك توجد دكاكين أوربية كبيرة، حيث يمكن شراء كل شئ منها. وتوجد ثلاث صيدليات لسد حاجات المرضي من الجمهور وخصصت حمامات للنظافة كما توجد العديد من الحانات للخمر.
أما النظام الأمني في المدينة فيتولى أمره الشرطة ولوانهم لا يلاحظون أثناء النهار بل يقومون غالبا بدورياتهم ليلا وعدا عن ذلك يوجد مخفر شرطة رئيسي وحراسة جمركية وحراسة للسراي، ويتولى شيخ البلد أعلى دائرة للبلدية.
وسلع التصدير الرئيسية هي الحبوب والزيت والفواكه والتمر والبرتقال الليمون الحامض والفلفل الأحمر والمواشي والصوف وجلود مذبوغة والسمن والعاج والشمع وريش النعام وغبار الذهب والرقيق وشئ من الصمغ العربي والسنا والنيلة والنطرون والإسفنج والمصنوعات اليدوية مثل الحصر والسلال والسجاد وقيمة هذه الصادرات تبلغ في تلك الفترة حوالي 5.000000 فرنك فإن الحبوب وحدها تشكل نصف هذا المبلغ يليها الزيت وعاج الفيل والرقيق وغبار الذهب والصوف والمواشي . أما سلع الاستيراد فهي قماش الكتان المالطي والمحمودي من إنجلترا والمناديل والأقمشة الحريرية والمخملية وخردوات ومواد غذائية والقهوة والسكر وصبغات وخمر وكحوليات والتبغ والكبريت والخشب والمعادن والأسلحة والجلود المصنعة والورق وسلع نوربنرغ ، والبورسلان واللؤلؤ الطبيعي واللؤلؤ الزجاجي والحلي والفضة والساعات والأثاث وغيرهم من المصنوعات ومن هذه الأشياء فإن الأهم هو الكثان والأقمشة الحريرية ثم تليها الخردوات والمواد الغذائية والمعادن وسكر . وعلاوة علي ما يشترى ويتجر به يومياً ينعقد أسبوعياً سوقان أمام أبواب المدينة وهما سوق الثلاثاء أمام الباب الجنوبي للمدينة وسوق الجمعة أمام الباب الغربي ويجتمع يومياً آلاف الأشخاص من جميع أرجاء المدينة وهي تقدم في هذه الأيام واحدة من أهم وأطرف الصور التي يمكن تصورها عن الحياة في إفريقيا ولم يعد يباع الرقيق علنا إلا أنه في السر وعلى علم من القنصليات.

هينريش فون مالتسان " 1826-1847 .
ولد هينريش فون مالتسان قرب مدينة درسدن من أب ألماني وأم إنجليزية، فقد عاش مابين إنجلتر وألمانيا والنمسا. بعد وفاة والده، تعلم العربية، والعبرية أثناء دراسته الجامعية كما أبدى اهتماما كبيراً بدراسة الآثار القديمة في حوض البحر المتوسط. لقد عاش في الجزائر في خمسينات وسنيات القرن التاسع عشر وتجول في مختلف أرجائها كما زار المغرب ونشر عدداً من الأعمال الهامة عن الجزائر واعتنى بالأدب الشعبي الجزائري .
وجاء اهتمامه بليبيا من خلال رحلتين الرحلة الأولى كانت في 1853 وقد شملت تونس والجزائر ووصل إثرها إلي طرابلس. أما عن زيارته الثانية فكانت ما بين 1868- 1869 ووصل في نهايتها إلي طرابلس 1869 ومكث فيها حوالي 4 أشهر شملت زياراته ضواحى طرابلس آثار صبراته مروراً بجنزور والزاوية تم عاد إلي طرابلس ليغادرها إلي مالطا. كما قام بزيارة الديار المقدسة في "مكة المكرمة" 1860 وهو متنكر بأنه حاج جزائري وادى معظم مناسك الحج.
أما عن مؤلفاته قام بنشر كتابين أدبين أولهما أصداف الحجاج قصائد سائح وقد صدر 1863 وقبر الرومية وهي أسطورة تدور حول الجزائر ومن مؤلفاته رحلة حجى إلي مكة وصدر 1865 وفي سنة 1868 ونشر كتاباً بعنوان رحلة إلي جزيرة ساردينيا 1864 وهو يوثق النقوش الفينيقية التي وقع عليها في الجزيرة واما تقارير رحلته في تونس وطرابلس فقد نشرها في 1870 أي بعد مغادرته طرابلس بسنه بعنوان " رحلة في ايالتي تونس وطرابلس وهو يدرس في الجزء الثالث منه طرابلس وتاريخها واحوالها في النصف الثانى من القرنالتاسع عشر. كما قام مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية بنشر الجزء الثالث المذكور بعنوان "في رحاب طرابلس وتونس دراسة و ترجمة د. عماد الدين غانم . ويعتبر هذا الجزء فيها يخص طرابلس اشمل تقرير عن المدينة وتاريخها ومواقعها العمرانى والاقتصادى والاجتماعى والثقافي. وينفرد في ذكر قضايا لا نجدها لدى سواه مما يدل على العلاقات الواسعة التى استطاع التحرك في نطاقها وبذلك فإن كل من كتب عن طرابلس من بعده حول على ما وجده في كتابه .
يرى فون مالتسان ان الاسم الحالى طرابلس أنه يعود إلي زمن متأخر وكان يطلق في العصر القديم علي المنطقة التي تضم المدن الثلاثة والتي دعيت كذلك حسب المراكز السكنية الكبيرة فيها وهي صبراته وأويا ولبده.وإن موقع اثنين من هذه المدن كان معروفاً منذ زمن بعيد، الآ أن موقع أويا مازال موضع شك ناجم بسبب بيانات المسافات طريق أنطونين . ويشير فون مالتسان الى . أننا نمتلك قطعة نقدية فينيقية التى يقرا عليها بوضوح بالكتابة أسم ( أويا مدينة مكار ) وبذلك يبرز لدينا أيضاً الأصل الصوري للمدينة إذ أن مكار هو الإله الرئيسي لدى الصوريين ويجري تقديسه في جميع مستوطناتهم،وبذلك يتوضح لدينا ايضاً الاسم الوارد في جدول الابعاد البحرية الكبيرة حيث فتشنا عبثاً عن ووجدنا موضعها مكارايه وهذا يعني مدينة مكار يرى جوداس في دراسته عن اللغة الفينيقية أن مكاراية مدينة أخرى غير أويا بجانبها وتتبعها. وأن مكاراية كانت تقع في موقع طرابلس الحالية وأن وأن أويا ومكاراية هما مدينة واحدة.
لاشك أن الاسم الفينيقي لاويا كان معروفاً لدى الرومان الذين كانوا يجدون صعوبة في نطق العين في بدايته وانعكس هذا على صورة كتابتها فبلينييوس يكتبها أويا. وأما بطلميوس فيكتبها هوا Heoa وهذه جميعها ليست صحيحة، إلا أن طريقة الكتابة الأولى سادت في وقت متأخر من العصر الروماني وهي تظهر في البيت المشهور من قصيدة سيبلوس ايتاليكوس بصيغه أوئيا Oea
Oeaque trinacrios Afris permixta colones
ولكن كيف ينطق الاهالى هذا الاسم في هذا المجال يبدو أن الجغرافي العربي أبا عبد الله البكري يقودنا إلى وضع يدنا على ذلك فهو يروي أن طرابلس كانت تدعي في السابق مدينة أناس وقد اقترح بارت أن تقرا أياس أو أناس لانها غير منقوطه. ولكننا يمكن أن نقرأها أيضا أيَاش أو أيَاس، وبذلك نقترب من الكتابة الواردة على العملة التي تحمل أسم أوياث والخلاف هو الحرف الوحيد في العربية أوياس و أوياش وفي الفينيقية أوياث أي س أو ش عوضا عن ث. وبالإضافة إلي ذلك فان البكري يشتق أسم طرابلس اشتقاقا صحيحا من أصله الإغريقي وأثبت انه جغرافي ثقة .
لكن متى ظهر هذا الاسم طرابلس وأطلق على المدينة لم يكن بوسعه، مثله في ذلك مثل غيره، أن يقول شيئا، ويعلق بيتشى أهمية بالغة على الاسم الذي يطلقه الأوربيون حاليا على آثار صبراته وهو طرابلس القديمة ويعتبره أنه اسم المدينة الذي أخذت في البداية أسم المنطقة ولكن هذا الاسم أطلق بعد خرابها على طرابلس الحالية . إلاأنه ليس هناك ما يثبت أنه كان دارجا في البلاد (العرب لا يستخدمونه على الإطلاق) ولا يطلق على صبراته ، ولو أنه منذ قرون عديدة يجب أن يكون قد استعمله بحارة أوروبيون واننا نجد أمثلة على هذه التسميات السطحية على سبيل المثال إطلاق أسم أفريقية على مدينة واحدة هي المهدية .
لاتذكر قوائم الأسقفيات أسم أسقف طرابلس مطلقا، ويمكن تفسير ذلك لأن طرابلس في العصر القديم لم يكن أسم مدن، ولم يكن الأساقفة يحملون لقبهم نسبة للولاية بل المدينة، وبالمقابل نجد أسم ثلاثة أساقفة لاويا ناتاليس سنه (255م) وماكسيميانوس الدوناتي سنه (411م) اللذين حضرا المجمع الكنسي برئاسة كبريان وأغسطينوس وكذلك كرسكونيوس الذي عاني كثيرا نتيجة للاضطهاد الفاندالي في ظل غيزيخ ، واما أسم طرابلس الذي أطلق على الولاية فأنه يرد لأول مرة عند بومبونيوس ملا ، ولانجد أسم الولاية الطرابلسية إلا في وقت متأخر جدا ففي القرون الأربعة الأولي بعد سقوط قرطاجة كانت هذه الولاية من ضمن الولايات الرومانية ويعزومانرت إلي الإمبراطور سبتيموس سفيروس الذي يعود أصله إلي لبدة ، تأسيس ولاية طرابلس، إلا أنه يظهر من كلمات اوريليوس فيكتور التي ترد لديه في هذه المناسبة أن اسم طرابلس كان سائدا منذ وقت بعيد ويطلق على الولاية على أنه كان أسما متداولا لدى الشعب.
لا يزيد عدد سكان طرابلس عن خمسة عشر حتى ثمانية عشر ألف نسمة، وهذه المجموعة السكانية القليلة تسكن باكتظاظ إلي جانب بعضها البعض ، لان طرابلس تتميز عن غيرها من المدن الإسلامية على سبيل المثال تونس والجزائر ، بأن بيوتها لا تنتشر داخل إطار سور واسع نسبياً ، بل تمثل كتلة مترابطة ، لابل معظم أبنية المدينة تظهر متداخلة تداخلا كبيراً حتى نكاد تختفي معماريا ً، لان الكثير من الشوارع تظللها أعداد كبيرة من الأقواس التي تربط البيت مع البيت المقابل له ، وهذا ما يظهر بالطبع في الشوارع الأضيق التي تدعي زنقه ، انه اسم يطلقه الجزائريون على شكل شارع كبيراً كان أم صغيراً . وأما شارع فيطلق في طرابلس على الشوارع الأكبر التي لا تحف بها الدكاكين، وبالتالي لا تحمل اسم سوق .
أن الداخل إلي المدينة عبر باب البحر يجد أمامه مباشرة شارعين من النموذج المذكور يؤدي أولهما إلي وسط المدينة بينما يمتد الثاني على طول البحر وتحف بالشارع الأخير البيوت عن جانب واحد فقط إذ تحف بالجانب الأخر سور المدينة من جهة البحر وهو منخفض نسبياً وقد زود على ارتفاع قامة بطريق للمشاة يستمر على طول المدينة حتى يصل إلي السراي الواقعة في الجنوب الشرقي من المدينة .
تتسم البيوت المطلة علىالشارع بأنها جمعياً جديدة وشبه أوربية وبنيت على نسق بيوت المدن الكبرى ، وغالباً ما يتخذهاالأغنياء الاوربيون والقناصل والتجار لسكناهم . وربما كانت مثل هذه الشوارع قليلة في العالم فهو يوفر لساكنيه الموقع الممتع ، إذ يقرن بين الاطلاله الرائعة على البحر الذي لا يبعد سوى بضع خطوات وبين أنسب الشروط الصحية . ومن حسن الحظ أن سور المدينة من جهة البحر ليس مرتفعاً وبذلك لا يحجب الشمس في الشتاء عن البيوت ، كما انه لا يعيق الهواء البحري صيفاً وبذلك تعتدل الحرارة والبرودة وبالإضافة إلي ذلك فان أرضية الشارع حجرية ممتازة ليس عليها أي اثر للروث أو حفر الماء التي أعيت أهالي تونس . ينتهي هذا الشارع قرب السراي حيث يقوم برج الساعة وهو مبني لطيف جداً يتكون من ثلاثة طوابق ، وتحيط بالطابق الأسفل منه نوافذ زجاجية وقد خصص جزء منه دكاكين للساعاتين ، ويتخذ الجزء الأخر لاستراحة بعض الوجهاء العاطلين ، ممن يرغبون في مشاهدة حركة الأسواق المتنوعة، واما الطابق العلوي فهو يحتوي على الساعة البرجية الأولي التي أنعم بها لأول مرة على الإطلاق على طرابلس ، والساعة ذاتها تعطي التوقيت تبعاً للطريقة العثمانية ، في حساب ساعات اليوم وهي تشبه الطريقة الايطالية القديمة . فهي تبدأ بحساب اليوم مع غروب الشمس ، وانطلاقاً من هذا الميدان يتفرع الشارع إلي شارعين يسيران متوازيين لبعضهما ولا تفصل بينهما سوى مسافة قليلة ويؤديان إلي بابي المدينة في الجهة الجنوبية الشرقية الواقعين إلي جانب بعضهما وهما باب الخندق وباب المنشية والشارع الأول يسير إلي جانب السراي وهي كتلة بناء غير منتظمة تقع بين الشارع المذكور وسور المدينة والبحر وتقوم على نتوء صخري وتبدو وكأنها تشكل مدينة صغيرة منفصلة .
وإذا ما عدنا إلي ميدان برج الساعة الواقع خارج قصر الحكومة فإننا نجد علاوة على الشارعين اللذين وصفهما ثلاثة شوارع أخري، تنطلق من هذا الميدان يدعي أحدها الخردجية ويؤدي إلي باب المنشية ، بالإضافة إلي الدكاكين التي تحف به من الجانبين ،كما يوجد سوق آخر كبير هو سوق الحرارة أي حاكة الحرير، ودكاكينهم تمثل في الوقت ذاته ورشة صنع الحرامات الحريرية وشبه الحريرية (وهي قطعة قماش مربعة يلف بها الرجال جسمهم ثلاث أو أربع مرات ) وهي تحل في طرابلس محل البرنس الذي يسود ارتداؤه هنا. وهذه الأقمشة الحريرية تشكل تقريباً المنتوج الوحيد الذي تنتجه صناعة الطرابلسيين العصرية إلي جانب ذلك يقوم سوق يدعي سوق اليهود، وان اسمه يدل بما فيه الكفاية على جماعة الباعة غير المتجانسين الذين يمتلكون دكاكين هنا.
إن اليهود لهم حيهم السكني الخاص بهم ، في هذه الدكاكين تعم الفوضى التامة في أصناف البضائع. وحسب اعتقادي ليس من السهل العثور على سلعة ، لان أولاد اليهود ليس بوسعهم أن ينتجوا وفق الطلب ، وإذا لم تكن متوفرة لديهم فان هؤلاء المتقنين يستطيعون أن يبرزوه في أسرع وقت الأمر الذي يثير دهشة المشتري . إن تكملة هذين السوقين (سوق الحرارة – سوق اليهود) يشكل الحي الذي ينبض بالحركة حومة غريان وهو يمتد حتى الباب الجنوبي الغربي من المدينة وهو الباب الوحيد الذي يمكن أن يقال انه ينفتح على جهة البر لان الأبواب لا تبعد عن البحر وان اسمه الباب الجديد يدل على انه قد شيد حديثاً .
في هذا الحي حي اليهود سوق تباع فيه السلع اللازمة للحياة اليومية من مواد غذائية ويتميز هذا السوق بأنه مفتوح طوال النهار وفي الغالب يستمر حتى وقت متأخر ليلاً وهذا الوضع يؤدي إلي أن يدب النشاط في هذا الحي .
كما توجد مجموعة من مواضع البيع في العراء حيث تباع سلع من الخضار حتى الشباشب العربية إذ تباع كل السلع المتداولة تجارياً .
وعلى هذا الشارع الحافل بالحركة يقوم المسجد الجامع أحمد باشا القرمائلي في طرابلس وله مدخل على هذا الشارع ومدخل آخر على سوق مسقوف انه سوق الرباع ويطلق عليه عادة سوق الربع الذي يضم حوالي خمسين من دكاكين التجار ومن بينهم التجار ألجرابه النشيطون الذين يتخذون المكانة البارزة ويعرضون القطع الجميلة المنوعة التي تحتاجها الكسوة العربية والشارع الأخر فانه يسير موازيا للشاطئ وللشارع البحري وهو الأول الذي انطلقنا منه والشارع الثالث يمثل قاعة مقببة تنصل مع سوق طرابلس الرئيسي ويدعي هذا في طرفه الشرقي سوق الترزية (الخياطين) وفي وسطه سوق الترك وفي طرفه الغربي تنطلق منه العديد من الفروع وتطلق عليه أسماء عديدة يسهل تفسير بعضها مثل زنقة الحمام إلا إن بعضها يبدو وكأنه قد التقط التقاطاً مثل زنقة الخمري ، الاان أطول وأهم الأسواق هو سوق الترك وهو لا يشبه سميه في تونس ، حيث قضي اليهود تماماً على الترك وفي الواقع يقدم هذا السوق بريق تلك الحياة التجارية الناشطة في جميع الشرق . وانه بتنوعه وأصالته يتمخض عن العديد من المظاهر الطريفة ، وان أول شئ يسرنظرالزائر في السوق هو تلك النظافة الفائقة التي يحظي بها بلاط الطريق المأخوذ من أحجار رملية كبيرة ، ثم يمتع نظره بالمنظر المتنوع الذي يتحرك أمامه مثل صندوق الفرجة .أن الدكاكين في هذه الأسواق تعرض أصنافا من البضائع تمثل جميع المنتوجات التي تصنع في الشرق ، وبالطبع تسود المنتجات التركية . وأما الأخرى فأنها أسما وشكلاً تركية وبالطبع لا تفتقر هذه الأسواق إلي مقاهي وهي عبارة عن حجرات عارية ذات مقاعد وضعت عليها حصائر من القش وهذه الحجرات تمتلئ بالزبائن في النهار ويمثل حيوية السوق وتوجود مجموعة مميزة من الفنادق حيث يستأجر الغرباء مخازن البضائع وغرفاً لهم وهذه الأبنية مربعة الشكل ذات فناء كبير تحيط به أعمدة وحولها مخازن في الطابق السفلي وغرف في الطابق العلوي. وان بضائع بلاد السودان المتنوعة تكوم في هذه الفنادق وتباع فيها .
وإن الحي العربي والتركي الأكثر ازدحاما حيث يتخذ أيضا الأعيان والتجار والأغنياء منازلهم
ويقع سوق الحرارة المذكور ويمتد من السوق حتى سور المدينة الجنوبي وهذه البيوت تشبه إلي حد بعيد البيوت في تونس ولا شك أن تلك الصفوف الجميلة من الأعمدة تعلوها أقواس على شكل حدوة الحصان وقد زخرفت زخرفة كثيفة تشكل حليه البيوت المغربية القديم في الجزائر والتي نجدها أيضا في تونس ولو أنها نادرة ، هذا النموذج مفقود هنا تماما .
وفيما عدا ذلك فإن مخطط البيت واحد إذ تحيط بوسط الدار ( الفناء ) ثلاث إلى أربع حجرات في الطابق الأرضي ومثل هذا العدد في الطابق الأول وفي بعض الأحيان تقوم من جهة أو جهتين أعمدة حول الفناء إلا أن هذا لا يتكرر في الطابق الأول بل تقوم مكانه دعامات خشبية ومن بين هذه الطريقة الفقيرة في البناء تشكل الفنادق والقليل من البيوت الكبيرة استثناء إذ تحيط بآفنيتها الواسعة في الطابقين أعمدة وأقواس إن المخطط في عمارة البيوت يسير على وتيرة واحدة ويتوضح ذلك في حقيقة أنه على الرغم من اتساع البيت المصمم بحيث يضم عدداً أكبر من الغرف ، إلا أن عددها ظل أربعا في كل طابق ووضعت في كل جانب غرفة مثل اصغر البيوت العربية وبالطبع فإن هذه الغرف كانت كبيرة جداً إلا أن اتساعها كان بحجم بأن وضعت في الزوايا ألواح خشبية تحد حجرات النوم ، وأن هذه الألواح الخشبية تشكل زوايا غربية وجعلت على ارتفاعات متباينة وتؤدي سلالم صغيرة من واحدة إلى أخرى بعضها ذو درجات قليلة ، وبعضها ذو درجات كثيرة ومما يلفت النظر بصورة بالغة السقف ، فقد غطى بخشب مزخرف زخرفة تختلف عن الزخارف المغربية ، إنه يقلد أشكالا نابذة ويدعى نقش الحديد . وهذا النوع من زخرفة السقوف الذي يسود في القصور المغربية القديمة والحديثة من مراكش حتى تونس تتخذ من الحمراء في غرناطة قدوته وكذلك من القصر في اشبيلية ، أن هذا اللون يوجد أيضا في هذه الحجرات الطولانية التي تختلط فيها العناصر المشرقية والمغربية . ويكمله صنف آخر من الديكور يذكرنا بحيوية بتزويق القاعات الرومانية في القصور والحمامات وغيرها من الأبنية الفاخرة .
إن جميع الأبنية العامة عثمانية باستثناء بعض الجوامع مثل الثكنات والتحصينات والبطاريات التي تبدو إنها تحمى المدينة بصورة ممتازة من جهة البحر بينما تتطلب الأبنية من جهة البر الكثير من العناية مثل السجون والمستشفيات وغيرها ولو أن هذه الأبنية لم تشيد جميعها من جانب العثمانيين، إلا أنها تحمل طابع شخصيتهم التاريخية الحضارية والذي لا يمكن تجاهله وإنها تلفت نظر الغريب الذي لا يعرف سوى الطابع العربي وبذلك فإنها ذات وقع سلبي إلا أن ما يعتبر بالغ الندرة هو وضع الجوامع وعلى الأقل أكبر الجوامع واجلها التي تتبع المذهب الحنفي ليس له أتباع في صفوف العرب في الشمال الأفريقي . أن الحنفيين بما لهم من غلبة وباعتبارهم الحكام وجدوا بالطبع أن الانصياع لا يتناسب وقدرهم وهكذا أصبح مذهبهم خلال القرون المذهب المسيطر ودفع بالمذهب الآخر إلى المكانة الهامشية وبذلك أصبحت الآن جميع المساجد الكبيرة والفخمة في طرابلس في حوزة المذهب الحنفي وهي المساجد الوحيدة التي تمتاز بمآذنها البرجية ذات العمارة المشرقية التي وصفناها ولا يقل عدد جوامع الحنفية في طرابلس عن ثمانية ولم أضمن هذا العدد المساجد الصغيرة والزوايا التي توجد بأعداد كبيرة في كل مدينة إسلامية ولا اعتقد أنه من باب الحشو إذ ما أوردت هنا أسماءها وأن أعلاها شأناً وأفخمها:

1) جامع أحمد باشا – أحمد باشا القرمانلي وقد شيد في العام 1737-1738 م وقد بناه هذا الأمير القرمانلي الذي أمن لأسرته حكم البلاد وراثيا في مطلع القرن الثامن عشر ولا تمثل عمارته ما يثير الانتباه وهو مثل بقية جوامع طرابلس . فقد شيد على أساس ابسط نماذج المشرق إننا نفتقد هنا تماما تلك النماذج التي بنيت في اسطنبول مقلدة مخطط كنيسة أيا صوفيا البيزنطية ، وعلى العكس من ذلك تتكون هذه الجوامع كافة من قاعة مربعة بسيطة تقترب في شكلها من البناء المربع الذي تحمل سقفه أعمدة يشتم منها أنها من العصر القديم . أما داخل جوامع طرابلس فيما لو سمح لي بدخولها فلن يكون بوسعي الحديث عما ماهو ذو أهمية فإن بيوت الصلاة تكاد تكون خاليا من الزخرف وهي مفروشة بحصر من القش وربما بأبسط الفرش .
2) الجامع الثاني من حيث الكبر يدعى جامع سوق الترك لأنه يقع في هذا السوق إلا أن اسمه الخاص جامع شايب العين {1689-1701} وشيده الوالي محمد باشا الملقب بشايب العين .
3) أما جامع سيدي درغوت فهو أصغر في مبناه وأعظم في صيته وقد سمي نسبة إلى درغوت أو درقوت الشهير باعتباره احد غزاة البحر الشجعان الذي أثار الاضطراب في الشواطئ في عهد شارل الخامس واخضع طرابلس لسيطرته وهو على الأغلب أقدم جامع لمذهب الحنفي في طرابلس .
4) جامع الحاج مصطفى قرجي عادة ما يدعى ببساطة القرجى ، ويتميز بشكل يشبه نظام المبنى المركزي وبزخارفه الكثيفة التي تتشكل من المرمر والقيشاني كما يختلف عن الجوامع الأخرى أنه يمكن الدخول إليه من الشارع مباشرة دون المرور بالأفنية الأمامية ويعود بناؤه 1833-1841 .
5) إن جامع محمود ليس بعيدا عنه وهو بيت عبادة وبسيط يقع وسط فناء تحيط به أسوار عالية .
6) جامع الخروبه.
7) وجامع الدروج.
8) جامع سيدي سالم المشاط.
جميع هذه الجوامع تابعة للمذهب الحنفي ، وتتميز بمئذنتها ذات الطابع المشرقي ، على أنه في بعض الحالات تتخذ شكلا معدلا ، وهكذا فإن المئذنة في حالة الجامع الأول والثاني والرابع ذات شكل سداسي حتى الشرفة الأولى إلا أن الزوايا معمية إلى درجة أنه تبدو من بعيد وكأنها مدورة .
إن الجزء العلوي منها مدور دائما ويختلف الوضع في حالة جوامع المذهب المالكي الذي يتبعه العرب الحقيقيون وأحفاد البربر المستعربين جميعاً وله في طرابلس عدد كبير من الجوامع . إن مآذن هذه الجوامع تتبع النموذج المغربي القديم المربع الشكل وتتوجه فرضات ويحمل زخارف على الجدران الخارجية للمآذن العريضة .
إلا أن هذا النموذج الذي نجده في المغرب والجزائر وفي بعض أبنية الأندلس في ذروة تطويره وروعته فإنه هنا في ابسط حالاته فالمآذن منخفضة إلى درجة إنها لا تعلو عن الجدران التي تحيط بالأفنية الأمامية وهذا الانخفاض يعود إلى أن الجوامع المالكية تقع في الأحياء البعيدة ، حيث يعيش الأهالي مبتعدين عن الأتراك ، ويتأتى عن ذلك أن هذه المآذن المغربية الأصلية لا شان لها في تشكيل المنظر الخارجي لمدينة طرابلس ، إلا أن المآذن ولا شك قديمة جداً لأنها ذات طابع يذكر بمنظر أبنية العصر الوسيط ، ومن المحتمل أنها قد شيدت قبل مرحلة حكم الانكشارية إن هذا القدم وما يقترن به من تصدع في البناء ، لا يظهر بالطبع من الخارج ، يبين لنا الوضع الغريب التالي الذي لا مثيل له في البلدان الإسلامية وهو أنه ما من مئذنة من مآذن الجوامع المالكية قيد الاستعمال . إذا أن الأذان للصلوات الخمس لا يرفع من هذه المآذن بل من فوق عتبة باب الجامع ، ولذلك تظهر مآذن جوامع المالكية هنا كشواهد تاريخية على زمن كانت فيه السيطرة لأبناء البلاد .
لما كان هذا الوقت قد انقضى منذ زمن بعيد ، فقد هبطت جوامع المذهب المالكي إلى مكانة عديمة الأهمية نسبيا، ولم يكن بوسعي أن أكتشف سوى أربعة منها يحق أن تدعى جوامع إلا أنه يوجد ما يزيد عن عشرين مصلى وترب مرابطين وزوايا تابعة للمذهب المالكي والجوامع هي :
1) جامع الناقة ويعتبر من أقدم الجوامع الذي تعرض للخراب أكثر من مرة ويعود في شكله إلى مطلع القرن السابع عشر .
2) جامع ابن مقيل.
3) سيد عطية الفلاح.
4) جامع العقاب .
وفيما عدا هذه الأبنية المخصصة لإقامة الصلوات ، فإنه يوجد في طرابلس عدة مدارس ومؤسسات دينية التي تشبه المدارس الديرية في القرون الوسطى أو المعاهد الإنجليزية . ويتعلم فقراء المسلمين فيها دروسا دينية وهي العلوم الوحيدة التي مازال المسلمون يهتمون بها وتقدم لهم فرص الإقامة ويتقاضون منحاً في بعض الأحيان ولما كانت المدرسة ذاتها تعتبر مكانا مقدسا أيضا ، فإن المسلمين يعتبرون أنه من المستحسن أن يدفنوا فيها ولذلك فقد نشأت على مقربة من هذه المؤسسات مقابر صغيرة وكبيرة أو ترب وهي تأخذ جزءا كبيراً جداً وتعتبر مدرسة عثمان باشا إحدى أجمل المدارس وتحمل اسم مؤسسها وهو أحد الولاة العثمانيين المشهورين من المرحلة السابقة للقرمانليين وتقع على مقربة من مسكنى ومن جامع درغوت باشا ويتكون في الداخل من وسط الدار ( الفناء) تحف به أعمدة تقوم وراءها غرف الطلاب وفي كل جهة من الجوانب الثلاثة يؤدى باب إلى الهواء الطلق وبالأحرى إلى مقبرة تحيط بهذا المبنى الديني ، وأن الأضرحة ظاهرة من خلال مادة أو حجارة تحمل نقوشاً نقشت بصورة فنية تماماً وفي إحدى هذه المقابر توجد تربة ذات قبة مثنمه من الداخل ومدورة من الخارج يقوم تحتها ضريح قبر مرابط قيل لي إنه ممن درسوا في هذه المدرسة قبل قرون قد قضي حياته في ظل البركة والأعمال العجيبة في المدرسة ذاتها وإن مثل هذه المؤسسات لا تؤمن الطلبة وهم في سن الشباب فحسب بل تضمن لهم طيلة حياتهم المأوى والطعام .
إن عدد قبور الأولياء كثير على وجه العموم إلا أنهم لايتمتعون جميعاً بنفس المقدار من التبجيل ، بينما يوضع ضريح كبار الأولياء في قباب فاخرة لا يقل حجمها في الغالب عن جامع . وعادة ما يجتمع فيها يوم الجمعة عدد كبير من المصلين وكمؤشر على ذلك يثبتون راية أو عدة رايات بيضاء وخضراء فوق الضريح . وأما أضرحة عامة الأولياء قلما تلفت النظر لعدم أهميتها.
ومع هذه الأبنية الدينية سواء كانت جوامعاً أم مدارساً أو ترب أولياء تقوم هنا أيضا كما هو الحال في البلدان الإسلامية الأخرى مؤسسات التعليم العام وجميع ما يوجد منها في طرابلس عديم الأهمية باستثناء مدرسة واحدة إنها مدارس قرآنية عادية وتدرس في أبنية ذات مظهر بالغ التواضع .
تمثل الرشدية حالة استثنائية ، وهي مدرسة أسسها الباشا الذي يدرس فيها بالإضافة إلى القرآن اللغة العثمانية والفارسية التي لا يستغنى عنها علمهم قواعد العثمانية وهذه المدرسة تمثل إحدى التحسينات المختلفة التي تدين بها المدينة لعقلية الوالي علي رضا باشا المتنورة لقد تميز مالتسان عن سواه من الاوربيين الذين زاروا طرابلس ووصفوها انه انفرد في اشارة الى مواضع لم يذكرها سواه ونختار مجموعة منها

 
 المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010