Libyan Jihad Center for Historical Studies المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية
 
 

اعلان 

 

 الرئيسية

اتصل  بنا

  اليوم 09 - 9 -2010

أبحث في جوجل

 

أقسام المركز

 
الرواية المرئية
 
مختارات من مكتبة الصور
 
أرشيف الأخبار والمقالات
 
 
 
منشورات شعبة  النشر
Carousel Slideshow
الـبـحـث
ابحث حسب التاريخ
اليوم الشهر السنة


الفاتح - سبتمبر 2010
سبتاحداثنينثلاتاءاربعاءخميسجمعه
1 2 3
4 5 6 7 8 910
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30
 
 
 

الصفحة الرئيسية / محاضرات الموسم الثقافي / القاضي الشرعي في ولاية طرابلس الغرب

 

القاضي الشرعي في ولاية طرابلس الغرب
أ. علـــي عمــــر الهــــازل
التاريخ 25- 8 -2008
Print View  912 مشاهدات
باحــث بمـــركز الجهـــاد

لعل البحث في القضاء الشرعي في أي قطر إسلامي يعتبر تحصيل حاصل إذ أن جميع يسلمون بأحكام الدين الحنيف وهو مصدر لالتزامهم الخلقي وفي هذا البحث لا نبحث في الأحكام الشرعية ولا طريقة إصدارها وإنما ينصب البحث في مجمله على القوانين والتشريعات المنفذة لتعاليم الإسلام في ظل الحكم العثماني للمسلمين في أصقاع الأرض المختلفة بصفتها وريثة الأنظمة السياسية التي سادت العالم الإسلامي قبل نشوئها ، مثل الدولتين الأموية والعباسية ، ولقد سار العثمانيون في الشؤون القضائية على النهج الإسلامي .


ولقد تأسست محاكمهم وفق النظم الإسلامية سواء من ناحية التشريع أو من ناحية التشكيلات وكانت نظرتهم إلى الشريعة الإسلامية نظرة إجلال وتقديس ومن هذا المنطلق اتخذ السلطان عثمان الغازي مؤسس الدولة العثمانية أول قراراته بتعيين أول قاض وجعل سلطته القضائية تعمل وتنشط ، وكان هذا القاضي ، هو الفقيه طورسون سنة 1299 م.
لقد اهتم العثمانيون بالقضاء ، حيث كانوا يختارون من العلماء القادرين على القيام بأعباء القضاء وكذلك أسسوا المدارس في المدن الكبرى لتخريج العلماء والقضاة( ) وركزوا على ان تكون السلطة القضائية في أيد نزيهة ، ذات كفاءة عالية في هذا المجال حتى يمكن لها ان تسير بالقضاء في الحدود التي رسمتها الشريعة الإسلامية ، وكان اهتمام العثمانيين ينصب على أن تحقيق العدل والعدالة لا يمكن الوصول إليه بأناس لا يدركون أهميته في المجتمع ، ولا يفقهون غايته ومن أجل هذا كانت هذه الأهمية قد استأثرت بقسط وافر من العناية والاهتمام بالقضاء ورجاله العاملين( ) وقد كان القضاة في الدولة العثمانية لما لهم من الولاية العامة يفصلون فيما يقدم لهم من القضايا المدنية والجنائية وفقا للأحكام الشرعية ، وكانوا يشرفون على أموال الأوقاف والقصر ، ويعينون الأوصياء عليهم ويراقبون إدارة أموالهم ، وكانت الدعاوى والحوادث التي تعرض على القضاة تضبط ضبطا جيدا ، ويفهم ذلك من خلال المضابط والسجلات الموجودة بدار المحفوظات التاريخية بطرابلس.
يتكون الجهاز القضائي من قاضيين يشرفان على القضاء في الدولة العثمانية وأقاليمها كهيئة قضائية عليا ، حتى عهد محمد الفاتح 1451 – 1481 م حيث استحدث في آخر عهده منصبين لقضاة العسكر ، أحدهما باسم عسكر الروملى والآخر قاضي عسكر الأناضول ، وكانا من أكبر الاركان في التشكيلات القضائية في الدولة العثمانية ، ويصحبان الجيش إذا كان السلطان يتولى قيادته فإذا ما كانت الجيوش في طريقها إلى قارة أوربا ، فإن قاضي عسكر الروملى يكون معها ، أما إذا كانت متوجهة إلى قارتي آسيا وأفريقيا يكون قاضي عسكر الاناضول ضمن قيادتها ، وكانت وظيفة قاضي العسكر ، تقديم الاستشارة القانونية للسلطان ، وكذلك الاشراف على توزيع الغنائم والفصل والحكم في الخصومات التي تحدث بين أفراد الجيش ، والدعاوى الجنائية والمدنية التي يتقدم بها الأهالي ضد أحد الجنود ، وكذلك كانوا يعينون القضاة في مختلف أقاليم الدولة العثمانية( ).
بعد هذه المقدمة التي أرى انها ضرورية ، لان ولاية طرابلس لا يمكن فصلها عن جسم الدولة العثمانية ، وما كان يجرى في الدولة ينعكس بالتالي على الولاية أو بمعنى آخر كانت الولاية ساحة من ساحات تطبيق القضاء العثماني ، وفي نهاية المطاف فان الولاية كانت تابعه للقضاء العثماني ، لان قضاة ولاية طرابلس الغرب يتبعون لقاضي عسكر الاناضول ، وهو الذي يشرف على تعيينهم( )وكان التنظيم القضائى في ولاية طرابلس قبل الاصلاحات العثمانية التي بدأت تصدر منذ سنة 1839 م ، والتطورات الناتجة عنها ، والتي بدأ تطبيقها في الولاية سنة 1867 م وهى السنة التي بدأ فيها إنشاء المؤسسات القضائية المدنية ، كان هذا التنظيم يتمثل في القضاء الشرعى الذي ينطوى على المحاكم الشرعية ، والتي ربما يعود تاريخ تأسيسها إلى عهد السلطان محمد الفاتح ، حيث كان التنظيم الاداري والتشكيلات الحكومية في عهده ، تمثل المحكمة الشرعية أحد أركانها( ).
ونستطيع التأكيد على وجود المحكمة الشرعية بالولاية ، لاطلاعى على بعض الوثائق التاريخية التي تشير إلى وجودها فيه منذ عهد أحمد باشا القره مانلى 1711 – 1745 م ، حسبما تشير وثيقة زواجه الذي عقد بالمحكمة الشرعية في طرابلس الغرب( ).
وكانت المحاكم الشرعية تنظر في القضايا والدعاوى على المذهبين الحنفى مذهب الدولة العثمانية والذي يتولى القاضي الشرعي المعين منها لادارة جهاز القضاء في طرابلس ، والمذهب المالكى وهو مذهب غالبية السكان ، لان القضاء في طرابلس وفي البلاد الليبية بشكل عام كان مزدوجا بين المذهب الحنفى الذي كان له منصب القاضي بغض النظر عن جنسية القاضي سواء أكان من أصحاب البلاد أو وافدا ؟ والمذهب المالكى الذي كان يسند له منصب النيابة أو النائب للقاضي الشرعي الحنفى( ).
وقد كانت المحاكم الشرعية تفصل في مختلف القضايا والدعاوى تحت القاعدة المعروفة، والتي تقول : البيّنة على من أدعى واليمين على من أنكر ، وذلك حسب ما جاء في احدى الوثائق التي أشارت في آخرها إلى : ان صاحب الدعوى أو المدعى يطلب من المدعى عليه الاجابة على صحة دعواه ، فأجاب المدعى عليه بالانكار التام ، فكلف القاضي المدعى بإقامة البينة على دعواه فعجز عن ذلك ، ولكنه طلب اليمين من المدعى عليه ، فحلف له اليمين الشرعية ، كما يجب وكيف ما تجب؟( ).
هذا من حيث المذاهب التي كانت تجرى عليها المحاكمات وتصدر بموجبها الأحكام ، أما من حيث الشكل فكانت المحاكم الشرعية تدار بواسطة جهاز على النحو التالي:
أولاً: القاضــي:
يعتبر القاضي رأس كل محكمة شرعية ، بل رأس القضاء الشرعى برمته في مركز الاياله ومراكز الالوية التابعة لها ، ويطلق عليه في بعض الأحيان حاكم الشرع أو الافندى( ) ويتم تعيينه من المشيخة الإسلامية ، والأخيرة تعتبر المسؤولة مباشرة على كل القضاء في الدولة العثمانية ، ويتولى شيخ الإسلام ادارتها التي تقع في اسطنبول عاصمة الدولة( ).
وكانت العادة المتبعة في مدة تولى منصب القضاء بطرابلس ان يبقى من يتولى هذا المنصب مدة عامين ، ثم يتم تغييره بقاض آخر ، ويمكن تمديد فترة عمله إلى أكثر من المدة المقررة ، إذا اقتضى الامر ذلك ، وقد يغادر عمله قبل انتهاء فترته ، وفى هذه الحالة يكلف قاض يكون بديلاً ونائباً عن القاضي السابق حتى اتمام مدته( )، ويشترط في من يتولى هذا المنصب أن يكون حنفى المذهب( )وكان القاضي من أبرز الشخصيات في الايالة ، حيث كان ياتى في المرتبة التالية للوالى( ).
وكانت الطريقة المتبعة في تعيين مناصب القضاة في كل الايالات العثمانية والاقاليم ، ان يعقد أصحاب السماحة قضاة العسكر الروملى والاناضول ديواناً اربع مرات في العام الواحد وخلال هذا الديوان يوجهون المناصب إلى من يريدها أو إلى من يطلبها ، وعند موافقة الديوان تحال إلى شيخ الإسلام والذي بدوره يحيل قائمة أسماء القضاة إلى القصر السلطانى ، حيث يقوم السلطان باصدار فرمان بالتعيين ، ويحمل هذا الفرمان بعض عبارات التقدير والاحترام منها على سبيل المثال : اقضى قضاة المسلمين ، والى ولاة الموحدين معدن الفضل واليقين ، رافع اعلام الشريعة والدين ، وارث علوم الانبياء والمرسلين المختص بمزيد عناية الملك المعين مولانا زيدت فضائله ، وهذه العبارات تكاد تكون موجهة لجميع القضاة( ).
لقد كان سلاطين آل عثمان يولون على الديار الليبية قاضيا يختارونه من قضاة الاستانة، وكانت توليته كما ذكرنا سلفا لمدة سنتين ، وكانت تتم عن طريق الالتزام .
ونظام الالتزام ظهر في القرن السادس عشر ميلادي ، وكان الولاة يحكمون به ، أو بمعنى آخر كانوا ملتزمون بأن يرسلوا إلى خزانة الدولة العثمانية مبلغا محددا من المال ، وكان من حقهم ان يستبقوا حصيلة الضرائب بعد تسديد رسوم الالتزام المتفق عليها باعتباره عائدا شخصيا ، لقد جرى ذلك على أثر تطبيق اعراف عثمانية خاصة في الأراضي التي يسيطرون عليها في الأقاليم الخاضعة لهم واما المناطق التي لا يسيطرون عليها فتكون خاضعة للانظمة القبلية ويجد الولاة صعوبة في جمع ضرائبها ، وقد اتبعت الدولة العثمانية هذا النظام منذ ذلك الوقت في كل اركان الادارة تقريبا ، وقد حاولت الدولة ابطال هذا النظام عندما اصدرت الاصلاحات سنة 1839م( ) . وتشير احدى الوثائق بدار المحفوظات التاريخية إلى ذلك ؟، وهي وثيقة تحمل عنوان تنبيهات شاملة للاصول التي وقع القرار عليها بارادة سنية في كيفية ما يأخذه القضاة والنواب من الرسومات ، وفي كيفية حركاتهم ، وبمقارنة ما جاء فيها من تعليمات ، مع القوانين والانظمة الصادرة مع بداية الاصلاحات العثمانية ، تبين انها تتفق تماما مع ما جاء في نظام بحق عموم المحاكم الشرعية ، الصادر سنة 1859 م ، مع اختلاف في المقدمة والخاتمة فقط ، وهي أي الوثيقة تعطى معلومات كافية عن الرسوم التي يجب ان تدفع للقضاة والنواب أثناء معالجة القضايا بالمحاكم الشرعية وسوف اتناولها في أثناء الحديث عن اصلاح القضاء الشرعي .لقد جاء في الوثيقة السالفة الذكر: أنه لا يكون ارسال النواب والمقصود بهم هنا القضاة بمعاش مقطوع إلى سائر النواحى من قبل الحكام في القضاءات ، بل يجب ارسالهم على وجه الامانة( ) وهذا يعني نظام الامانة هو النظام الذي يجب ان يعين بموجبه القضاة والنواب ، والنظام يعنى أن تقوم دوائر الدولة بأستيفاء اموال بعض الضرائب والرسوم مباشرة من المكلفين بدفعها ، وقد حرصت الدولة العثمانية عندما حاولت بعد اصدار الاصلاحات تطبيق هذا النظام على ان تحصل على أعلى نسبة من الاموال وبأقل التكاليف( ).
وهذا النظام عكس نظام الالتزام ، وقد طالب الخط الاول من خطوط الاصلاحات العثمانية وهو خط كلخانة الصادر سنة 1839 م بالغاء نظام الالتزام حيث جاء فيه ان نظام الالتزام يتطلب جهود العديد من العساكر والموظفين في سبيل الحصول على الأموال ، وبدوره يتطلب الاموال من اجل المصروفات والاموال في حد ذاتها تاتي من الاهالى ، ومادام الامر كذلك يجب ان يكون امر الحصول على الاموال بصورة حسنة وجيدة ، وبما أن الأموال التي تؤخذ فيما سبق عن طريق الالتزام والملتزمين ، لم يأت منها الا الخراب ، ولم يحصل أو يجن منها أي نفع( ).
اما عملية الالتزام في مجال القضاء فكانت تتم بأن تطرح الدولة العثمانية في اسطنبول للمزايدة تحصيل ايرادات رسوم القضاء في ايالاتها والتي من بينها أيالة طرابلس الغرب ، حيث يتقدم من يرغب في الحصول على منصب القضاء بعرضه للمزايدة ، ومن يكون عرضه الاكثر ثمنا يمنح له حق تولى هذا المنصب وتصدر الارادة السلطانية بالموافقة على المزايد الاكثر ثمنا ، ثم يصدر عن الباب العالى فرمان سلطانى له ، بعد موافقة شيخ الاسلام، وهذا النظام كان مطبقا على كل قضاة الايالات العربية( ). ولهذا لم يكن لقاضي طرابلس مرتب معلوم يتقاضاه ، بل كان له حق تقاضى مرتبه من قيمة الاشهادات والوقفيات والاستبدالات والبيوع والهبات وكل ما يجبى من رسوم داخل المحكمة ، وذلك حسب القرار الصادر من الوالى حسن باشا 1837 – 1838 م ، حيث اشار هذا القرار إلى قيمة ما يجبى من رسوم حسب الحالة المعروضة على المحكمة ، وذلك بالقرش التركي أو الاسلامبولى الذي تساوى قيمته اربعين بارة ، والحالات الواردة في ذلك القرار هي:
في حالة المقاسمة بين الورثة من غير نزاع الحكم فيها يؤخذ مبلغ 120 قرشا كحد أعلى ، ومبلغ 60 قرشا كحد متوسط ، ومبلغ 40 قرشا كحد أدنى . وفي حالة عقد الشفعة ، يؤخذ مبلغ 10 قروش وفي حالة الهبة ، يؤخذ مبلغ 30 قرشا كحد أعلى ، ومبلغ 20 قرشا كحد متوسط ، ومبلغ 10 قروش كحد أدنى ، وفي حالة ترشيد السفيه ، يؤخذ مبلغ 30 قرشا ، وفي حالة ضرب الآجال ، يؤخذ مبلغ 5 قروش ، وفي حالة الوكالة بالمحكمة يؤخذ مبلغ 5 قروش ، وفي حالة أن تكون الوكالة في غير المحكمة يؤخذ مبلغ 10 قروش ، ويؤخذ مبلغ 10 قروش عند الحصول على شهادة الوفاة ، ويؤخذ مبلغ 20 قرشا عن العقد للغنى عند الزواج ومبلغ 5 قروش بالنسبة لعقد الفقير . هذا وقد اقر القرار ايضا انه عند الحكم بالنفقة السابقة القابض فيها يعطى اجرة قدرها ربع العشر ، وكذلك عند الحكم للمدعى عليه بعدم الادانة ، يؤخذ مبلغ 50 قرشا كحد أعلى ، ومبلغ 25 قرشا كحد متوسط ، ومبلغ 10 قروش كحد أدنى .
اما في حالة الحكم للمدعى في العقار أو فيما ادعى به فيؤخذ منه ربع العشر ، وفي حالة الطلاق يؤخذ مبلغ 5 قروش وجاء في القرار عن البيع ، انه على الشارى ان يعطي اثنين في المائة في مقابل جميع المصاريف ، اما الشئ الذي يباع من التركة بمعرفة القاضي الشرعي ، ويقسم بين الورثة أو الغرماء فيعطى ربع العشر ان كان فيه يتيم او غائب يؤخذ منهم وليس فيه عشر في جميع الامور الا الذي يدخل للخزانة من يد بيت المال يؤخذ منه المذكور العشر( ).
عند وصول القاضي الى مقر عمله بطرابلس ، يتسلم مقر شؤون القضاء بما فيه من الحجج والوثائق والسجلات والكفالات والمحاضر والوكالات ، حيث يجعل عليها شخصا يرتضيه ، أو يقوم هو بنفسه بحفظها وكان القاضي في العادة يبدأ عند افتتاح عهده بان يكتب بخط تذكارى في السجل الذي يبدأ به يذكر فيه اسمه وتاريخ جلوسه للقضاء في طرابلس ، كما يذكر كذلك اسم الكاتب الخاص به ، وبعض الاحيان اسماء العدول والموظفين في المحكمة( ) وكان الى جانب ذلك يقوم في بداية كل شهر هجرى ، بكتابة عبارات تفيد بداية العمل بالشهر الجديد وذلك حسب النص الآتى :- (( استهل الشهر المبارك ذى القعدة الحرام ليلة الخميس اللهم اجعله بكامل الامان والعفو من الله الحليم الحنان علينا وعلى جميع المسلمين بجاه سيدنا محمد ابن عدنان امين))( ).
وكان القاضي يتخذ كاتبا أو أكثر يساعدونه في تسجيل الوقائع ويكون وفق الشروط التالية كما وردت باحدى الوثائق: ان يكون خبيرا بما يكتب ، وعالما بما يذكره وعلى علم تام بالسجلات ، ومطلعا على اسرارها وعللها وتصاريفها وميزها عن مذموم الفعال متخذا من خشية الله شعارا له ، وان يكون كذلك عارفا باللغة العربية وكان يوجد بمحكمة طرابلس الشرعية عدد من الكتبة ، يشرف عليهم باش كاتب المحكمة ، وكانت مهمة عملهم القيام بكتابة المحاضر ونصوص الاحكام ، وكذلك القيام بنقل نسخ عنها لمن يريدها من الخصوم وكانوا يشتركون في مهام عمل اخرى مع لجان خاصة مكلفة من القاضي باجراء تحقيقات على أرض الواقع ، ويقومون بكتابة ما توصلت اليه هذه اللجان ضمن التحقيقات( ).
اما عن مهام القاضي فقد كان له حق النظر في جميع القضايا المدنية والجنائية ، وهو المتصرف في القضاء تقليدا وعزلا وإدارة ، وقد كان ينظر في القضايا التجارية والجنائية ومسائل الاحوال الشخصية بالنسبة للمسلمين ، ومسائل الاحوال الشخصية الخاصة بالاجانب اذا كانت الشريعة الاسلامية هي الواجبة التطبيق ، والمقصود بمسائل الاحوال الشخصية ، هو مجموعة ما يميز به الانسان عن غيره من الصفات الطبيعية أو العائلية التي رتب القانون عليها اثرا قانونيا في حياته الاجتماعية ، مثل كون الانسان ذكرا ، أو انثى ، وكونه زوجا أو أرمل ، أو مطلقا ، أو ابا ، أو ابنا شرعيا أو كونه تام الاهلية ، او ناقصا لصغر سنه ، او مجنونا . وكذلك كونه مطلق الاهلية ، او مقيدها بسبب من اسبابها القانونية( ).
ويمكننا تلخيص مهام القاضي في النقاط التالية ، وهي شرح لمجمل المهام المذكورة آنفا:
1. تثبيت الحقوق عند التناكر من ديون في الذمم ، بعد سماع الدعوى وحضور وسؤال الخصوم ، والحكم يكون فيها بالاقرار والبينة( ).
2. الفصل والحكم في التشاجر في حقوق الاملاك والمنازعات والمسائل المتعلقة بالمواريث والوصايا ، وغيرها من المسائل والتصرفات المضافة الى ما بعد الموت ، فنجد ان القاضي الشرعي قد اصدر احكامه سنة 1245 هـ في شأن القرار بصحة وصية علي بن الحاج محمد بن عبد الواحد عن اخوته وكذلك نفس الحكم وصية محمد المعلول على ابناء ناصوف واصدر حكمه ايضا في تصفية ارث عائلة الزواوي بمصراته ، ويلاحظ على الوثائق التي تخص الارث ، ان يتم فيها تحديد الاشخاص الذين يحق لهم الارث ، ثم تحديد الارث المنقول وغير المنقول المراد تصفيته ، ثم الحكم في شأنه( ).
3. النظر في العقود من زواج وخطبة ، والحقوق الزوجية وواجباتها المتبادلة ونظام الاموال بين الزوجين ، والطلاق والتطليق والحصانة ، حيث نجد ان القاضي يقوم بتثبيت المهر المقدم منه والمؤخر ، ويذكره في العقد ، كل ذلك من اجل الفصل به عند الطلاق ، وتشير احدى الوثائق بدار احمد النائب الى أن القاضي عندما عرضت عليه قضية طلاق زوجة احمد باشا القره مانلى بحث في تفاصيل عقد الزواج وما قدمه الزوج اليها وكذلك قام بتحديد نفقتها منه( ) .
4. النظر في الوقف ، ان لم يكن له ناظر يتولاه عين له ناظرا ، وان كان له ناظر قام القاضي بمراقبته ، حيث نجد ان القاضي الشرعي في سنة 1254 هـ ، قد حكم بصحة وقف المتوفى محمد بوديور واحالته الى املاك الوقف ، وقور الاشراف عليه( ) .
5. النظر في قضايا السرقة ، والفصل فيها بين الخصوم ، وارجاع المسروقات الى اصحابها في حالة ثبوتها عند السارق ، لقد عرضت قضية الحاج عمر بن سعد الله ، ضد المدعو بلقاسم بن مسعود بن تريكي على القضاء في محكمة طرابلس الشرعية ، حيث ادعى على الثانى ، بأنه ارسل معه عدد تسع عشرة نعجة ، بغرض قيام الثانى بإيصالها الى ابن عم الاول المقيم في طرابلس ولكن الثانى لم يقم بذلك ، وكان الحكم في هذه القضية ان يقوم الثانى بارجاع التسع عشرة نعجة الى الاول ، مع عقوبة السجن في القلعة لمدة ستة اشهر( ).
6. النظر والفصل في حالات الجنون ، والحكم فيها يكون من خلال المشاهدة أو بمعنى آخر لابد من مراقبة ورؤية المجنون على أرض الواقع ، وايضا بناء على تقرير ذوى الشأن مثل الاطباء ، وكذلك بناء على اقوال الشهود ، وتشير احدى الوثائق بدار المحفوظات التاريخية انه قد عرضت على القضاء بمحكمة طرابلس الشرعية في سنة 1283 هـ قضية المدعو محمد الساعدى الغرياني وهومن سكان قرية العمروس التي تقع الى الشرق من مدينة طرابلس بحوالي سبعة كيلو مترات ، انه متهم بإحراق كنيسة خاصة باليهود ، وعند الاستفسار عن حقيقة امره وبيان حالته الصحية ، والاستعلام عنها من طرف قائمقامية الكول اوغلية ، وردت مضبطة منهم حوله ، تشير الى كونه مختل العقل ، وانه يخرج عن التصرفات العادية احيانا ، ويصدر منه مالا يفعله العاقل ، وبناء على ذلك صدر حكم القاضي بترك سبيله وتسليمه الى اوليائه بشرط المحافظة عليه ، حتى لا يعود الى فعل مثل ذلك مرة أخرى( ).
7. اقامة الحدود على مستحقيها فيما يتعلق بحقوق الآدميين ، مثل اقامة حد شارب الخمر، او حد القذف بالزنا ، والقصاص في الجنايات على النفوس وما دونها فنجد انه قد عرضت على القضاء بمحكمة طرابلس الشرعية ، قضية زايد الفرجاني الذي ضبط وهو مخمور في أحد شوارع المدينة ، وكان الحكم عليه بالجلد حسب الشريعة الاسلامية ؟، وكذلك صدر حكم من نفس المحكمة عام 1254 هـ ببراءة احد المتهمين بالقتل لعدم توفر البينة والقرينة عليه ، وكذلك صدر الحكم من نفس المحكمة ضد على بن أحمد بن محمد بن هجرس ، الذي تم توجيه الاتهام اليه بأنه قام بضرب المدعو علي بن سعيد من سكان الخمس ضربا مبرحا ، مما ادى الى وفاة الاخير متأثرا بذلك الضرب وكان الحكم يقضى بسجنه في سجن القلعة ، وكذلك القيام بدفع دية الميت وكان مقدارها مائة بعير ، وايضا صدر من المحكمة في طرابلس ، حكم بالسجن على امرأة تدعى حواء لانها قامت بارتكاب رذيلة الزنا( ).
8. القيام بمهمة تعيين النواب وعزلهم ، ومراقبة سلوكهم الوظيفى والشخصي اذ نجد أن قاضي محكمة طرابلس الشرعى في سنة 1254 هـ ، قام بعزل المدعو عثمان بن علي اليعقوبى ، نائب القاضي الشرعي بمحكمة زليطن الشرعية وكذلك نجده ايضا يقوم بعزل نائب القاضي الشرعي بمحكمة ساحل آل حامد بالخمس ، المدعو الفقيه احمد البشير( ).
9. القيام بمهمة تعيين ائمة المساجد( ).
10.النظر واصدار وثائق تحرير وعتق الرقيق ، والحاقهم باحرار المسلمين والاشراف عليهم ، وعن عتق الرقيق يمكن ان نقول : انه ينقسم الى ثلاثة انواع هي:
أ. العتق من اجل الثواب ، وهو ان يقوم الشخص الذي يملك حرية الرقيق اما عن طريق الشراء أو الارث ، بعتقه من اجل أو بهدف رضا المولى عز وجل ويكون ذلك العتق امام جماعة من الناس ، حيث يصرح المالك بذلك ، وشرط اساسي في ذلك ان يتم تحرير وثيقة شرعية في المحكمة امام القاضي وذلك لغرض اضفاء الصفة القانونية على العتق ، حيث يترتب على ذلك منح المعتق سندا يثبت فيه العتق ونص العتق يكون على الشكل الآتـي : (( بالمحكمة الشرعية حضر الاجل التاجر رمضان بن رمضان واشهد انه نجز عتق عبده الصغير سودانى البلد حالك السواد والحقه باحرار المسلمين فيما لهم وعليهم لا يكون لاحد عليه سبيل سوى سبيل الولاء على ما حكمت به السنة المحمدية على صاحبها افضل الصلاة وازكى التحية يشهد على الشهادة بذلك عارفا به عبد الله بن ابراهيم بن مكرم عفى عنهم بمنه امين ومحمد بن محمد بن كورة))( ).
ب. شراء الرقيق لحريته ، وهو ان يقوم المالك بكتابة عقد بينه وبين رقيقه يذكر فيه قيمة متفقا عليها يدفعها الأخير للأول ، في إطار مدة زمنية معينة ، حيث يقوم الرقيق خلال هذه المدة بدفع تلك القيمة للمالك لقاء حريته ، وتحدد في العقد طريقة الدفع اما ان تكون دفعة واحدة ، او على اقساط واذا عجز الرقيق عن الدفع فانه في هذه الحالة يبقى في الرق مدى حياته ، وعند سداد القيمة من طرف الرقيق للمالك يحرر بذلك سنذ في المحكمة الشرعية امام القاضي ، ويكون نصه كما يلي : (( بالمحكمة الشرعية لدى الاجل الافضل الشيخ الفقيه القاضي الحنفى والسلطانى السى محمد رضى افندى قاضي طرابلس الغرب في التاريخ حضر المكرم محمد بن احمد بن ميلاد القصباتى المسلاتى وغلامه نصر طويل القامة حالك السواد لحيانى سودانى البلد واشهد محمد المذكور انه كاتب غلامه نصرا المذكور بثمن قدره ثلاثة وثلاثون محبوب اسلامبولية يدفعها غلامه المذكور بعد انقضاء عشرة ايام آتية من تاريخه وعند خلاص سيده المذكور في العدد المسطور بالتمام يخرجه نصر المذكور حرا كاحرار المسلمين فيما لهم وعليهم بحيث لا يكون لا حد عليه سبيل سوى سبيل الولاء على ماحكمت به السنة المحمدية ، حضر نصر المذكور والتزم بدفع المكاتب به بعد انقضاء الامر المزبور لمكاتبة المزبور يشهد عليهما بذلك من سمع منهما معرفا بهما عبد الله بن ابراهيم بن مكرم))( ).
ولكن كيف يستطيع الرقيق على القيمة المطلوبة من أجل سدادها للمالك ؟ هنا تشير بعض السجلات الخاصة بالمحكمة الشرعية بدار المحفوظات التاريخية الى انه هناك من اهل الخير والبر من يقوم بالتبرع بالمال لهؤلاء الرقيق لغرض الايفاء ودفع ما كاتبه عليه المالك ، وايضا قد يسمح المالك نفسه للرقيق بالعمل بأجرة اما عنده او عند غيره مما يمكنه من الحصول على القيمة المطلوبة لسدادها مقابل حريته ، وعند سداد المطلوب الى المالك ، يذهب الى المحكمة ويعترف بذلك ، ويمنح الرقيق عتقه أو حريته( ).
ج. العتق في مقابل الخدمة او التدبير ، يتوقف هذا النوع من العتق على اتفاق بين الرقيق ومالكه ، بحيث يتفق معه على ان يقوم بخدمته حتى وفاته – اى وفاة المالك – وعند الوفاة يعتبر الرقيق حرا ، هذا اذا كان المالك موجودا بمقر اقامته اما اذا اراد السفر للخارج ، واراد ان يطمئن على ابنائه خوفا من عدم رجوعه فانه يشترط على الرقيق ان يقوم على الابناء ، بالنسبة للذكور منهم حتى يصلوا مرحلة البلوغ اما الاناث حتى الزواج ، بعدها يصبح حرا.
ولكن هنا يبرز سؤال هام ، يتمثل في انه قد يرفض الابناء القيام بتنفيذ ما اشترطه والدهم ، في هذه الحالة ليس امام الرقيق سوى محاولة ارضاء واقناع الابناء بوصية الوالد ، أو ليس امامه سوى الانصياع لرغبة الابناء والبقاء في الرق( ).
11.تعيين الوكلاء وقبول توكيلاتهم ، وكذلك تعيين العدول ، وابطال شهادة الشهود والعدول، حيث نجد ان القاضي يصدر التوكيلات للوكلاء ، مثل التوكيل الخاص بالحاج احمد بن علي الثني الغدامسي ، الذي وكله علي بن محمد العسومى ، على بيع نصف جنانه الكائن ببلد غدامس وهو داخل الى املاكه عن طريق الورثة ، ووكله ايضا على القبض في حالة البيع ، والابراء والخصام بسائر فصوله ، وقد فوض الموكل للوكيل في ذلك اتم التفويض وقد يطلب القاضي الاطلاع على نص التوكيل فإنه يجب على الوكيل احضار التوكيل الى القاضي ويطلع عليه ، من حيث هل هو موافق للشروط المعروفة في مثل هذه الحالات ؟ او بمعنى آخر يشترط في نص التوكيل ، ان يحتوى على اسم الوكيل ، واسم الموكل والغرض الذي من اجله صدر التوكيل . اما في حالة ابطال الشهادة فانه يجب على القاضي ابطال الشهادة اذا تبين له ان صاحبها غير صادق ويكون ذلك عن طريق اصدار قرار او اذن خاص بذلك كما في النص الاتي:- ((في السادس والعشرين من شهر الله رجب عام اثنين وستين ومائتين والف صار الاذن من افندين الاجل العلامة والحبر المعتبر الهامه الشيخ القاضى السلطانى فضلتلو مولانا السيد محمد امين افندى قاضي ايالة طرابلس الغرب في التاريخ بإبطال شهادة الشيخ جمعة بن عثمان الزايدي والفقيه عبد الجليل بن الحاج محمد بن عبد الجليل الزايدي في المستقبل لثبوت اخذهما الرشوة على شهادتهما اذنا تاما شرعيا لا تقبل لهما شهادة في المستقبل البتة ، وقد شهد عليه وعرفه بكمال بتاريخ اعلاه عبده محمد بن مصطفى الحنفى.))( ).
12. الاشراف على اختبار اعضاء مجلس الستة ، الذي يتكون من شيخ الحرفة او الطائفة وهو يعتبر رئيساً رمزياً ، والكيخيا وهو الرئيس الفعلى ، والباشا وهو نائب الرئيس عند غيابه ، وخبيرين من اهل الحرف ، وباشا آخر وهو ايضا نائب الرئيس ومهمته الاشراف على مراسم الحرفة ، ومهمة هذا المجلس تحديد الاسعار والاوزان وتطبيق التعليمات الخاصة بالجودة في الصناعات ، وتسوية الخصومات الخاصة بالعمل في مجال الحرف والصناعات وجمع ودفع الضرائب المفروضة على الحرف ، واستصدار الرخص الخاصة بالعمل سواء في الحرف او الصناعات( ).
13. القيام باحصاء الاضرارالناجمة عن الكوارث الطبيعية والامراض القاتلة والفتاكة( ).
14. حضور الاجتماعات الرسمية لمجلس الحكم او الوالى ، بجميع انواعها ونقل القرارات التي تخص القضاء والصادرة عن هذه الاجتماعات بالاضافة الى ما يصل من تعليمات من عاصمة الدولة العثمانية اسطنبول ، الى نوابه( ).
15. المشاركة في الاحتفالات الدينية مثل احياء ليلة القدر في شهر رمضان المبارك ، واحياء ايام العيدين ، وكذلك الاشراف على موسم الحج وإمامه الصلاة( ).
لقد كان للقاضي سلطات واسعة جدا ، ويمكن القول بانها كانت في غاية الصعوبة خصوصا اذا ما اخذ في الاعتبار انه هو صاحب السلطة ، وفي نفس الوقت هو الذي ينفذ تلك السلطة ، والجدير بالملاحظة هنا انه بالرغم من السلطات الواسعة للقاضي الا انه يمكن القول : ان هناك ازدواجية في بعض السلطات ، او بمعنى آخر هناك تدخل في سلطة القاضي القضائية من اطراف خارج دائرة القضاء برمته ، ونقصد هنا الوالى ، ففى بعض القضايا الجنائية والمقصود بها تلك التي لها صبغة سياسية ، مثل التمرد واثارة الشغب والعصيان لا ينفرد فيها القاضي بالفصل ، انما عليه ان يحقق فيها ومن كافة جوانبها ، ولا يستطيع اتخاذ أي اجراء بها ، وعليه الانتظار الى حين اصدار الحكم اما من الوالى او من الباب العالى( ).
وفي هذه النقطة يشير ساطع الحصرى ، الى انه كان اعدام الاشخاص في الدولة العثمانية وولاياتها من الامور العادية والمألوفة قبل اعلان خط كلخانة سنة 1839 م ، وكان الولاة يتمتعون بحق الاعدام ، وكان يعقب اعدام الاشخاص حق مصادرة الأموال والأراضي( ).
وهناك بعض القضايا يذهب بها اصحابها مباشرة الى الوالى للنظر فيها ومنه تحال الى القاضي ، وبطبيعة الحال يكون الحكم فيها بما يوافق رغبة الوالى ويكون القاضي منفذا لاوامره ، اذ ياتي الامر وليس امام القاضي سوى التنفيذ فقط( ) وتوجد كذلك قضايا لا ينظر فيها القاضي على الاطلاق على الرغم من انها من صميم عمله ، مثل اصدار الاحكام بالنفي الى الخارج ، فنجد الوالى محمد امين باشا 1824 – 1847 م ، يصدر اوامره بنفى اكثر من تسعين شخصا الى اسطنبول بدون الرجوع الى القاضي( ).
اصلاح القضاء الشرعي:-
بعد صدور الاصلاحات العثمانية ، منذ سنة 1839 م ، بدأ العثمانيون في اصدار العديد من المراسيم الهمايونية في مجال القضاء ، والتي بموجبها تم اصلاح القضاء الشرعي، وإنشاء المحاكم النظامية ، ولكننا سنحاول ان نتناول موضوع اصلاح وتوجيه مناصب القضاة ، تم نظام تعيين النواب وطريقة جباية الرسوم بالمحاكم الشرعية ، وسيكون الحديث عبارة عن عرض للبنود والمواد التي لها علاقة بتطور النظام القضائى.
نظام توجيه مناصب القضاة:-
صدر هذا النظام عام 1271هـ الموافق 1854 م في اسطنبول وقد احتوى على ستة وعشرين بندا ، تعرض الاول منها للطريقة المعمول بها منذ القدم في توجيه مناصب القضاة، وهي تلك الطريقة التي تقضى ان يعقد قضاة العسكر – الروملى والاناضول – ديوانا اربع مرات في العام ، حيث يتم فيها توجيه المناصب القضائية الى الراغبين في الحصول عليها ، وقد نص النظام الجديد على الغاء تلك الطريقة أو اصلاحها عن طريق انعقاد الديوان مرتين في العام ، الاولى في أول ايام شهر محرم ، والثانية في اول ايام شهر رجب ، حيث يتم فيهما توجيه المناصب ، وقد استثنى النظام توجيه المناصب للقضاة الذين كانت مدة تركهم العمل بمجال القضاء تزيد عن خمسة عشر عاما( ) ونص البند ايضا على اجراء امتحان لمن يرغب في توجيه المنصب اليه ، وقد اوجد هذا النظام منصبا جديدا في مقام شيخ الاسلام ، وهو منصب ناظر المجالس التي تعقد فيها الامتحانات الخاصة بالقضاة، وعمله ينحصر في الاشراف على مجالس الامتحانات ، التي تجرى لجميع القضاة العاملين في كل آيالات الدولة العثمانية ، والتي كانت آيالة طرابلس من بينها. وقد منع النظام انتقال القاضي الى منصب قضائي آخر أعلى من الرتبة التي هو فيها( ) وقرر النظام ايجاد دفترين خاصين بإنعقاد الديوان تسجل فيهما مدة المناصب ، مع كتابة اسماء القضاة وشهرة كل واحد منهم ، ويتم ختم الدفترين من قضاة العسكر ، ويقدمان الى شيخ الاسلام الذي يقدمها بدوره الى السلطان الذي يقوم بتوشيح الدفترين بختمه ، حيث يتم بعد ذلك اصدار تذاكر التوجيه الى القضاة( ). بهذه الطريقة الجديدة ، كان يتم اختيار القضاة للعمل في المحاكم الشرعية.
وقد أكد النظام على الديوان ضرورة التحرى وتوخى الدقة والاهتمام اثناء توجيه أى منصب قضائي ، وعدم اسناد ذلك الى اصحاب الطرق السيفية والقلمية والمقصود بهما العسكريون واصحاب القلم من الموظفين المدنيين( ).
وهذا يعنى ان يتولى هذا المنصب رجال العلم اى العلماء ، وطلب النظام من القضاة الذين تقترب مدة توليتهم من نهايتها ويرغبون في البقاء في مناصبهم ان يتقدم كل منهم الى شيخ الاسلام بعرض حال مرفق معه تذكرة التوجيه ، وذلك من اجل ان يقوم الشيخ باجراء التحقيقات اللازمة في ذلك ، بعدها يتم تحويل عرض الحال الى السلطان ، الذي اشترط النظام موافقته ، وعند صدور الموافقة يحرر له تذكرة ابقاء ، والتحرير يكون قبل ان تنتهي فترة تعيين المنصب بثلاثة أشهر وأكد النظام كذلك على ضرورة وجود تذاكر التوجيه والابقاء مع القضاة( ).
وقد تقرر في قانون الولايات الصادر عام 1281 هـ الموافق 1864 م تعيين مفتش للحكام الشرعيين في مركز كل ولاية ، ويكون تعيينه بموجب فرمان سلطانى بعد ترشيح شيخ الاسلام ، ومهمته تنحصر في التفتيش على المحاكم الشرعية ومميز للاعلامات وسائر الوثائق الشرعية التي يلزم تقديمها لمركز الحكومة ، وقد وجد هذا المفتش في اقليم طرابلس، قبل ان يتقرر الغاء هذه الوظيفة وتكليف نائب المركز بها( ).
وفي سنة 1873 م ، صدر نظام الحكام الشرعيين( ) الذي ظل معمولا به حتى نهاية العهد العثمانى ، وقد جاء في هذا النظام إلغاء ما يخالفه من الاحكام السابقة ، واكد على تحديد درجات القضاة ، واصنافهم ، كما تطرق لطريقة الامتحانات التى تجرى لتحديد مستوياتهم ومعاشاتهم ومدة بقائهم في المناصب القضائية ، والعقوبات التي تفرض على المخالفين والمرتشين منهم ، وقد اورد هذا النظام رواتب القضاة حسب التصنيف ، اذ صنف القضاة على خمسة اصناف وكانت الرواتب حسب كل صنف كما يلى :-
1. الصنف الاول خمسة آلاف قرش فما فوق شهريا.
2. الصنف الثاني اربعة آلاف قرش شهريا.
3. الصنف الثالث من اربعة الى ثلاثة آلاف قرش شهريا.
4. الصنف الرابع من ثلاثة آلاف الى الفى قرش شهريا.
5. الصنف الخامس اقل من الفى قرش شهريا.
وقد اعتبر قضاة الولايات من الصنف الاول.
الخـــــلاصة:-
لقد استمر القضاء الشرعي ، كما هو بحيث كان القاضي الشرعي ينظر في القضايا والدعاوى الجنائية والتجارية والمدينة ، ويفصل ويحكم فيها حتى سنة 1867 م ، وهى السنة التي بدأ فيها تأسيس اول المؤسسات القضائية المدنية الناتجة عن الاصلاحات العثمانية التي بدات سنة 1839 م .
 
 المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية © 2010