|
|
|  |
|
الصفحة الرئيسية /
محاضرات الموسم الثقافي / الاستعمار الايطالي والثقافة المحلية
|
|
الاستعمار الايطالي والثقافة المحلية
.. الاحتواء والمقاومة
التاريخ 15- 3 -2009
 728 مشاهدات
أ.د محمد الطاهر الجراري
مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية/ طرابلس
كان هدف التعليم الحكومي الإيطالي البعيد هو طلينة الوطنيين وتحضيرهم طبقا للنموذج الإيطالي (أبلتون، ترجمة المحيشي ، 1999 ، ص16-27 ؛ ر. دي ماركو ، ترجمة المحيشي ، 1988 ، ص 19-30).
هذا الهدف قوبل دائما بالرفض وهكذا تحولت الساحة التعليمية كلها إلى ساحة تضاد بين ثقافتين : مهيمنة غربية ومهزومة وطنية (أبلتون ، ترجمة المحيشي ، 1999 ، ص 98).
كان الدين هو الساتر الأقوى الذي تمترس ورائه المواطن فتحولت الكتاتيب إلى معاقل مقاومة وهجوم ثقافي مضاد للمد التغريبي الإيطالي المهاجم بقوة (أبلتون ، ترجمة المحيشي ، 1999 ، ص 68 و 252) . ولزيادة مناعة هذه الجبهة بولغ في رفض أي شيء إيطالي غربي حتى ولو كان منطقيا وعقليا. وهكذا تطرفت الحساسية الدينية حتى تشوه فهمها أحيانا ، وتحولت إلى أوكار تعشعش فيها الخوارق والخرافات المشبعة بالخيالات المفرطة تحت مسميات صوفية متعددة هدفها جميعا تحصين الجبهة الداخلية حتى تصمد في وجه الغزو الخارجي.
وبهذه الطريقة وجد التعليم الوطني والثقافة الوطنية نفسيهما ، في أحيان كثيرة ، مرتبطين بالتخلف واللاعقلانية التي استغلها الفكر الاستعماري للتمكين لنفسه ، وللطعن فيهما والتقليل منهما مقارنة بالعقلانية والتفتح اللذين يقدم النموذج الاستعماري بهما نفسه ، وهكذا صار التضاد بين الوطني والغريب أو الخرافي والعقلاني السمة الأوضح في المشهد الثقافي ، الأمر الذي استمرت بعض تداعياته حتى الآن .
في مثل هذا الموقف التصادمي فكرت القوة الاستعمارية الإيطالية في الالتفاف حول الممانعة واختراق الجبهة الوطنية بعيدا عن محاذير الدين وهكذا التفت إلى الفنون المحلية التي هي منطقة محايدة دينيا وأحياناً محاربة من قبل بعض المسلمين المتطرفين ، ولهذا فإن الاقتراب مع الغريب على ساحتها لا يشكل محضوراً لدى شريحة واسعة من منتسبي العقل الجماعي الليبي(أبلتون ، ترجمة المحيشي ، 1999 ، ص 78 و 198 و 260) . لذلك توجهت العقلية الاستعمارية للاستفادة من هذه الساحة المشتركة خصوصا وان هذا الجانب يمثل مادة فنية مرغوبة لدى الغرب باعتبارها تمثل فنوناً شرقية امتلاكها يشبع الإحساس الفني الغربي ويغذي خيالات أوروبية قديمة حول عجائب الشرق وغناه وسحره .
وهم في سعيهم للحصول على غرائب الصناعات والفنون المحلية وجدو فيها ميزة أخرى تخدم معركتهم العسكرية والفكرية مع المقاوم المحلي . فالفنون كما هو معروف عبارة عن تراكم ذوقي يتطور تلقائيا وفقا لقانون العرض والطلب المنطلق من الاستحسان العام لا التخطيط الممنهج. ولهذا نجد أن لكل منطقة فنونها التقليدية التي توارثتها وطورتها على مدى أجيال حتى صارت جزءا منها ومكوناً من مكوناتها .
هذا التنوع في الأداء والشكل والقبول استغلته المدرسة الاستعمارية في تغذية عوامل الفرقة بين أفراد المجتمع خصوصا بين الأفارقة والبربر والعرب وغيرهم.
استراتيجيا التعليم المهني يتناغم مع هاجس الخوف الإيطالي من التوسع في التعليم غير المهني لأنه قد يؤدي إلى الانقلاب على المستعمر ، عليه كان لابد من تبني الأسلوب الاستعماري الفرنسي بأن يقتصر تعليم الأهالي على المواد الحرفية ومنعهم من المواد العلمية . وأقصى ما يجب أن يصبو إليه المواطن هو خدمة المستعمر مهنيا وإداريا وحراسته والنيابة عنه في المهام الانتحارية في السلك العسكري الاستعماري (فرانشيسكا دي باسكوالي ، ترجمة الطاهر المغربي).
وعلى الطرف الآخر وجد الليبي في الفنون والصناعات التقليدية ساحة ينفتح فيها على الإيطالي بكثير من الراحة لعدة أسباب أهمها قلة المحاذير الدينية فيها وثانيا لمردودها المادي المجزي وثالثا لإشباع الطموح الشخصي من حيث الإبداع وأيضا من حيث التعبير عن الذات الوطنية والأصالة وحتى المقاومة .
وهكذا صارت الفنون والصناعات التقليدية أرضية مشتركة للاثنين ولكن لأغراض مختلفة، لهذا وجب استغلالها من قبل الاستعمار.
لدراسة هذا الموضوع سنركز على نموذجين الأول هو مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية والثاني هو المعهد الفاشستي للصناعات التقليدية الليبية وهما المؤسستان الأهم اللتان دعمتهما السلطة الاستعمارية الإيطالية لتغذية وتطوير الثقافة المحلية.
|
 |
|
|
|