Libyan Jihad Center for Historical Studies المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية
 
 

اعلان 

 

 الرئيسية

اتصل  بنا

  اليوم 10 - 9 -2010

أبحث في جوجل

 

أقسام المركز

 
الرواية المرئية
 
مختارات من مكتبة الصور
 
أرشيف الأخبار والمقالات
 
 
 
منشورات شعبة  النشر
Carousel Slideshow
الـبـحـث
ابحث حسب التاريخ
اليوم الشهر السنة


الفاتح - سبتمبر 2010
سبتاحداثنينثلاتاءاربعاءخميسجمعه
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
 
 
 

الصفحة الرئيسية / محاضرات الموسم الثقافي / الوثـائق والتــاريخ

 

الوثـائق والتــاريخ
التاريخ 03- 3 -2009
Print View  703 مشاهدات
د. محـمد صـابر عــرب

لقد عُنيت أوربا منذ فترة مبكرة من القرن التاسع عشر بالوثائق باعتبارها تراثًا تاريخيًّا ووطنيًّا، ومصدرًا أساسيًّا للكتابة التاريخية، لذا شيًّدت لها البنايات وسنَّت لها التشريعات واللوائح المنظمة بهدف الحفاظ عليها وحمايتها.

لقد كانت مصر في مقدمة الدول التي عنيت بوثائقها منذ عشرينات القرن التاسع عشر، حينما أنشأ محمد علي الدفترخانة المصرية 1828م، وأقام لها فروعًا في الأقاليم المصرية، وسنَّ لها التشريعات واللوائح المنظمة لعملها، واعتمد في ذلك على الخبرة الفرنسية، سواء في تشييد المبنى "الدفترخانة" بالقلعة وتقسيمه إلى إدارات وأقسام، أو في التشريعات واللوائح التي اعتمد عليها الفرنسيون وهم يشيدون هذه المؤسسة
العريقة، وكانت مصر في ذلك أسبق من الولايات المتحدة الأمريكية التي
أنشأت أرشيفها 1833م.


وعلى الرغم من أن محمد علي لم يكن يستهدف من إقامة الدفترخانة خدمة التاريخ باعتبار الوثائق هي المصدر الأساسي في كتابته؛ وإنما كان يستهدف ضبط الإدارة والحفاظ على المعلومات التي يمكن الرجوع إليها، سواء لمراجعة المشروعات الاقتصادية والإدارية والعسكرية، أو لحفظ إنجازاته في شتى مناحي الحياة، وهي أهداف في مجملها تتعلق بمشروع محمد علي، لكن الرجل لم يكن يعلم أنه يقدم بهذا خدمة جليلة للوطن، فقد ترك لنا تراثًا وثائقيًّا ضخمًا ليس فقط منذ بدايات القرن التاسع عشر؛ وإنما حفظ مجمل ما كان محتفظًا به خلال العصر العثماني من سجلات المحاكم الشرعية وحجج أمراء وسلاطين العصرين الأيوبي والمملوكي، وكذا العصر العثماني، وهو تراث غاية في الأهمية.

لقد اشتملت هذه السجلات والحجج على معلومات اقتصادية واجتماعية ودينية كان من الصعب معرفة تاريخ مصر في غيبة هذه السجلات التي تعد بمثابة دفاتر أحوال يومية لحركة المجتمع واتجاهاته ونظم الحكم في غيبة الدولة بالمعنى المؤسسي؛ وخصوصًا في مجال التعليم والخدمات والأمن، لذا كانت مصدرًا هامًا لكل المؤرخين من أمثال ابن إياس (بدائع الزهور) وأَوْليا جلبي، وغيرهما ممن كتبوا عن هذه الحقبة، وهي كتابات وإن كانت تتضمن شهادات حية على العصر؛ لكنها كانت أقرب إلى الكتابات الانطباعية والأدبية أكثر منها تاريخية، وتبدوا أهمية مثل هذه الكتابات في أنها أحيانًا هي المصدر الوحيد لقضايا بذاتها، وخصوصًا شهادات ابن إياس –مثلاً- عن سياسات السلطان سليم تجاه العلماء والمعماريون والحرفيون وغالبية الحرف والمهن التي تعطلت في مصر بسبب نقل أربابها قهرًا إلى عاصمته استانبول، أو حينما يأتي الكلام عن بطولة طومنباي الذي أعده ابن إياس شهيدًا وهو يدافع عن مصر عاصمة المماليك في مواجهة جيوش العثمانيين.
ورغم أن هذه الأحداث قد عاصرها ابن إياس، لكن ليست المعايشة أو المعاصرة للحدث بالضرورة هي دليل صدق، بل كثيرًا ما تتدخل الأهواء والانطباعات الشخصية لكي تحيل القضية أحيانًا إلى حالة قد تختلف بشكل أو بآخر عن الواقع، وهو ما نلاحظه في حياتنا المعاصرة، ففي غيبة الوثائق والمعلومات الموثقة تضيع الحقيقية ويصعب على المؤرخ أن يقدم التجربة كما حدثت، وكلما أوغلنا في حقب تاريخية بعيدة كلما كان الوصول إلى الحقيقة أمرًا صعبًا، وهو ما نلاحظه في كثير من كتابات التاريخ في الحِقب الإسلامية التي سبقت العصر العثماني، حيث يعتمد المؤرخون على كتابات أدبية أو فقهية يحلق فيها الخيال الذي يبتعد عن الواقع كثيرًا.
أعتقد أن بداية عصر محمد علي يعد نقطة تحول هائلة ليس فقط في مجال التنمية؛ وإنما في مجال الإدارة وتوثيق المعلومات والاعتماد على المنهج الذي ابتكره الأوربيون، وخصوصًا التجربة الفرنسية، وعلى ضوء المشروعات الكبيرة التي راح محمد علي يشيدها بصرف النظر عما كان يكتنفها من قسوة وقهر، لكن الباحث وهو يسترجع هذه التجربة يستطيع أن يعتمد على الوثائق على الرغم من كثرتها، سواء في مجالات الزراعة أو الصناعة أو الجيش أو البعثات أو حتى السكان، فقد كانت التجربة رائدة بكل المقاييس، فلنا أن نتصور أن الرجل وهو يشيد تجربته كان في حاجة إلى معرفة تعداد السكان ليس من قبيل التعداد التقليدي؛ وإنما تنوع الأعمار والذكور والإناث، ومن هم تحت سن التعليم أو التجنيد، أو حتى ذوي العاهات وكبار السن، وساكني المدن والقرى وأرباب الحرف... إلخ. وهو تعداد يعد نموذجًا فنيًّا وإحصائيًّا أصبح مع مرور الزمن بمثابة كتاب موثق عن المجتمع المصري لايمكن لباحث أن يكتب في الاقتصاد أو في الحياة الاجتماعية أو التنمية خلال هذه الحقبة إلا وكان تعداد محمد علي هو أهم المصادر التي يعتمد عليها.
وإذا كان القرن التاسع عشر يشكل نقلة كبيرة في تاريخ مصر على كافة المستويات، لكن ما تحقق على المستوى العلمي يعد أبرز مظاهر هذه الفترة، فقد كانت البعثات التي أرسلها محمد علي، وتشيد البنية الاقتصادية والإدارية التي جذبت الأجانب والشوام ، جميعها كانت بمثابة نقلة كبيرة، كانت الترجمة أحد مظاهرها، وكانت الإدارة أحد معالمها الرئيسية.
لقد راح المجتمع يتغير لكنه كان تغيرًا لافتًا فقد شيدت الطرق وشقت الجسور، وتضاعفت الرقعة الزراعية وانخرط المصريون لأول مرة في الجندية، وأقيمت المدارس بمختلف تخصصاتها ، لكن كل ذلك كان بمثابة مشروع رجل واحد جيَّش كل المصريين لتحقيق أهدافه وإقامة مشروعه، لذا فلم يتحمس المصريون أبدًا لرجل كان يصنع مجدًا له ولأسرته، فقد كانوا يساقون إلى السخرة في ظروف افتقدت كل الجوانب الإنسانية، لذا حينما سقط الرجل طريح المرض سقط المشروع برمته، وهي قضية تستوجب الاهتمام والدراسة، ولكن الذي يستلفت النظر أن تجربة الرجل برمتها قد حفظت موثقة بتفاصيلها بشكل مذهل بفضل ضبط الإدارة من جانب؛ ولوائح وتشريعات الدفترخانة من جانب آخر.
واليوم وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف على التجربة، لكن الباحث في أي فرع من فروع هذا المشروع يذهل من حجم المعلومات والتفاصيل واللوائح والأوامر والأوراق التي حفظت التجربة التي اعتمد عليها المؤرخون باعتبارها مادة حية صالحة لكي يُعاد كتابة التاريخ المصري بطرق علمية منهجية، وهو ما أحدث
طفرة هائلة خلال النصف قرن الماضي في الكتابة التاريخية التي اعتمدت على هذه الوثائق.
وإذا كان القرن التاسع عشر يعد نقطة تحول مفصلية في التاريخ المصري لأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية وحضارية لكن أيضًا كان هذا القرن بداية جديدة في الكتابة التاريخية، وعلى الرغم من أهمية ما كتبه الجبرتي وهو الشاهد على كل هذه التحولات، لكن تظل كتاباته انطباعية وذاتية على الرغم من أهميتها لكن ما كتب مع منتصف القرن التاسع عشر سواء ما كتبه علي باشا مبارك، في كتابه الشهير "الخطط التوفيقية" أو أمين سامي في "تقويم النيل"، أو غيرهما يعد نموذجًا علميًّا توثيقيًّا وإحصائيًّا أخرج التاريخ من دائرة الأدب إلى دائرة التاريخ بالمعنى العلمي.
لعل مجمل ما كُتب في القرن التاسع عشر يعد مصدرًا أساسيًّا ليس فقط لأن غالبية من كتبوا كانوا معاصرين للأحداث سواء لعصر محمد علي أو تجربة مصر في عصر سعيد وإسماعيل وصولاً إلى الاحتلال البريطاني 1882م، وجاءت غالبية الكتابات وقد اعتمدت على التوثيق والمعلومات التي أصبحت متاحة سواء عن قناة السويس أو عن ميزانية مصر ومشروعات التحديث في عصر إسماعيل أو عن الاحتلال والظروف التي واكبته، جميعها كتابات اختلفت بشكل أو آخر عن كتابات القرن الثامن عشر وما قبلها، لكن نوعًا آخر من الكتابات قد ظهر في القرن التاسع عشر جاء وسطًا ما بين التاريخ والأدب، وهو ما عرف بأدب الرحلات، ولعل من أهم هذه الكتابات ما كتبه الطهطاوي عن بعثته إلى باريس أو ما كتبه الشيخ حسن العدل في رحلته الشهيرة إلى ألمانيا وسويسرا (رحلة حسن أفندي توفيق إلى ألمانيا وسويسرا) وهي كتابات شفف بها المصريون وتبدو أهميتها في أنها نقلت بشكل أو بآخر بعض التجارب الأوربية بكل جوانبها إلى القارئ المصري الذي لم تتح له فرصة السفر، إضافة إلى العديد من الترجمات التي قام بها ديوان الترجمة من الفرنسية والإنجليزية إلى العربية، وكانت بمثابة فتح جيد على المعارف والثقافات الأجنبية في عصر كانت مصر تتبوأ مكانتها اللائقة بعد أكثر من ثلاثة قرون من الجمود.
على أية حال فإن كل هذه الكتابات لم تكن تاريَّخًا بالمعنى المنهجي والعلمي، وإنما كانت بمثابة مادة تاريخية اعتمد عليها مؤرخو القرن العشرين كأحد المصادر الهامة حينما أصبح التاريخ علمًا بالمعنى الفني، وخصوصًا عقب عودة الجيل الثاني وربما الثالث من البعوثين خلال عصر إسماعيل وتوفيق لكي تبدأ مصر مع بدايات القرن العشرين، وقد اكتسبت نخبة من أبنائها تجارب علمية رائعة عقب عودتهم من بعثاتهم.
لم تكن تجربة مصر مع مطلع القرن العشرين أمرا خارجاً على السياق وإنما ما حدث من حراك ثقافي وسياسي تمخض عنه ظهور التجربة الحزبية الأولى التي بدأت بحزب الأمة ثم الحزب الوطني وغيرهما من أحزاب أخرى صغيرة كحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية جميعها كانت نتاجاً لحركة سياسية وفكرية كبيرة كانت نتاجاً لقرن كامل من الحراك الذي شارك فيه ولأول مرة أبناء الطبقة الدنيا، الذين أتيح لبعضهم أن يكتسب قدراً من التعليم سواء في الداخل أو في الخارج وهو ما أهل مصر لكي تشهد ظهور الطبقة الوسطى، التي راحت تتسع لكي تعبر عن نفسها خلال العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، ولعل أحداث ثورة 1919 كانت تعبيرا عن ظهور هذه الطبقة، التي شعرت بأهمية دورها السياسي والاجتماعي.
وإذا كانت بدايات القرن العشرين قد شهدت حراكا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا كانت الصحافة أحد مظاهره لكن فيما يتعلق بالكتابات التاريخية فقد ظهر اتجاه تبناه العديد من الرموز المصرية العائدة من أوروبا من أمثال محمد حسين هيكل، وصبري السريوني ومحمد شفيق غربال وغيرهم ممن درسوا في أوروبا واكتسبوا مناهج جديدة وضعت حدا فاصلا بين الكتابات الأدبية والكتابات التاريخية.
وعلى المستوى الرسمي فقد ظهرت العناية بالوثائق باعتبارها المصدر الأساسي للكتابة التاريخية حينما عُني الملك احمد فؤاد بالكتابة عن تاريخ محمد علي وأسرته. حينما استقدم بعض المؤرخين والمفهرسين لجمع وثائق أسرة محمد علي من أماكن متعددة ونقلها إلى قصر عابدين لكي تكون في متناول المؤرخين لكي يكتبوا عن محمد علي الذي راحت العديد من الكتابات الأوروبية تنال من تجربته وخصوصا فيما يتعلق بالسخرة والقسوة التي صاحبت تجربته. ولم يكتف بذلك بل بعث بمترجمين إلى الأرشيفات البريطانية والفرنسية والنمساوية وحتى الأمريكية لكي يستنسخوا ما كتب عن مصر في هذه الأرشيفات لكي تستقر في قصر عابدين في النهاية مئات الألوف من الوثائق المترجمة إلى العربية وهي مادة وثائقية غاية في الأهمية ما يزال الباحثون المصريون والعرب يعتمدون عليها في كتاباتهم عن تاريخ مصر خلال القرن التاسع عشر.
ويمكن القول تحديدا بأن المدرسة التاريخية المصرية الحقيقية قد بدأت خلال تلك الفترة من عشرينات القرن العشرين، كان من روادها شفيق غربال وصبري السريوني وغيرهما وظهرت العناية بالكتابة التاريخية بالمعنى العلمي في مجالات مثل التعليم والصناعة والزراعة والتجارة اعتمادا على الوثائق التي أصبحت متاحة سواء في دار المحفوظات العمومية أو في دار المحفوظات التاريخية الملكية في قصر عابدين.
لقد كان شفيق غربال يعد رائدا في هذا المجال فقد كان هو الأستاذ الأكثر تأثيرا في تلاميذه الذين يعدون بحق روادا في تأسيس المدرسة المصرية الحديثة في الكتابة التاريخية من أمثال أحمد عزت عبد الكريم الذي كان من أكثر تلاميذ غربال تأثرا به، وقد كتب رسالته للماجستير عن تاريخ التعليم في عصر محمد علي، ثم الدكتوراه عن تاريخ التعليم منذ أواخر محمد علي إلى أوائل عصر توفيق، ثم عبد العزيز الشناوي مؤسس مدرسة التاريخ الحديث بجامعة الأزهر، الذي تتلمذ على غربال وكتب رسالته الشهيرة "السخرة في قناة السويس" – ماجستير- وقد كان صاحب مدرسة كبيرة أَشْرُف بأن أكون أحد أبنائها. ثم محمد رفعت رمضان وأحمد حته وحسن عثمان وغيرهم كثيرون وهذه المجموعة الرائدة هي التي اعتمدت بشكل أساسي على الوثائق على اعتبار أنه لا تاريخ بدون وثائق ولعل هذه المدرسة هي التي أنهت الاشتباك بشكل نهائي بين التاريخ والأدب.
أعتقد أن محمد علي قد قدم خدمة جليلة لتاريخ هذا الوطن حينما أنشأ "الدقتر خانة المصرية 1828 " ولم يكن وهو يؤسس هذا الصرح الكبير يعلم أنه يقدم خدمة للمؤرخين؛ فقد كان يستهدف من إنشاء الدفتر خانة ضبط الإدارة ومراجعة أعمال المديرين والموظفين العموميين لكنه اعتمد على تقاليد مؤسسية استقاها من التجربة الفرنسية وخصوصاً في مجال اللوائح والتشريعات لذا حفظت مصر وثائقها وتراثها ليس فقط من بدايات تجربته وإنما منذ العصر العثماني وهذه الوثائق قد أصبحت في متناول جيل الرواد من المؤرخين فشفيق غربال قد اعتمد على الوثائق البريطانية والمصرية وهو يكتب رسالته للماجستير عن محمد علي والمسالة المصرية وكان تلميذًا لتوينبي الذي عده معلماً عظيماً وأستاذا ملهماً. وما كتبه الدكتور سيد كامل عن "مؤتمر الأستانة والمسألة المصرية 1882" وهو البحث الذي نشر بالفرنسية 1913، وقد اعتمد على الوثائق العثمانية والفرنسية والمصرية والدكتور هيكل وهو يكتب رسالته عن "دين مصر العام" والدكتور محمد صبري السريوني الذي تعد أبحاثه عن عصر محمد علي وإسماعيل بمثابة نقلة كبيرة في الكتابة التاريخية.
والملاحظ أن التباين في المنهجين الإنجليزي والفرنسي قد ظهر بشكل لافت في كتابات السريوني وغربال؛ فالأول قد درس في باريس وكان ممن اتصلوا بسعد زغلول أثناء المفاوضات؛ لذا بدت في كتاباته الروح القومية التي لا تبدو في واضحة في كتابات غربال. وعلى حد قول أستاذنا أحمد عبد الرحيم مصطفى: فقد كان السريوني أديبًا ومؤرخًا بينما كان غربال مؤرخًا أديبًا، وفرق بين التزمت الإنجليزي البارد في العلم كما تلقنه غربال في إنجلترا وبين العاطفة والنزعة الشاعرية الفكرية التي جعلت باريس بمثابة قبلة للفنانين والمفكرين الكبار.
على أية حال فإننا مدينون إلى جيل الرواد من المؤرخين المصريين الذين جعلوا من التاريخ علماً مستقلاً بذاته حينما أرشدونا إلى الوثائق باعتبارها المصدر الأساسي للكتابة العلمية الرصينة كما أننا مدينون إلى محمد علي في هذا الجانب حينما حفظ لمصر وثائقها من الضياع حينما أنشأ الدفتر خانة المصرية التي جعل منها مؤسسة قائمة بذاتها وما تزال الوثائق المصرية المحفوظة سواء بدار الوثائق؛ أو بدار المحفوظات العمومية هي فخار لتاريخ وطن كان كبيراً وسيبقى كبيراً.
لكن ثمة خلط كبير بين الوثائق وبين المذكرات التي كتبها أصحابها سواء أكانوا مشاركين في صناعة الأحداث أو كانوا شهودًا عليها وفي الحالتين لا يمكن أن تصنف من قبيل الوثائق بل هي مادة تاريخية يعتمد عليها المؤرخون مع العديد من التحفظات عليها، حتى الوثائق نفسها تختلف وفق طبيعتها ما بين تقارير سياسية واقتصادية وما بين اتفاقيات ومعاهدات. وإذا كان الباحث في التاريخ المصري يجد مادة وثائقية وفيرة عن مصر منذ العصر العثماني وحتى خمسينات القرن العشرين، لكن مشكلة كبيرة قد واجهت المشتغلين بحقل التاريخ الحديث والمعاصر؛ وخصوصاً مع إنشاء دار الوثائق المصرية 1954 حينما نقلت مجموعات من الوثائق من قصر عابدين والأوقاف والحربية والمالية وغيرها إلى دار الوثائق لكن ظلت العديد من الوثائق المصرية مودعة بدار المحفوظات العمومية التابعة لوزارة المالية وفق ظروف حفظ وإتاحة غاية في الصعوبة دون تطوير وتحديث سواء في بيئة الحفظ أوفي وسائل الإتاحة، وهذه الوثائق على الرغم من أهميتها لكنها معرضة للتلف والضياع وهي في حاجة إلى تدخل جهات سيادية لإنقاذها، وهي في حاجة إلى قانون ينظم التعامل معها ويجرم الإهمال والسرقة.
لقد تحفظت الدولة على معظم الوثائق ابتداء من منتصف خمسينات القرن الماضي ابتداء بوثائق السويس وحرب الاستنزاف ووصولا إلى وثائق حرب 1973، وامتد الحظر إلى معظم وثائق الدولة لكي تبقى هذه الفترة بوثائقها بعيدة عن متناول المؤرخين والباحثين الذين يلجأون أحياناً إلى الكتابة في موضوعات وطنية هامة إلى الأرشيفات الأجنبية التي قد تكون طرفًا في صراع سياسي وعسكري مع مصر مثل حرب 1967، 1973 إلخ، وفي الغالب يعتمدون على وثائق هذه الدول في غيبة وجهة النظر المصرية؛ لذا فقد حرصت دار الوثائق على إعداد مشروع قانون ينظم حفظ الوثائق وإتاحتها وما يزال هذا القانون يدرس منذ أكثر من ثلاث سنوات.
لعل مصالح مصر القومية تقضي بضرورة التعجيل بإصدار هذا القانون حماية لتاريخ هذا الوطن.
د. محمـد صـابر عـرب

 
 المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010