|
|
|  |
|
الصفحة الرئيسية /
شعبة الخرائط التاريخية / مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها ( الحلقة الاولى)
|
|
مشروع توثيق طرق القوافل ودراستها ( الحلقة الاولى)
طرابلس في نصوص عربية وأوربية
التاريخ 06- 5 -2009
 945 مشاهدات
إعداد
د . عماد الدين غانم . د . محمد على الأعور
نجمية الصادق التليسي
إن طرابلس بموقعها المتميز متوسطةٌ الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط وبمواجهتها لقسم كبير من شواطئ أوربا المتوسطية وبمينائها العميق المتميز بحماية لا تتوفر إلا في القليل من مواني الشمال الإفريقي ، وبقربها النسبي من جوف القارة الإفريقية ومراكزها الحيوية ، وبموضعها الذي تزينه واحة واسعة وارفة الظلال وفيرة المياه القريبة من سطح الأرض وبعطائها المديد والمستمر على مدى ثلاثة آلاف عام كانت خلالها مدينة مركزية على صغر حجمها بالنسبة للوظائف التي ما انفكت تنهض بها ، والتي اجتذبت دوماً العديد من العناصر من بيئيات حضارية أخرى افريقية وأوربية وأفسحت لهم المجال التعامل دون تمييز مع أبنائها والأخذ والعطاء. ومثلما كانت صلة وصل مابين أوربا وأفريقيا ومنطلق ونهاية طريق أو طرق القوافل المتوجهة إلى بلدان ما وراء الصحراء حاملة معها المنتجات المحلية والأوربية والإفريقية ومسوقة لها فإنها كانت محطة رئيسية على طريق الحج في حركة سنوية دائبة مابين المغرب العربي والديار المقدسة . كل هذا زاد من أعداد الذين يفدون إلى طرابلس ومن بينهم العلماء والمهتمون برصد ما يجدونه في ترحالهم .
وعلى مدى هذه القرون الطويلة تجمعت نصوص عديدة متباينة الأهمية متفاوتة الحجم بارزة الفائدة لمن يروم تتبع تطور طرابلس والمكانة التي تمتعت بها في المجالات السياسية والاقتصادية والركيزة الاجتماعية والثقافية لذلك . لقد قام الأستاذ خليفة محمد التليسي في كتابه " حكاية مدينة " بتقديم النصوص العربية حول طرابلس وإننا نقدم هنا جملة من النصوص العربية والأوربية في تسلسل تاريخي مع السعي إلى تفادى تكرار المقاطع المتشابهة وهي محاولة لوضع مادة محفزة لمن يروم الاستزادة بالرجوع إلى المؤلفات التي استقيت منها هذه المقتطفات. وحسب تقديرنا فان المادة حول طرابلس في المؤلفات الأوربية حتى مطلع القرن العشرين ـ في أكثرها كتب رحلات ـ لا تقل عن 1000 صفحة شغل الجانب الاقتصادي والاجتماعي جزءاً كبيراً منها . ولو أن العديد من هذه المؤلفات مازال لم يترجم إلى العربية إلا أنها جديرة بان يستفاد منها بلغاتها الأصلية . وان معظم ما نقدمه هنا مأخوذ من الترجمات وجرينا في جمع المقتطفات التي وضعناها أن نقدم أولاً نبذة عن الرحالة ورحلته أو رحلاته والكتاب الذي استقى منه المقتطف . وحاولنا قدر الإمكان أن نضيف مجموعة من الصور التاريخية التي تيسر لنا الحصول عليها ، وركزنا بصورة خاصة على تلك التي وضعها الرحالون الأوربيون في مؤلفاتهم ولنبدأ أولا بالمقتطفات التي استقيناها من المؤلفين العرب وقد اخترنا منهم ما يلي :
1- الإدريسي 493 هـ 560 هـ ( 1100م ـ 1166م ).
2- رحلة التجانى 670 هـ ـ 721 هـ ( 1276 م ـ 1321 م)
3- رحلة العياشي 1037 هـ ـ 1090 هـ / ( 1627 ـ 1679 م ).
4- الرحالة المغربي أبو العباس سيدي أحمد بن محمد الدرعي ( 1647 ـ 1768 م).
5- الرحالة عبد السلام الناصري .
أولاً الإدريسي : ـ ابو عبدالله محمد بن محمد ابن عبد الله بن ادريس الصقلى او الشريف الادريسي عالم عربي ينتمى نسبه الى الحسن بن على وفاطمة الزهراء بنت محمد بن عبد الله ومن هنا جاء لقبه بالشريف لنسبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو احد كبار الجغرافيين كما انه كتب التاريخ والادب والشعر ودرس الفلسفة والطب والنجوم في قرطبة ولـد فـي مدينة سبته فـي المـغرب الاقصي عـام 493 هـ ( 1100م ) ومات 560 هـ ( 1166 م) اهم مؤلفاته نزهة المشتاق في اختراق الافاق وسمى ايضاً كتاب رجار او الرجارى حيث وصف مدينة طرابلس قائلا " مدينة أطرابلس مدينة حصينة عليها سور حجارة وهي في نحر البحر بيضاء حسنة الشوارع متقنة الاسواق وبها صناع وأمتعة يتجهز بها الى كثير من الجهات وكانت قبل هذا مفضلة العمارات من جميع جهاتها كثيرة شجر الزيتون والتين وبها فواكه جمة ونخل الا ان العرب اضرت بها وبما حولها من ذلك واجلت اهلها واقفرت بواديها وغيرت احوالها وابادت اشجارها واغورت مياها واستفتحها الملك رجار في سنة اربعين وخمس مائة فسبى حرمها وافنى رجالها وهي الان له في طاعته ومعدودة في جملة بلاده وارض مدينة اطرابلس عديمة المثال في اصابة الزرع ولا يدري ان على معمور الارض مثلها في ذلك وهذا مشهور معلوم .
ثانياً : رحلة التجاني :هو محمد عبدالله بن محمد بن احمد التجانى ولد بين 670 ـ 721 هـ ( 1276 ـ 1321 ) في مدينة تونس عاصمة الحفصيين ودار ملكهم كان أبوه وجده وابناء عمومته من أهل الأدب والعلم والفقه فقد نشا في بيت عرف بالعلم من الفقه والأدب إلى الشعر إلى التاريخ قام برحلتة في البلاد التونسية والقطر الطرابلسي عامي 706 -708 حيث قدم لنا أوسع صورة عن مدينة طرابلس وضواحيها ويعتبر التجاني أوفي مصدر عن تلك الفترة كما يعتبر من أهم مصادر تاريخ لليبيا وأحوالها العامة في تلك الفترة وقد أعتمد على معلوماته من الدارسون والمؤرخون ومن أهمهم. المؤرخ الكبير ابن خلدون كما نالت هذه الرحلة أهمية كبيرة في الدراسات التاريخية الحديثة سواء عند العرب أو الأجانب.
ويدل وصف التجاني لمدينة طرابلس دلالة واضحة على ما كانت تنعم به من رخاء وازدهار، وما كان بها من معالم تدل على أمجادها القديمة، وما كانت لها من منزلة ضمن المدن الإسلامية الواقعة على البحر المتوسط . فيقول التجاني في وصف لمدينة ،" ولما توجهنا إلى طرابلس واشرفنا عليها كاد بياضها مع شعاع الشمس ويعشى الإبصار فعرفت صدت تسميتهم لها بالمدينة البيضاء وخرج جميع أهلها مظهرين للاستبشار رافعين أصواتهم بالدعاء وتخلى والى البلد إذ ذاك عن موضع سكناه وهو قصبة البلد فنزلنا بها ورأيت أثار الضخامة بادية على هذه القصبة غير إن الخراب قد تمكن منها وقد باع الولاة أكثرها فما حولها من الدور التي تكتنفها الآن أنما استخرجت منها ولها رحبتان متسعتان وفي الخارج منها المسجد المعروف في القديم بمسجد العشرة لان عشرة من أشياخ البلد كانوا يجتمعون فيه للمشورة وذلك قبل تملك الموحدين لها فلما تملكوها ارتفع ذلك الرسم وزال عن المسجد ذلك الاسم .
وكان يقابل هذه القصبة موضع يعرف بالرياض مخصوص بوالي البلد واصله من مباني بنى مطروح رؤساء طرابلس في القديم ويذكر عن حسنه وثماره وضخامة مبانية وهو الان خرب غير ان به اثاراً دالة على مايذكر عنه وقد اقطع هذا الموضع في هذا الوقت لبعض العرب فغيره عن حاله وابتنى في موضعه داراً .
كما يوجد حمام البلد وهو المجاور للقصبة وكان هذا الحمام من منافع القصبة فبيع من جملة مابيع منها ، وهو الان محبس على بعض المساجد وبالبلد حمامان آخران غيره الا انهما في الحسن دونه ، كما ان شوارعها نظيفة ولا احسن اتساعا واستقامه ، وذلك ان اكثرها تخترق المدينة طولاً وعرضاً من اولها الى اخرها على هئية شطرنجية فالماشي يمشى بها مشي الرخ خلالها .
ذكرالتجانى من الأبواب باب الأخضر وباب الستارة وباب هوارة وباب البحر بداخل المدينة خلف باب هوارة بطحاء متسعة يعرفونها بموقف الغنم يبيعون بها أغنامهم ومواشيهم أما عن المساجد فيذكر منها مسجد عمرو بن العاص وينسب بناؤه اليه وهو قرب موقف الغنم ،[ في المكان الذي يقوم عليه حالياً مسجد أحمد باشا القرمانللى > ومسجد العشرة ،ومسجد الشعاب ، ومسجد الخطاب، وهو بخارج المدينة من الجهة شرقية على بحرين للشيخ خطاب البرقي الرجل الصالح ومنها المسجد المعروف بالجدود ويعرف أيضاً بمسجد الجده لان أحدى جدات بني الأغلب ،ولاة أفريقية قد بنته. وهكذا كان يعرف في القديم كما يعرف بمسجد البارزني لسكنى ابن الحسن البارزني به ، وهو بخارج طرابلس من جهة جوفيها مشرف على المقابر . مسجد الحجاز [ منها المسجد المعروف بمسجد الحجاز وكان معروفاً بسكنى على بن أحمد الخطيب أقام ساكنا فيه أربعين سنة وكان فقيهاً صالحاً عالماً زاهداً > . وبداخل المدينة توجد مدارس وأحسنها المدرسة المنتصرية التي كان بناؤها على يد الفقيه ابن محمد عبد الحميد بن آبي البركات بن أبي الدنيا رحمه الله و ذلك فيما بين سنة خمس وخمسين إلي سنة ثمان وخمسين وهذه المدرسة من أحسن المدارس وضعاً وأظرفها صنعاً .
ثالثا: رحلة العياشي :- ( ولد في سنة 1037 هـ / 1627م و توفي في سنة 1090 هـ ـ 1679م) هذه رحلة الشيخ الرحالة الاديب المثابر الحافظ ابي سالم سيدى عبد الله بن محمد بن ابي بكر العياشي احد من احيا الله بهم طريقة الرواية بعد ان كانت شمسها على اطراف االنخيل قرا بفاس ومن مؤلفاته منظومة البيوع وشرحها ونفسه ذي الهمم العالية على الزهد في الدنيا الفائية تاليف في معنى لو الشرطية وكتاب الحكم بالعدل والانصاب وافتقار الاثر وتحفة الاخلاء ورحلته المسماة بماء الموائد وهي رحلته مفيدة وله غي ذلك .
لقد مر العياشى بطرابلس في طريقه لاداء فريضة الحج في ربيع الأول في سنة 1059 هـ ويتفق مروره بها مع وجود عثمان باشا على رأس الولاية حيث وصف العياشي مدينة طرابلس في تلك الفترة بانها " مدينة مساحتها صغيرة وخيراتها كثيرة ونكايتها للعدو شهيرة ومآثرها جليلة ومعابيها قليلة . أنيقة البناء فسيحة الفناء عالية الأسوار متناسبة الأدوار واسعة طرقها ، سهل طروقها إلي ما جمع لأهلها من زكاء الأوصاف وجميل الأنصاف ،وسماحة على المعتاد زائدة وعلى المتعافين بأنواع المبرة عائدة، لا تكاد تسمع من واحد من أهلها لغوا إلا سلاماً ولو لمن استحق ملاما . سيما مع الحجاج الواردين ومن انتسب إلي الخير من الفقراء العابدين ، فإنهم يبالغون في إكرامهم ولا يألون جهداً في أفضالهم عليهم وأنعامهم . ولهذه المدينة بابان : باب إلي البر وباب إلي البحر لان البحر يحيط بكثير من جهاتها والحصن الذي فيه الأمير متصل بالمدينة من ناحية البر بينه وبين البحر. ولأمير هذه المدينة نكاية في العدو دمرهم الله وله مراكب قل نظيرها معدة للجهاد في البحر كلما تسافر وترجع بغير غنيمة وكلما أسرت لهم سفينة التجارة إلا أن تكون التجارة لا من سفن الجهاد فجزاهم الله خيراً وأعانهم على ما أولاهم من ذلك وسائر بلاد المسلمين أجمعين .
وكانت عادة الركب إذا ادخل هذه المدينة سيما في الذهاب إن ،يقيموا بها نحواً من شهر يستعدون فيه لدخول المفازة التي قل نظيرها، وهي مفازة برقه. ومن هذه المدينة يشتري الحجاج ما يحتاجون من الإبل والقرب، ويتخذون زاد نحو من ثلاثة أشهر إلي مصر إن كان الوقت شتاء، وإن كان صيفاً فنحو من شهرين . وابل عمالة طرابلس غاية في الجودة قل أن يوجد لها نظير شبيهة بابل بلدنا بل تزيد بكثرة الخدمة فأنهم يستعملونها في سائر الأشياء حتى الحراثة والدراس ويسنون عليها يديرون الرحى فتمرنت بذلك المشاق العظيمة مع طيب هواء البلدة ونقاء مرعاها ،فيقل فيها الغش ،وتندر أمراضها ولذا قيل في أمثال الحجاج : جمل طرابلسي وقربة مصراتيه. وهذه المدينة قد شاهد أهلها بركة الحجاج والمجاهدين في أمرها فربما أجتمع فيها من الركبان الذاهبين والاتين خمسة أو ستة ويصادف ذلك في كثير من الأحيان خروج عسكر البحر للجهاد، ومع ذلك لا يزيد فيها السعر. على ما كان في كل مطعوم بل ربما نقص في البلد ، مع أن البلد في كثير أحواله معروف بغلاء الأسعار بالنسبة إلي أرياف النيل وسواحل المغرب وجباله إلا أن أهلها مستكفون بها غاية وراضون بها إلي النهاية وهي جديرة بذلك.
"لقد أقام العياشي ما يقرب من تسعة أيام في مدينة طرابلس وصور لنا انطباعاته عنها فيما تقدم من عبارات، وهي انطباعات ذاتية خلت من التأثر بأحكام الرحالة الجغرافيين السابقين وهذا النص يعبر بوضوح عن مكانة المدينة باعتبارها محطة رئيسية على طريق الحج المغربي وعن مكانة سوقها في تزود ركب الحجيج منه للمرحلة ما بين طرابلس ومصر ، وبالاضافة الى ذلك يتضمن إشارات واضحة الى موقف المجتمع الطرابلسي المتميز في التعامل مع الحجيج .
رابعاً: أبو العباس سيدي أحمد بـن محمد بـن ناصر الدرعي ( 1647 م ـ 1768 م ) هو ابو العباس احمد بن ناصر الدرعي ينتمي إلى الاسرة الناصرية بنامجروت وقد كان ولادته عام 1057 هـ 1647 اما وفاته فقد كانت عام 1128 هـ 1768 وقد نشا ابن ناصر نشأة علمية في كنف عائلته جامعاً العديد من المعارف له العديد من مؤلفات والكتب كانت رحلة ابن ناصر نحو الاراضي المقدسة عام 1709 وهي من الرحلات المغربية التى عبرت الاراضي الليبية وتعد ذات اهمية لتاريخ ليبيا وقد نشر الجزء الخاص بليبيا وكانت رحلته الأولى التي قام بها إلي الحج سنة 1119 هـ وقد صادف وصوله إلي طرابلس في حجته الأولى 1096 هـ مهاجمة الأسطول الفرنسي لها وقصفه لمواقعها وقد سجل الرحالة حالة الذعر التي انتابت الأهالي من هذه الغارة العنيفة وأثرها المادي والمعنوي على المدينة ومنشأتها . ويصف ذلك بقوله: [ حاصرها الكفار دمرهم الله تدميراً وذلك كان يوم نزولنا نزل الركب بسور البحر إذا بسفن ثلاث ظهرت على متن البحر تم تتابعت الفلك في اليوم نفسها إلي أن كملت أثنين وعشرين سفينة ،فأقاموا عليها دمرهم الله بقية الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة . وأهل المدينة في تلك المدة في هول عظيم ونكد جسيم ، وعناء شديد وليس فيهم مدبر ولا ذو رأى جميل أو نظر سديد ، بل أخذوا في نقل أمتعتهم من المدينة لخارجها ، وحريمهم إلي سوانيهم بالمنشية . ولما رأينا ذلك تكلمنا مع وجودهم على فعلهم غير اللائق، فيما يبدو لنا من إظهار الجزع والجبن لأعداء الله الكفرة اللئام الفجرة ، وقلنا لهم إن هذا الصنع الذميم مما يغريهم عليكم ، فاصبروا ولا تظهروا لهم الوهن والجبن . فقالوا هذا والله ما ليس منا بجبن ، وإنما حملنا على ما رأيت ما أتوا به مما لا طاقة لنا به من البنبة يضربون بها ، ولا تقع على شيء كائن ما كان إلا وهدته ودكته . والمسلمون في هذه الليالي كلها لا ينامون بل يحرسون على البحر ويطوفون حوله . ونحن ركبنا معهم في ذلك ، مستهلين بالشهادة رافعين أصواتنا بالتكبير ، معلنين الصلاة على اله البشير النذير ، عليه أفضل الصلوات وأزكى التحية من الملك القدير وعلى اله وصحبته في المنهاج الواضح المنير . فلما كان بعد العشاء ليلة السبت ضرب الكفرة دمرهم الله بمدافعهم ، فرأينا من ذلك ما لم نره قط ولا سمعنا به . ترى البارود حين يخرج من بخش المدفع فإذا بكورة محمرة تحكي الشهب خرجت منه وصعدت . ثم يرمون بأخرى وترتفع أكثر من الأولى ثم تتدلى هابطة فإذا وقعت بالأرض سمع لها صوت هائل تصم منه الأذان ، فتتصدع في الموضع الذي وقعت فيه وتتفرق لا تقع على بناء إلا وهدمته ولا على بسيط مستو إلا وحفرته ولا عليه أو أسطوانة إلا وهدتها ولا على شجرة إلا وأحرقها أو قلعها فتمكث في أعماق الأرض سويعة فتتكسر فيسمع لها صوت هائل أعظم من الأول ،ونحن في ذلك كله رافعو الأكف بالافتقار والخضوع والتضرع إلي الله تعالى ، الليل كله ولا نكتحل بنوم قط ، وما خرج مدفع من مدافعهم إلا وظننا أنه يقع علينا ، فتارة يقع حذاءنا وتارة تمر علينا ، وأكثرما تقع بالمدينة أو البحر أو قرب المدينة أو خارجها . وفي بعض الليالي وهي من الليالي الهائلة أخذوا في الضرب الليل كله إلي الصباح ،بل إلي الضحى لا يفترون عنه ساعة ،وضربوا فيما أخبرنا به بعض فقهاء البلد بأزيد من تسعمائة كورة ،فما رأينا هولهم العظيم .
ومعنا النساء والصبيان ،وفيهن الحوامل خشياً عليهم أن يقذفن ما في أرحامهن مما يعاين، فتحولنا لبعض البساتين المسورة ، فنزل الركب بها، وأدخلنا حريمنا لبعض الديار ثم أمسكوا عن الضرب إلي أن صلى العشاء فضربوا أيضاً دفعة واحدة ، فهاجت عليهم أرياح عاصفة وأفسدت كورهم بإخماد ما تعلق بها من نار وعند الفجر عادوا للرمي إلي الضحى، ولما قرب الزوال زحفوا للمرسى فعاقهم قرب البرجين اللذين على البحر من المرابطين بها البائعين أنفسهم من الله . وقط لا يخلوان من حارس في السلم والحرب . وردوهم على أعقابهم وولوا أدبارهم وعانقوا أدبارهم والحمد الله رب العالمين ، فكثر اللغط والعويل بالبلد فجاء أهل الإسلام ، من كل وجهة ،وركبنا بعدد وعدد كل بحسب وسعه ، فاكفهرت وجوه الأبطال وتجلت سفارة الرجال وشمروا للنزال وتهيأوا للدفاع والقتال . واحمرت الحذق فكسا الكفرة الفرق ، فارتحلوا إلي أبعد مكان فأبعدهم الله وأسحقهم وأذلهم وأقلقهم فكاد الإسلام يقتحم بأهله البحر إليهم . وأشد الناس حنقا عليهم الحجيج فعملوا على التجهاز والنضال والبراز ولولا البحر لأراهم الله في أهل الإسلام ما يسيئهم . فكتب كل وصيته وأعد الشهادة مغنما وفواتها مغرماً . كل يرجو أن تخرج الكفرة للبر ،اجتمع آلاف مؤلفة من أهل الإسلام الأبطال ، من أهل الدفاع والقتال وما رد الكفرة من الخروج إلا ما رأوا من شدة الحزم وقوة العزم وأبلغ الغيظ من أهل الكفر والظلم . ثم جرى بيننا صلح على أن يرجع لهم المسلمون جميع ما عندهم من أسراهم ، وشرط عليهم المسلمون مثل ذلك ، والكفار على المسلمين أن يردوا لهم ما أخذوا لهم قبل ذلك الزمان في البحر في معركة بينهم وقبل المسلمون ذلك وقدره والله أعلم مائتا ونيف ريالة قرميلية. فحينئذ دخل الكفرة المدينة للتسوق ، وربما أغلظوا على بعض المسلمين في القول لتوعد أمير البلد من العثماني على من أساء على كافر ولو بكلمة بعقاب شديد . وهو علج فأغرى ذلك الكفار على أهل الإسلام ، فصبر أهل المدينة لذلك . وأما المغاربة وجميع الحجيج فأغلظوا على الكفرة واخشنوا لهم في القول ، وربما ضربوهم ولا القوا إليه بالا إعزازاً لدين الله ، وإعلاء لكلمة الله . فرفع الكفرة ذلك إلي الامير العلج المذكور فقال إن المغاربة شداد على النصارى فاتركوهم لئلا يقع فيكم القتل ولا يد لي عليهم ، فدعوهم عنكم وتحملوا منهم ما واجهوكم به وأخذوا في دفع ما شرط عليهم فصاروا يدفعون لهم الخيل والزرع والإبل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فكلمنا علماءهم المالكية فقالوا إن هذا والله هو الصغار بعينه ، ولا قدرة لنا على ما فعله فينا هؤلاء الأتراك ، وخرجوا تلك الأيام خارج المدينة مخافة حضور هذا الفعل الذميم .... ثم أجلى الله الكفرة عن المدينة يوم الخميس بعد إتمام المهادنة وإمضاء شروطهم وفرح المسلمون بانتقالهم عنهم وإقلاعهم عن البحر غاية الفرح أخزى الله الكافرين وأذلهم وأعز الإسلام وأحاطهم ....) )
وتتفق هذه الصورة التاريخية تمام الاتفاق مع الواقع التاريخي الذي ضبطته وقائع العصر سواء من الجانب الوطني أو الجانب الأجنبي .
وكان ذلك في عهد الحاج عبد اله داى . كما يتفق الموقف الذي سجله الرحالة لعلماء الطرابلسيين مع ما سجله العالم ابن غلبون.
أما حجة الدرعى الثانية سنة 1119 هـ (وهي الحجة التي ألف فيها الكتاب عن رحلته ) فتتفق مع أحداث أخرى هامة جرت في مدينة طرابلس في عهد خليل باشا الذي خلف محمد باشا الإمام على الحكم . وخرج في نهاية 1709 لمحاربة عبد الله بن عبد النبي الصنهاجى الذي استولى على القافلة التي كانت تحمل خراج فزان فقام الرايس إبراهيم اليلى بخلع بيعته وعين حسين آغا بدلا منه ، فعاد خليل على الفور وعسكر بجيشه في المنشية وقد خرج سكان المدينة لمحاربته ويذكر الدرعي في ذلك :
(( كان وصولنا طرابلس ظهر يوم الأحد الثاني والعشرين من شعبان ستة عشر من أكتوبر . ونزلنا بإزاء الهنشير لأجل فتنة وقعت واختلاف بين أهل طرابلس وباشا خليل ، كان ظلوما فجوراً يقدم الكفرة من الروم على أهل الإسلام واتخذ بطانته من النصارى ويوليهم على المسلمين ، وكاد يخلع ربقة الإسلام من عنقه وأضر بالمساكين ولا لأحد عنده حرمة من أئمة المسلمين وسادتهم بل يعمد إلي الإساءة بالأعيان من المرابطين والعلماء العاملين فلا يرقب في أحد إلا ولا ذمة حتى لا تجد الرعية ملتجأ ولا منجا إلا إلي الله ، فلذلك قيض الله له من نفاه من أهله وقبيلته ، وقامت معه العامة واستعدوا على نفيه ورموه عن قوس واحد وخرج عن البلد لغرض أراده فسدوا المدينة في وجهه والشوارع بين يديه ولم يجد مسلكاً لما أراد وخيم بطرق محاصراً للبلد جنده وحزبه المخذول ولما حاذينا بعث لملاقاتنا أعيان دولته مع محلته ، فلقيناه ورغب في النزول بإزائه والبيات تلك الليلة بحذائه ، وامتنعنا وسرنا وتعرض لنا أهل الساحل والمنشية أفواجاً فرادى وأزواجا بقضهم وقضيضهم وعددهم وعديدهم آخذين أهبتهم ومبدين شوكتهم ، ولما عاينونا وأيقنوا أنا لهم سلم وأنا وفد الله وزوار نبيه وحجاج بيته ضجوا باكين وجاروا داعين وكشفوا رؤوسهم وأذلوا نفوسهم وأعلنوا عقيرتهم وكشفوا سريرتهم قائلين بصوت عال ودوى متوال يا لوفد الكبير المتعال من للأسير العاني المضيم المتفاني ....)) .
أما وصفه لمدينة طرابلس فهو منقول عمن تقدمه وخاصة العياشي ،ولا يشكل أي إضافة سوى ما يعنيه النقل من الموافقة والتأييد .
خامساً: ابن عبد السلام الناصري في رحلته إلي الحج مر بطرابلس سنة 1211 هـ وألف رحلته الحجازية الكبرى التي فند فيها آراء الاسحاقي فقال : (وقد مر بهذه البلدة بعض الأدباء من أرباب الدولة العلوية في الأيام الإسماعيلية الماضية فاقتفى في وصفها العبدرى ، وهو في ذلك جاهل أو مفتر))
وقد تحمس الناصري لمدينة طرابلس ودافع عنها ، ونقل قطوفا من أشعار المغاربة في وصفها ومدحها وقال ( لو تتبعنا ما وقفنا عليه من مدح طرابلس وأهلها لخرجنا بكم عن المقصود والحاصل مدح البلد وأهلها وحسن أخلاقهم وجودهم سارت به الركبان ، وعلم علمائها ملأ الخافقان ، وفضلهم من شمس الضحى أظهر وأوضح وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ) . وقد وصف الناصري المدينة في عهده بالحسن والأناقة فقال ( وبالجملة فهذه البلدة أنيقة في بحار الجمال والحسن غريقة ، أعطى ساكنها الشجاعة والنهاية في الحزم والبراعة ، أشربت قلوب من بها مهابة وما أرادهم أحد بسوء إلا والله تعالى كالملح أذابه ، أمطر الله عليها سحائب الرحمة ودمر أغداءهم من سائر الكفرة. . . وزاد البلد حسناً ما بساحتها من المنشية ، ذات النخيل البهية ، والثمار الرائقة والفواكه الفائقة ، يكل عنها نطاق البيان ، ولا يضبطها لسان ولا بنان لا سيما اللاقوج الذي لا يوجد له مناظر والليمون الذي يتخذ من أنواع الأزاهر لتنظيف الثياب والأبدان ).
وقد أمضى الناصري سبعة أيام بمدينة طرابلس قابل فيها علماءها واطلع على أحوالها وزار محارسها ومزارتها وتحدث عن صلحائها حديثاً طويلاً وما من شك في أن الرحالين المغاربة قد شكلوا برحلاتهم الحجازية مصدراً هاما من مصادر التاريخ للبلدان التي زاورها ومروا بها في رحلتهم . وتتوفر لنا صور عديدة وألوان مختلفة عن الحياة في مدينة طرابلس في العهد القرمانللى قام برصدها وتسجيلها بعض الرحالة والدارسين الأجانب الذين أتيح لهم أن يزوروا المدينة أو يقيموا بها فترة من الوقت ، كانت كافيه لتسجيل انطباعاتهم عن الحياة العامة
المقتطفات المأخوذة من مؤلفات الرحالة الأوربيين :
من أوائل الرحالين الأوروبيين الذين نلتقي بهم الرحالة لوكاس الذي أتخذ من طرابلس 1788 نقطة انطلاق نحو أواسط أفريقيا، ولكنه أخفق في مهمته ورجع من مصراته وأكتفي بتقديم تقرير بالمعلومات التي تواترت عن إقليم فزان. ولم يهتم هذا الرحالة بوصف مدينة طرابلس التي أقام بها في الذهاب والإياب . كما لم يهتم بها أيضاً الرحالة فريدريك هورنمان الذي أقام بطرابلس لكتابة تقريره من الرحلة التي كان قد انجزها من القاهرة إلي فزان ومنها إلي طرابلس في سنة 1800 ثم إلي برنو حيث لقي حدفه. ولا بد لنا مما نشر من مذكراته ويومياته أنه قد أهتم بمدينة طرابلس التي قام بها فترة طويلة من الوقت وإنما أنصرف همه إلي الهدف الأساسي للرحلة ووصف المناطق الداخلية مسالكها في الاراضي الليبية وكما زار مدينة طرابلس مجموعة اخره من الرحالة الاوربيين والذين نتوفر على وصف مدينة طرابلس في مؤلفاتهم وهم : بارت ورولفس وناختيغال وفون مالتسان 1869 وكراوزه وبانزه 1906 أى اننا في وضع يسمح لنا بتتبع تطور المدينة خلال سته عقود من منتصف القرن التاسع عشر وحتى العقد الاول من القرن العشرين
وان جميع الرحالين يؤكدون المنظر الرائق لمدينة طرابلس من الخارج وعلى وجه الخصوص من البحر أسوار المدينة البيضاء الوضاءة ذات الفرضات والأبراج الصغيرة ، كتلة السراي الخلابة ذات الشكل غير المنتظم عن يسار المدينة والحصن القائم على لسان صخري بارز داخل البحر عن يمينها ، والبيوت القائمة بينهما ذات الطراز المغربي والبعض منها ذو طراز أوربي ، إلا أنها جميعها ذات سطوح مستوية ، وتعلو من بينها القباب ومآذن الجوامع والزوايا والمدارس على شكل أعمدة هذه العناصر تشكل كلا تدعه الشمس الافريقية يتبسم ، وينعكس على سطح البحر المتوسط الأزرق . وأنها ولا شك تشكل منظراً أخاذاً لا نجده إلا في القليل من مدن الشمال الافريقي ونورد فيما يلي تبعاً لتسلسل الرحلات زمنياً مقتطفات من اهم مؤلفات الرحالة .
الرحالة الأسباني باديا لبليك 1805 :-
المعروف باسم علي بك العباسي وقد قام في نوفمبر 1805 بزيارة طرابلس ضمن رحلته الكبيرة في بعض البلدان الأفريقية الآسيوية وهو يقدم لنا صورة مختصرة ولكنها هامة عن الحياة في طرابلس في ظل الحكم القرمانلى فيقول (( إنها مدينة أجمل بكثير من أية مدينة بمملكة المغرب تقع على شاطئ البحر وطرقها مستقيمة وواسعة بدرجة كافية وبيوتها منتظمة وحسنة وأكثرها تقريباً تتميز ببياضها الساطع الباهر . وتقترب هندستها جداً من الطراز الأوروبي أكثر من اقترابها من الطراز العربي أما أبوابها فهي بصفة عامة من النسق التوسكانى )).
وقد فطن هذا الرحالة إلي ما لم يفطن إليه غيره من التشابه في الخصائص المعمارية بالأساليب الأوروبية كما سجل الأثر الذي خلفه الطاعون الذي أصاب المدينة في عهد على باشا وظل أثره على المدينة حتى السنة التي قام منها على بك العباسي برحلته فيقول .
" لقد انقص الطاعون كثيراً من عدد السكان بالمدينة إذا قضي في الغالب على أسر بكاملها وما يزال يشاهد المرء حتى الآن بعض المنازل المهجورة أو المنهارة بسبب هذا الوباء ويبلغ السكان في الوقت عددا يترواح بين الثلاثة عشرة ألف والخمسة عشر ألف . " وبالنظر إلي الطابع العثماني المطلق الغالب على الحكومة ، فان المدينة هنا متقدمة جداً على المغرب والأغلبية العظمى من السكان تفهم وتمتلك عدة لغات أجنبية وأوروبية والباشا نفسه يتكلم اللغة الإيطالية كما أن المجمع هنا أكثر انطلاقا وحرية من المغرب ،وأشار إلي المعاملة الحسنة التي يلقاها الأسري المسيحيون وذكر أن في أمكان المعتنقين منهم للإسلام أن يحتلوا مناصب عالية في الدولة، ويشير إلي ستة مساجد من الدرجة الأولى، وستة مساجداً أخرى أصغر منها وأكبره المساجد في نظره مسجد أحمد باشا القرمانللى وتلفت نظرة المآذن المخروطية بطرابلس . وثمة ثلاثة سجون بالمدينة اثنان للأهالي والثالث خاص بالأتراك . كما أن وجود حانات ومقاه كثيرة يديرها مسلمون الأسواق مجهزة بالبضائع والأسعار معتدلة وعدد اليهود حوالي ألفين ويعاملون معاملة أحسن من المعاملة التي يلقاها يهود المغرب وهم يحتكرون تقريباً التجارة مع أوروبا
ديللا شتلا: ـ
كما مر بطرابلس الرحالة الطبيب أوغسطين ديللا شتلا 1811 بمراقبة الحملة العسكرية الذي جردها باشا طرابلس ضد برقة وقد سجل يومياته كاملة عن الرحلة التي قام بها ولكنها ضاعت ولم يبق منها سوى نتف قليلة متفرقة متصلة برحلته في برقة والجبل الاخضر ، وجاء بعدها رحالة الإيطالي أخر هو الدكتور باولو ديللا شيلا الذي كان أحسن حظاً حيث حفظ لنا التاريخ رحلته الهامة التي وصف فيها مرافقة للحملة التي جردها يوسف باشا ضد أحد أبنائه الخارجين عليه ويدعي هذا الرحالة أن الغرض الأساسي من رحلته كان البحث عن الآثار التي قامت على شواطئ ليبيا في العهود اليونانية والرومانية وكذلك النباتات وهي الحيلة المعروفة التي تزرع بها كثير من الرحالين للتوغل في المناطق الداخلية في العهدين القرمانللى والعهد العثماني الثاني . وقد قام ديللا شيلا كما يقول في رحلته شهراً كاملاً بمدينة طرابلس في ضيافة قريبه قنصل ساردينيا ، ومن الملفت للنظر في رحلته أنه رغم هذه الإقامة الطويلة لم يتعرض لمدينة طرابلس بوصف ولم يستوقفه شيء من آثارها التاريخية بما في ذلك القوس الرومانية التي لم يغفلها أحد من الرحالين القدامى والمحدثين ويزداد العجب إذا علمنا ما يبديه هذا الرحالة من اهتمام بالآثار جعل منه هدفاً رئيسياً لرحلته على حد قوله . ويبدو أن الرحالة ديللا شيلا لم يباشر كتابة انطباعاته إلا بعد سيره في الحملة العسكرية مما جعله يهمل إهمالاً تاماً وصف مدينة طرابلس ولم يتعرض إلا إلي بعض العادات والتقاليد المتبعة في توديع الحملة وقيام قائدها بزيارة الأولياء والفقهاء للتبرك والحصول على الدعوات الصالحة كما وصف أوضاع الجند وطريقة التجنيد وإقامة المعسكر ونصب الأعلام الدالة على حشد الحملة وسفرها مما يصلح أن تكون مادة للدارسي المهم برصد ووصف الحياة العسكرية في تلك الفترة وتسجيل العادات والتقاليد السائدة في العهد القرمانللى . ومر ديللا شيلا مروراً عابر على مدينة طرابلس فلا يستوقفه شيء منها ويكتفي بالقول[ أن طرابلس تقع على الساحل لا يعثر فيه الباحث على المعادن إلا على الرمال يجري عليها فحوصه وأختباراته حيث لا تنمو النباتات إلا بمشقة بسبب الجفاف وإهمال الفلاحة . وإن البلد كله مهدد بالغزوات المستمرة من قبل القبائل البدوية وأن السلب لهوا أقل الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها المرء الذي يقع في فخ هؤلاء وقد كان ديللا شيلا ناكراً للفضل جاحداً للنعم التي سجلها هو نفسه في تلك الحماية والحراسة التي وفرت له ما لم يتوفر لغيره من الرحالين إذا كان يسير ضمن حملة عسكرية ، مشمولاً برعاية الباشا الحاكم ، وأبنه قائد الحملة . وقد ظل مقيماً بطرابلس مدة شهرين متمنيا هذه الفرصة النادرة ولكن لا بد من الصعوبات حتى تبدو شخصية الرحالة بمظهر المغامر المقتحم للأخـطار . ولعل الصورة الوحيدة التي تستلفت اهتمامنا فيما يتصل بحياة الاجتماعية والحربية تلك الصورة التي يقدمها عن الكيفية التي كان يتم بها تجريد الحملات الحربية
الرحالة ليون ولد ما بين901 هـ 1495م - 906 هـ 1500م
هو الحسن بن محمد الوزان المشهور باسم ليون الافريقي ولد بمدينة غرناطة قبيل سقوطها في يد الاسبانيين واختلف المورخون في تحديد سنة ولادته فيجعلها بعضهم عام وبعضهم عام انتقلت اسرته وهو صغير الى فاس حيث شب والتحق بالدراسة بجامعة القرويين تم عمل بعد ذلك لسلطان محمد الوطاسي المعروف بالبرتغالى الذي قربه وكلفه بمهام سفارية مهما جعله يكتسب معرفة كبيرة ببلاد المغرب وافريقيا وبعض البلدان الشرقية والاوربية وهم ما شجعه على كتابه مؤلفة " وصف افريقيا " واثناء عودته من تونس 1519 وقع اسير في يد صقلية وقدموه للبابا جون ليون العاشر لمدينة نابولى تم تنصيره وتسميته بليون الافريقي او يوحنا الاسد الافريقي .
زار طرابلس في سنة 1818 الرحالة الإنجليزي الكابتن فرانسيس ليون وأقام بها فترة من الزمن مع رفيقه في الرحلة الدكتور جوزيف ريتشي . أمضياها معاً في التمهيد للرحلة وتأمينها وزيادة التمكن في معرفة اللغة العربية والتقاليد و العادات السائدة . ولم يهتم ليون كثيراً بوصف مدينة طرابلس قائلاً "" أنه من العبث محاولة تقديم وصف لمدينة طرابلس ، فقد قامت بتقديم مثل هذا الوصف أقلام أقدر وقد أهتم بصفة خاصة بوصف بعض العادات المتبعة في مواكب الزوايا الدينية وخروج الحضرة كما وصف ملابس العرب واليهود. والحق أن هذه الرحلة على أهميتها لا توفر لنا شيئاً من المستوى الرائع الدقيق في الوصف الذي بلغته رسائل المس توللي. وهي لا تزيد عن أنها انطباعات سريعة عابرة شغل فيها الرحالة بدراسة العادات والتقاليد أكثر من انشغاله بدراسة الآثار والمعمار . وقد كان في حاجة إلي مثل هذه الدراسة التي تساعده على تقمص الشخصية العربية الوطنية تحقيقاً للتستر على أهدافه التي جاء من أجلها وتسهيلاً لنفسها ،والواقع أن حظ هذه المدينة من الازدهار في العهد القرمانللى قد تفاوت بتفاوت خطوط الولاة من القوة والسعة والضيق والضنك .فقد شهدت في الفترات الأولى من عهد أحمد باشا القرمانللى استقرار ساعده على الازدهار واستعادة حيويتها الماضية وجعلها تنهض بشيء من التثاقل من أثر تلك التركة المرهقة من الخراب والدمار واضطراب الأمن ،خلال الفترات الأخيرة من حكم خليل باشا وأبي ميس وبطانته . وعلى الرغم من أن التجارة في الفترة كانت نوعاً محدودة فقد ظلت. المدينة على صلتها البحرية بالمدن الأوروبية وخاصة الإيطالية ،كما ظلت لها أيضاً صلتها بالمناطق الجنوبية ، كما ظلت أيضاً محطة رئيسية لقوافل الحجيج الكبيرة الوافدة من الغرب إلي الشرق والعائدة من الغرب إلي الشرق . وقد كان وصول هذه القوافل الكبرى إلي طرابلس من المشاهد الرائعة السنوية ، كما كانت إقامتها عدة أيام بها فرصة لنشاط علمي وتجاري كبير حيث تشتري الحرير الدمشقي الإيطالي والمصنوعات الزجاجية لبندقية وغيرها من المستوردات المتوفرة في الأسواق طرابلس وتبيع ما تحمله من خيوط القطن والبن والعقاقير والتوابل وغيرها من الأشياء المجلوبة من الشرق والغرب .
رتيشارد توللى : عشر سنوات في بلاط طرابلس
يصف الرحالة ريتشارد توللى كانت مدينة طرابلس ، ولا تزال ، محاطة بسور ضخم منيع و أبراج هي الان في حالة خربة ، وان كان العارفون بهذه الشؤون يرون أنها لا تحتاج إلى أكثر من ترميمات بسيطة حتى تغدو تحصينات بالغة المنعة ، ويغسل البحر إقدام المدينة من ثلاث جهات ، اما في الجهة الرابعة فيوجد سهل رملي يطلقون عليه اسم " المنشية " ومدينة طرابلس غير مستوية السطح نتيجة لركام المزابل والنفايات وكثيراً ما يبنى المواطنون دورهم فوقه دون ازالته ، حتى ان عتبات الابواب المؤدية الى الشارع من بعض المنازل قد تكون اعلى من سقوف منازل اخرى قريبة منها واسطحتها . والشوارع في المدينة ضيقة ، لكنها ضعف عرض مثيلاتها في الجزائر او تونس على وجه التقريب ، ويكاد يكون مقصوراً على عدد ضئيل من عظماء البلد ، ومخصصا لاستعمال الحريم من اسرهم وهو نوع من الهودج . ويتم نقل البضائع والحاجيات في العادة على ظهور الجمال والبغال ولما كانت الطرق هنا غير ممهدة فان الغبار الذي تنشره اخفافها وحوافرها في شوارع المدينة الرملية والجلبة التى تنشا عن حركة الدواب ـ لهى شئ لايطاق ـ وتقوم المدينة عند حضيض صخرة ضخمة وهنا وهناك توجد بقايا طرق مرصوفة بعضها قديم جدا يبين بوضوح انه من عمارة الرومان والتجار هنا لايعرضون بضائعهم في مخازن كبيرة ، وانما هي حوانيت وسقائف مع ان محتوياتها كثيراً ماتكون بضاعة ثمينة تتالف من اللالي ، والذهب ، والجواهر والعطور النادرة . وهناك بازاران او سوقان مسقفان ، احدهما كبير جدا ومبنى على شكل اربعة صفوف متصالبة عند التقائها وعلى كل جانب من هذه الصفوف اقيمت دكاكين وبسطات متراصة تحوى مختلف اصناف السلع والبضائع . ولها في الوسط طريق يمر منه الناس ويتفرجون ، وهناك أجزاء كثيرة من هذا المكان معتمة تقريباً تعبق برائحة البخور القوية . اما البازار التانى فاصغر من الاول بكثير ، ولا دكاكين فيه . ولايباع في هذا البازار سوى العبيد السود والاماء الرقيقات . وبازار البن هو المكان الذي يقصده الاتراك ليتحدثوا عن الاخبار اليومية والشؤون العامة ويرشفوا بعض فناجين القهوة وهذا البازار " السوق " ملئ ببيوت القهوة ، او المطابخ القهوة على الاصح والجدران الداخلية لهذه المقاهي شديدة السواد من اثر الدخان ، تم يصف قوس ماركوس اوريليوسثميتطرق الى اسم المدينة فيقول لقد كانت اسم طرابلس عند الاقدمين ، المدينة المثلثة لانها كانت تشكل واحدة من ثلاثية المدن ليبتس ، اويا ، صبراته وهي تقوم في موقع مدينة اويا وفيما مسقط راس آبوليوس . وعند وصف البيوت في المدينة فيقول " تختلف بيوت كبراء طرابلس اختلافاً ظاهر عن مثيلاتها في مصر ،فطرابلس لاتتعدى بيوتها طابق واحد ، عند دخولك البيت تجد ما يسميها الطرابلسيون السقيفة ، وعلى جانبها مقاعد حجرية وبعد هذه السقيفة يقوم سلـم الى حجرة مفردة فخمة ، يسمونها " العليه " ذات شبابيك وطاقات تطل على الشارع ، ويقتصر استعمال هذه العليه على رب العائلة فهى غرفة مقدسة بهذا المعنى ، فيما يحتفظ السيد بخزينته ، ويصرف شؤون عمله ، ويتمتع بعقد مجالس لهوه وسمره . والى وراء هذا الماوى يقع الليوان . وهو فناء او ساحة مبلطة حسب قدرة صاحب المنزل المالية ، فبعضها مصبوب بالاسمنت الاسمر الشبيه بالرخام الجيد الصقل ، وبعضها مبلط برخام ابيض او اسود وفي الدور الادنى منزله تجدها مبلطة بالحجارة او مفروشة بالتراب الممهد سواء كان المنزل كبيراً ام صغيراً ، وفي القرية او المدينة ، فان تصميم بناته لا يختلف . ويستخدم الفناء لعقد اجتماعات النساء اللاتي يدعوهن ربة البيت ، حين تقع مناسبة زواج او عيد اخر كبير ، ويحيط بهذا الفناء ساباط يرتكز على الاعمدة من فوقها ردهة بنفس الابعاد ، وتحفها شعاريات جميلة من الخشب المحفور . ومن اروقة الساباط والردهة تفتح الابواب الى حجرات واسعة منفصلة الواحدة منها عن الاخرى ، ولامنور لها جميعاً الا الرواق . وليس للشبابيك زجاج بل خشب مشبك متداخل جميل التشبك ، يسمح بدخول نور ضئيل ينفذ عبر فجوات لا تتعدى الواحدة منها بوصة في اقطارها . ومن وراء الخشب تنتصب قضبان غليظة متصالبة من الحديد ، وينظر اليها رب المنزل من الداخل فتوقع الاطمئنان في نفسه وتشعره بالارتياح من الغيره على حريمه .وسطوح البيوت مستوية ومقصورة بالجص او الملاط كما انها مسورة بتصوينة ترتفع قدماً واحداً تقريباًٍ ، لتمنع اى شئ من السقوط الى الشارع ، ومن هذه الاسطحة يسيل ما يتجمع من ماء المطر الى ابار محفورة في ارض الفناء حيث يخترق الى موسم سقوط الامطار في السنة التالية . والماء العذب متوفر على عمق قليل من سطح الارض في كل مكان، ومن المؤسف ان ليبيا تخلو من الانهار ، وبالتالى فان شحاً في الامطار ربما سبب محطاً . اما اذا سقطت فهى تسقط بغزارة ولايام وليال متواصلة وداخل الابار مشغول من اخلاط شبيمة بالرخام في مظهرها الخارجى ، ولربما كانت سعه البئر بقدر سعه الفناء الذي يعلوه .
والمخفر الذي يعرف باسم " السندنار " يقع في منتصف المدينة تقريباً حيث يقيم " الآغا " او قائد المخفر مع فضيلة الخفارة . وهو يرسل شرذمة من العسكر يجربون شوارع المدينة ، مصطحبين مجموعة من الكلاب المجوعة ، توفر على صاحبها بذل أي جهد في افزاع المواطنين تخوفهم ، يطرحوا ارضاً من الرهبة ولقد تم بناء واحد من الطف فنادق [ خانات > البلدة قبل بضعة ايام ، اقامته زوجة الباشا على حسابه . ففي الخان يجد جميع المسافرين ملجاً مجانياً . ونيابة الخان ضخمة جداً وعلى شكل مربع ، فيها بئر وجابية او سبيل يجد فيه المسلمون ماء يتوضأون منه لتادية فرائض صلواتهم ، وفي وسط الخان ساحة كبيرة مكشوفة يحيط بها عدد من الحجر الصغيرة يضع فيها المسافرون امتعتهم وينامون على سطوحها . اما الجمال والبغال والماشية العائدة لاولئك المسافرين فيمكن ربطها حول الساحة . وحين يصل المسافر الغريب ينفض رجل من اهل البلد عن ارض الغرفة ولا يسمح بالدخول الى الخان قبل اذان المغرب ، كما لا يسمح الخروج منه قبل اذان الفجر حين يفتح البواب اقفال بواباته . اما الحمامات في طرابلس واسعة في العادة ومبنية من الرخام . وهي تظل غاصة بالسيدات طوال ساعات النهار وحتى غروب الشمس .
ان المسجد الذي تقع فيه جبانة افراد الاسرة الحاكمة لهو اجمل مثيلاته في المدينة نعم ان بقية المساجد انيقة ونظيفة ولكنها دونه بكثير في ذلك على كل حال وهيكل المسجد الذي اتحدث عنه كبير ، والبناء سامق ، وقاعدته مربعة تقريباً وجدران المسجد حتى ارتفاع ثلاثة اقدام دون السقف مكسوة بعراضات من القاشاني الجميل الاشكال ، تؤلف وحدة منسجمة فيما بينها ومثل ذلك سقف المسجد فهو مجمل على هذا النسق ايضاً . وفي المسجد ست عشرة اسطوانه من الرخام فيها قضبان رفيعة من الفولاذ ، مطلية باللون للازرق والذهبى تصل مابين الاسطوانه والاخرى مؤلفة شبكة واحدة على اتساع الجملون كله تتدنى عنه 6 اقدام . ومن هذه القضبان تتدلى تريات من المصابيح في سلاسل ثخينة من الفضة ، ومباخر كبيرة ، وبويضات من الزجاج معلقة بقياطين من الجرير . وفي ثلاث واجهات من المسجد جعل البناءون نوافذ مربعة عقدوا اعاليها على هيئة اقواس ، وهي مشبكة بقضبان من الحديد دون صفائح زجاجية فيها . وفي قبلة المسجد او الجهة التى شطر مكة يقوم منبر من الرخام الشبيه بالمرمر . وفوق المنبر قبة من المرمر ترتكز على اربعة اعمدة من الرخام مكسوة بالذهب الخالص . والى جانب هذا المنبر في واجهة المسجد ، هناك فجوة في الجدار تحت قوس صغير ... الى هذه الفجوة يهبط الامام من على المنبر بين شيخ البلد على يمينه والكيخيا . على يساره حتى اذا واجهها وقف وادى فريضة الصلاة . وتطل طاقات المسجد من جهتين على رواق يحيط بالمسجد يسمونه " الحظير " اما من الجهة الثالثة فهى تطل على بناية حجرية بيضاء تشبه المسجد من الخارج ولكنها في الواقع هي المقبرة او كما يسمونها " تربة " وهي ملئية بالاضرحة الجميلة لموتى اقارب الاسرة الحاكمة . وامام باب هذا المسجد هنالك مدخل ثان من الخشب المشابك المشغول محفور على شكل مدهش ، ومع بابين دارين من نفس النوع من اشغال الخشب ، وعدد كبير من العوارض الخشبية التى يستقر عليها الجزء الاسفل من الشعارى وتكون كخلفية جميلة له ، قنهبه منظر الاناقة الرقيقة وتجعله مبهجاً لعين الناظر اليه . وفوق جميع ابواب المسجد آيات من القران منقوشة ومدهونه اما الايات التى فوق هذا الباب فهي مذهبة ومطلية بسخاء كما ان خط النقش هنا اجمل بكثير من مثيلاته في المدينة . وهناك مسجد أخر على مسافة ليست بالبعيدة من هنا ، له باب هو اية في الغرابة من حيث صناعة الحفر على الخشب عند المغاربة ولقد انشأ الأثر الاستراتيجي على طرق التجارة من هذا الموقع الجغرافي المواتي فمن طرابلس كان هنالك طريق مجرى قصير نسبياً ـ ولهذا فهو امين ـ إلى أوروبا ،ماراً بجزيرة مالطة ثم صقلية . ولما كانت الايالة عند اقصر معبر للصحراء فقد ضمنت كونها مركزاً لثلاث طرق قوافل الأولى تتجه جنوبا عبر واحة فزان الى بحيرة تشاد والثانية تتعطف جنوباً غرباً عبر غدامس وغات إلى تمبكتو الاسطورية ، والثالثة تسير جنوباً شرقاً عبر واحة الجفرة ، ثم سوكنه وزويلة الى واداى ودارفور والسودان الغنى بخصبه وثرواته .
وكانت هذه القوافل سواء في زمن الرومان او العهد البيزنطى ، تنقل قدراً كبيرا من السلع من افريقيا الى اوروبا لكن سوء ادارة العرب واضمحلال الواحات ، ثم الغارات البدوية المتكررة ضاءلت اهميتها بجعلتها لااكثر من مسارب لنقل العبيد السود من الجنوب ، وترابة الذهب ، وريش النعام ، والعاج وبعض الضموع . وكانت صادرات البلاد الاخرى هى الصوف ، والجلود واللحوم ، ونبات الحلفا والخضروات الى مالطة والملح المأخوذ من ملاحات قريبة من زوارة الى البندقية . لقد زالت الاهراءات التى مونت روما بالقمح في العهود الغابرة والتى لاتزال اثارها مبعثرة في مختلف اطراف البلاد .
جوستاف ناختيغال "" إدريس أفندي – 1834 – 1885 "
استمرت رحلته قرابة خمس سنوات ونصف انطلقت من طرابلس في 18 فبراير وانتهت في الأبيض كرد فان في النصف الثاني من 1874 وسلك في المرحلة الاولي طريق ترهونة بني وليد ،وبونجيم سوكنه، وزيغن وسمنو وتمنهنت والجديد (سبها ) وغدوة ومرزق ومنها قام برحلة الى جبال تبستي وعبرالقطرون وتجرهي ثم عاد إلي مرزق ليتوجه منها إلي كوكة عاصمة برنو ثم بلاد كانم شمال بحيرة تشاد و مضارب أولاد سليمان وغيرها من القبائل العربية ثم برقو العودة إلي كوكة ليزور باقرمي في حوض تشاد ثم وداي دار فور و يتوجه من هناك إلي الخرطوم ،ثم القاهرة ليعود منها إلي أوروبا .
صدر له كتاب الأصل الألماني بعنوان " الصحراء وبلاد السودان " بحوالي 2500 صفحة وترجم في سبعينات القرن العشرين إلي الإنجليزية من جانب متخصص بالدراسات الأفريقية قام بتطوير معلوماته وربطها بالوضع الحاضر من خلال تعليقات واضافات زادت من فائدته وتولي مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية ترجمته الى العربية ونشر الجزء الاول منه بعنوان الصحراء وبلاد السودان ويضم الكتابين الأول والثاني ، ويتناول الكتاب الأول طرابلس وفزان اي تقارير ناختيغال عن انطباعاته ومشاهداته وأرائه بخصوص الأوضاع في هاتين المنطقتين من ليبيا في 1869 – 1870 وهي الفترة التي مكثها ناختيغال في طرابلس ومرزق وغيرها من الواحات في دواخل ليبيا .
أما الكتاب الثاني فأنه يتحدث عن زيارته لتبستي التي استغرقت قرابة3 أشهر أنطلق من مرزق إلي القطرون ،ثم عاد في نهايتها إلي مرزق حيث أقام فيها حتى عام 1870 انطلق بعدها إلي كوكة عاصمة برنو .
ولما كان ناختيغال قد نظم رحلته في طرابلس فانه مكث فيها حوالى ستة اسابيع وشاهد اثناها معالمها وتعرف على الوالى ومساعديه في ادارة الولاية وعلى القناصل والتجار وسواهم ويقدم في الجزء الاول من كتاب الصحراء وبلاد السودان وصفاً دقيقاً لعمران المدينة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية ويتسم وصفه بالدقة وهو جدير بان يقدم كما هو بحيث يمكن للقارئ مقارنته مع التقارير اخرى من نفس العام 1869 وهما تقرير الرحاليين رولفس والبارون وفون مالتسان فيقول ناختيغال (( ويبدأ من باب البحر شارعان ، إحداهما يمر بجانب الشاطئ نحو الشرق بين سور المدينة المنخفض، حيث يمكن للمرء أن يتمشى به متنزها ً، وبين مباني التجار والقناصل الاوربيين الرائعة ، أما الشارع الثاني فإنه يمتد إلي داخل المدينة . وكانت الشوارع نظيفة ممهدة صلبة السطح خالية من الحجارة والنفايات ، كما أنها خالية من المزابل وجثت القطط الصغيرة والتي كانت في تونس من المتعذر اجتنابها في كثير من الشوارع والأزقة .
وإذا ما تتبعنا شارع البحر والذي يمتد علي طول المدينة من جهة الشاطئ وشيدت عليه بيوت علي الطراز الأوروبي يتمتع ساكنوها بإطلالة رائعة عبر البحر كما يستمتعون في الوقت نفسه بالنسيم المنعش الذي يبلغها ، فإننا ناتي إلي ميدان صغير أقيم عليه أحدث مبنى في طرابلس ، برج الساعة ،ويوجد في طابقه السفلي بعض الدكاكين ويمضى أمامه الوجهاء والأعيان ساعات فراغهم في مشاهدة صخب الشوارع ، وتوجد في أعلاه ساعة وتطهر الساعات طبقاً للتقسيم العثماني لليوم . وقدم الوالي في ذلك الوقت ، علي رضا باشا ، هذا الأثر الباقي إلي عاصمة الولاية التي أوكل إليه أمرها. هناك طريقان من ميدان البرج المشار إليه يوصلان إلي باب الخندق وباب المنشية إلي الجنوب الشرقي ، كما توجد أيضاً بعض الشوارع التي تصل إلي داخل المدينة ، ويوجد إلي جانب البوابة الأولي وبينها وبين البحر المبنى الحكومي الكبير(السراي ) ولكن بدون شكل محدد ، ويتاخم البحر مباشرة ، وقد شكل بجدرانه الضخمة على الجبهة البحرية في وقته قلعة منيعة ، وليس لهذا المبنى مظهر القصر وإنما قلعة راسخة قد فصلت عن بقية المدينة . لقد ترك كل قرن آثاره المعمارية على هذا المبنى بمفرده ، ففي أحد جهاته يشبه برجاً بدون نوافذ ، وفي مكان آخر يوجد به بيت صغير أقيم على المصطبة العالية المهوية وهو خاص بالنساء ذو نوافذ ذات قضبان ،ثم يقدم مرة أخرى واجهة بنوافذ من جميع الأحجام ، وقد بني في أكثر المستويات اختلافا ومن هذا الإرباك ترتفع نافذة كبيرة حيث كان الوالي المذكور على رضا باشا يفضل الجلوس .
يوجد في داخل القلعة علاوة على مساكن الباشا وبلاطه جميع المكاتب ومساكن الموظفين ، ويبدو أنه ليس من اليسر أن يجد المرء طريقه عبر فناءاتها وممراتها وزواياها وأقواسها وأدراجها ، وليس المكان بأكمله غير منتظم وغير ملائم فحسب، وإنما هو أيضاً مبنى يفتقر إلي الجمال ،وعلى الرغم من ضخامته فإنه يعتبر مبنى متواضعاً رديئاً تماماً .
خصص الشارع الذي يصل إلي باب المنشية لبيع الخضروات والصناعات اليدوية الصغيرة ،وبجانبه يوجد سوق الأرباع المقنطر حيث تعرض الأقمشة والملابس للبيع ،ويستطيع المرء أن يشتري من هناك الغطاءات الصوفية الملونة والبرانيس والمنسوجات من بلاد الجريد التونسي أو في الغالب من جزيرة جربة التي استقر مواطنوها الصناع في مجموعات كبيرة في طرابلس .
وهناك شارع آخر يصل من ميدان البرج إلى شارع السوق الرئيسي ، كما هو شأن جميع المدن الإسلامية على البحر المتوسط ، أكثر الشوارع نظافة وأغناها وأكثرها متعة ،إنه السوق المسمى بسوق الترك بتجاره البارزين من الأتراك والعرب الذين يجلسون في دكاكينهم الصغيرة، جادين ومبجلين ولا يمتدحون أبداً بضائعهم ولا يغيرون أسعارها ،ولا يبدو بأنهم مهتمون بالبيع والشراء ويقضون يومهم في القيل والقال مع الجيران والزوار ، وفي القراءة أو في أحلام عديمة الجدوى بصمت غير مبال والتي تعتبر سهلة جداً بالنسبة للشرقيين. إنهم لا يعبأون بمنافسة العصر الحديث ، التي غمرت سوقهم بالبضائع الأوروبية ،وتشبه هذه البضائع بضائعهم علي نحو لا يقبل الجدل ، والتي تتميز عنها بدون شك بنوعيتها الرديئة ولكن أيضاً برخص ثمنها إنهم يعيشون في عالم ذكرياتهم وأحلامهم . وكان اليهود إلي جانب هؤلاء يبيعون الأقمشة الصوفية والحريرية والقطنية التركية والعربية مع مشابهاتها من أوروبا ، وهناك وكما هو الحال في كل مكان آخر ، تناقض مثير للاشمئزاز مع جيرانهم المبجلين ، فهم يحاولون إيجاد الوسيلة ليجذبوا إليهم ولسلعهم احتراماً هو في الغالب لا مبرر له . كما توجد هناك أيضاً دكاكين التبغ والنراجيل بأباريقها المشكلة علي نحو جميل ، والسلطانيات وأكواب الشرب النحاسية ،مع الروائح والعطور من اسطنبول والسجاد من جميع أقاليم السلطان . هنا وهناك مقاهٍ بسيطة بمواقدها وأباريقها وأكوابها الصغيرة وجدرانها العارية ومقاعدها الخشبية ،كما توجد [ مثل هذه المقاهي > في مداخل مواضع نزول للمسافرين ، وتسمى فنادق كما في تونس ، وتتكون من فناءات مستطيلة الشكل محاطة برواق مقنطر تفتح فيه حجرات منخفضة صغيرة بدون نوافذ مجهزة لتخزين أمتعة وبضائع المسافرين ،وبها أبواب يصعب إحكامها . وتؤجر هذه الحجرات كمخازن للتجار الذين لا يعشون بالمدينة ، وتوجد في الطابق العلوي أحياناً حجرات نوم لأصحاب البضائع .
ويعرف امتداد سوق الترك بسوق التوارزية أي سوق الخياطين ، وكلهم من اليهود تقريبا ً ومن هناك يأتي المرء إلي سوق الحرارة في أحد الجوانب وهو سوق عمال الحرير ،الذين تأتى من محلاتهم تلك الأقمشة الرجالية المستطيلة الكبيره وهي نصف حريرية ويلتف بها الرجال وتحتل في طرابلس محل البرنس الأقل شيوعا ً وتعرف هناك بالحرام .
تنبض الحياة العامة في الأسواق ،كما في البلدان الإسلامية الاخري ، وإن لم تكن في طرابلس مفعمة بالحياة ،فإنها علي الرغم من ذلك ملحوظة بمظهرها النابض بالنشاط . تعد طرابلس المنفذ الرئيسي للتجارة الغدامسية، أي موطنوا غدا مس الذين تهيمن تجارتهم علي الصحراء الغربية ويتوسطون في العلاقات وسطاء مع الطوارق ، ولهم عملاء في بلاد السودان ويسافرون عن طريق توات إلي تمبكتو . ويميز تجار طرابلس بين بلاد السودان وبرنو ، وابتدأوا حديثاً السفر إلي وداي. ونتيجة لذلك فإنه يوجد إلي جانب هؤلاء التجار زملاؤهم في التجارة من مختلف بلدان دو اخل أفريقيا ،التاجر الغدامسي وهو يرتدي البرنس والأحذية المستدقة الرأس إلي جانب الطارقي الملثم وأبناء فزان إلي جانب السود من برنو وبلاد السودان والتبو ذوي الأجسام النحيلة .
يعيش الأثرياء حول هذا القسم من المدينة والأسواق الجيدة ، في بيوت هي عموماً أقل جمالاً بكثير من تلك التي بتونس ، مع هذا فإن تصميمها في الغالب متشابه . وتفتح نوافذ الدور الأرضي والعلوي علي فناء مفتوح مستطيل الشكل مرصوف بأحجار مقطعة أو بقرميد ، ومحاط بصفين من الاورقة السفلي منها عادة من الرخام أو الأحجار الرملية أما العلوي فمن الخشب فقط .
يتبع في الحلقة القادمة
|
 |
|
|
|